AL-ATHRAM
مايو 21, 2006, 4:41 م
بسم الله الرحمن الرحيم
نأتي بعد ذلك إلى النقطة الثانية وهي استخدام نفس الحروف والألفاظ التي يستخدمها البشر في أسلوب ومعان يعجز عنها البشر .. وهذا إعجاز وتحد .. لأنك تريد أن تدلل على
مهارة الصانع في أي شيء ..
فأنت لا تأتي بمادة مختلفة .. ثم تقارن بين صانع وأخر ..
أنت إذا أردت مثلاً أن تعرف من هو أمهر الناس في صناعة النسيج .. لا تأتي بخامة من حرير .. وخامة من قطن ... وخامة من خيش .. ثم تعطيها لثلاثة صناع .. وتقارن بين إنتاجهم .. لأنك في هذه الحالة لا تستطيع أبداً أن تقول أن هذه أحسن من هذه .. لأن نسيج الحرير لا بد أن يكون أحسن .. نظراً لأن الخامة التي صنع منها الثوب هي أفضل الخامات ...
ولكن المهارة تكون في استخدام مادة واحدة .. نعطي الكل قطناً أو حريراً أو صوفاً .. ولذلك تكون العناصر المكونة للشيء واحدة .. أو متساوية .. فلا يكون لها دخل في الجودة .. وتكون الجودة أو المهارة للصانع نفسه ...
فأراد الله سبحانه وتعالى .. أن يثبت أولا أن القرآن لم يتميز ببلاغة إلا لأن قائله هو الله سبحانه وتعالى .. مادته ليست من جنس أعلى من مادة البشر .. بل هي من جنس كلام البشر .. الحروف هي الحروف .. والكلمات التي تنطقون بها هي نفس الكلمات المستخدمة ... وجاء بكلمات الحروف كأسماء يستطيع أن ينطق بها الجاهل والمتعلم .. ومسميات يستطيع أن ينطق بها المتعلم وحده .. ثم بعد ذلك قدم المعجزة وتحدى .. الحروف نفس الحروف .. والكلمات نفس الكلمات .. ولكن الذي أفحمهم هو الله سبحانه وتعالى .. فلم يستطيعوا ان يأتوا بمثله .. وهذا دليل على أن الصانع هو المختلف ..
ومن هنا كان التحدي عظيماً .. لأن الفارق هو بين قدرة الله سبحانه وتعالى .. وبين قدرة البشر ..
وعندنا في البلاغة عندما نقول أن هذا الشيء بليغ .. ونقول أن العرف قد اشتهروا بالبلاغة والفصاحة .. يعني أن البلاغة هي وضع الكلام مناسباً للمقام الذي يقال فيه .. ومستوفياً لأركان سلامته .. وأركان الكلام هي ألا يكون بين الحروف تنافر .. مثل أن تكون الكلمة هيع .. هيع .. وانما تكون الكلمات منسجمة .. ولا تأتي مخالفة لقانون اللغة .. ولا تكون غريبة على الأذن .. عندما تستوفي الكلمة هذه الشروط .. توضع في جملة يشترط أن تكون منسجمة مع الكلمة الأخرى .. خاضعة لقواعد اللغة .. وليس فيها تعقيد ..
إذن عندما جاءوا ليعرفوا البلاغة قالوا هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته .. تراكيب منسجمة ومخاطبة للبشر .. مطابقة لمقتضى عقلهم .. ومن هنا فكانت بلاغة البشر على قدر علمهم بمقتضى حال المخاطب .. ومعنى ذلك أنه لا بد أن يكون هناك علم .. وعلمنا كبشر بأحوال المخاطبين محدودة ..
ولكن الله سبحانه وتعالى بلا حدود .. ومن هنا فإن بلاغة القرآن الكريم في أنه معجز في مخاطبته للبشر جميعاً .. معجز في بلاغته .. ومطابقته بمقتضى مخاطبته للبشر جميعاً يخاطب ملكات في النفس لا ندري .. لا نعرف سرها .. مكون من نفس الحروف والكلمات التي يستخدمها العامي .. والمتعلم ..
تحدى به الله البشر أن يأتوا بصورة من مثله .. ثم تحدى الإنس والجان .. وهم الذين لهم اختيار .. ووضع الله فيه أسماء الحروف كإعجاز لأن الموحي إليه وهو النبي صلى الله عليه وسلم أمي لم يقرأ .. ولا يكتب .. على أن الإعجاز في القرآن لا ينتهي عند هذا الحد .. وانما يمتد إلى دقة اللفظ والتعبير التي يعجز عنها البشر ..
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
يونيو 19, 2006, 8:33 م
بسم الله الرحمن الرحيم
البلاعة في القرآن الكريم
إذا أردنا أن نتحدث عن معجزة القرآن .. وبلاغته ..
فإننا لا بد أن نتناول دقة اللفظ .. أو دقة التعبير في القرآن الكريم .. وكلام الله سبحانه وتعالى يجب أن يكون في غاية الدقة .. بحيث يعبر عن الشيء تعبيراً كاملاً .. فلا تجد حرفاً زائداً بلا معنى .. ولا كلمة مترادفة إلى آخر ما يقال عن القرآن الكريم .. والحقيقة أن المعجزة في القرآن تجدها في حرف .. فيقول الله سبحانه وتعالى :
" قُلْ سِيرُوا
فِي الْأَرْضِ ... (20) " سورة العنكبوت
وتقف أنت عند هذه الآية الكريمة وتسأل .. لماذا لم يقل الله :
قل سيروا
على الأرض ...
هل أنا أسير في الأرض .. أو على الأرض .. حسب مفهوم الناس جميعاً .. فأنا أسير على الأرض .
.
ولكننا نجد أن الله قد استخدم كلمة
في .. .. ولم يستخدم كلمة
على .. يقول :
سيروا في الأرض .. ( ففي ) تقتضي الظرفية .. والمعنى يتسع لأن الأرض ظرف المشي .. ومن هنا فإن التعبير جائز .. ولكن ليس في القرآن كلمة جائز .. فالتعبير يقدر المعنى تماماً ..
والحرف الواحد يغير المعنى وله هدف .. وقد تم تغييره لحكمة لكن ما هي حكمة استخدام حرف ( في ) بدلا من حرف ( على ) ..؟
عندما تقدم العلم وتفتح وكشف الله أسرار الأرض وأسرار الكون .. عرفنا أن الأرض ليس بمدلولها المادي فقط .. أي أنها ليست الماء والأرض .. أو الكرة الأرضية وحدها .. ولكن الأرض هي بغلافها الجوي .. فالغلاف الجوي جزء من الأرض يدور معها ويلازمها .. ومكمل للحياة عليها .. وبدونه تصبح الحياة غير ممكنة على الأرض .. وسكان الأرض يستخدمون الخواص التي وضعها الله في الغلاف الجوي في اكتشافاتهم العلمية ..
والدليل على ذلك أنك إذا ركبت الطائرة فإنها ترتفع بك 30 قدم مثلاً عن سطح الأرض .. ومع ذلك فإنك لا تقول أنك خرجت من الأرض .. ولكنك تقول أنت تطير في الأرض .. متى تخرج من الأرض علمياً وحقيقة .. هو عندما تخرج من الغلاف الجوي المحيط بالكرة الأرضية .. فأنت في الأرض .. ولست خارج الأرض فإذا خرجت من الغلاف الجوي .. فأنت في هذه اللحظة التي تخرج فيها خارج الأرض .. الغلاف الجوي متمم للأرض .. وجزء منها .. ويدور معها .
نعود إلى الآية الكريمة ونقول : لماذا استخدم الله سبحانه وتعالى لفظة
في .. ولم يستخدم لفظة
على ..؟
لأنك في الحقيقة تسير في الأرض .. وليس على الأرض
..
هذه حقيقة علمية لم يكن يدركها العالم وقت نزول القرآن .. ولكن الله سبحانه وتعالى وهو القائل .. وهو الخالق يعرف أسرار كونه .. يعلم أن الإنسان يسير في الأرض .. أنه يسير على سطح الأرض .. ولكنه لا يسير على الأرض .. بل يسير فيها بين الغلاف الجوي والسطح .. ومن هنا فهو يسير في الأرض .. أي في وسطها بين غلافها الجوي الذي هو جزء منها .. وبين اليابسة التي جزء آخر ..
وهكذا نجد دقة التعبير في القرآن في حرف .. وجد معجزة القرآن في حرف .
وللحديث بقية ..
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
يوليو 12, 2006, 8:08 م
بسم الله الرحمن الرحيم
اختلاف الصبر
أنتقل بعد ذلك إلى مثل آخر لنعرف مدى بلاغة القرآن في اختيار اللفظ الذي يناسب المعنى تماماً .. وليس فيه تجاوز ولا مترادفات .. يقول الله سبحانه وتعالى على لسان لقمان وهو يوصي ابنه :
" وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) ". سورة لقمان
.. ثم نجد في أية ثانية ..
" وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) ". سورة الشورى
زادت هنا اللام .. أي انسان يقول ان زيادة اللام هنا للتأكيد .. كلمة مترادفة .. لا يتوقف عندها كثيراً .. ولكن المسلم حين يدقق في معني القرآن الكريم .. يجد أن كل حرف في القرآن الكريم ... قد تم وضعه بحكمة بالغة ... وأنهن لا شيء اسمه مترادفات .. وانما لكل لفظ معنى يؤديه .. ولا يؤديه اللفظ الآخر .. رغم التشابه .. فإذا دققنا في المعنى نجد ما يلي :
في الآية الأولى يقول الله سبحانه وتعالى :
" وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ".
والأمر الذي يصيب الإنسان نوعان نوع للإنسان فيه غريم .. ونوع لا يوجد فيه غريم .. عندما أمرض ليس لي غريم .. وإذا أصابني مكروه بقضاء وقدر .. كأن أكون سائراً في الطريق فيسقط شيء فوقي ليس هناك غريم .. إنما عندما أسير في الشاعر ويعتدي على انسان بالضرب .. أذن هناك غريم ..
فهناك نوعان من الصبر .. صبر النفس فيما ليس لي فيه غريم .. وهذا هين لأنه ليس هناك انسان أنفعل عليه .. لا أملك أن أرد على شيء قد حدث لي ... ما حدث هو قضاء الله .. وأنا ليس أمامي إلا الصبر .. هذا نوع من الصبر لا يحتاج إلى طاقة كبير ليمارسه الإنسان .. لأنه ليس هناك غريم أستطيع أن أرد له ما أصابني ..
والنوع الثاني من الصبر .. محتاج إلى جلد أكبر .. ومحتاج إلى قوة إرادة .. وهذا النوع هو الذي يوجد لي فيه غريم أستطيع أن أنتقم منه .. وأستطيع أن أصفح وأغفر .. اذن عندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن الصبر بنوعيه ... يعطي لكل نوع ما يستحقه من وصف للنفس البشرية .. فهو عندما يتحدث عن الصبر على شيء ليس لي .. فيه غريم .. يقول الله :
" وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) ". سورة لقمان
وعندما يتحدث عن الصبر الذي لي فيه غريم بحيث أستطيع أن أنتقم .. وأكون منفعلاً إذا لم أنتقم .. يقول الله سبحانه وتعالى :
" إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43) ". سورة الشورى
هنا اللام للتأكيد في نوع الصبر .. وما يحتاجه من جلد وضبط للنفس .. ففي الحالة الأولى حينما لا تستطيع أن تعاقب بمثل ما عوقبت به .. يكون الصبر من عزم الأمور .. ولكن في الحالة الثانية فأنك تستطيع أن تنتقم من غريمك .. ولذلك قال الله تعالى :
" وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ (43) ". سورة الشورى
وهنا يظهر من كلمة غفر .. أن هناك غريماً يمكن الانتقام منه .. وان هذا الغريم قد غفر الانسان له .. ومن هنا لا بد أن تأتي اللام للتأكيد .. لتؤكد المعنى .. وتؤكد الفرق بين عزم الأمور في الحالة الأولى .. وعزم الأمور في الحالة الثانية .. وهكذا نرى أن حرفاً واحداً في القرآن الكريم يصنع معجزة ..
وللحديث بقية ..
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
يوليو 28, 2006, 1:45 م
بسم الله الرحمن الرحيم
مخاطبة النفس البشرية ..
على أن المعجزة لا تأتي في حرف فقط .. بل تأتي أيضاً في مخاطبة القرآن للملكات البشرية المستورة .. الشيء الذي ينبىء عن علم تام بخفايا النفس البشرية .. وملكاتها التي نعرفها .. والتي نجهلها ..
فمثلاً عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يمنع المشركين بأن يطوفوا بالبيت الحرام .. ساعة ما يلقي هذا الأمر .. ما الذي يهتز في نفس المسلم الذي يستمع .. أي الملكات تهتز .. ملكة الاقتصاد في النفس .. على أساس أن هؤلاء المشركين يأتون من كل الدول .. المدن .. القرى .. والبلاد المحيطة بمكة .. وهذا لم يصلها الإسلام بعد ..
ومعنى منعهم من الحضور .. منع الخير الذي يأتي معهم .. فهم يأتون بالبضائع .. وينفقون .. ويحدثون رواجاً اقتصادياً .. هنا تهتز ملكة الاقتصاد في النفس .. والله سبحانه وتعالى وهو خالق النفس البشرية .. يعلم هذا .. فعندما تنزل هذه الآية .. لا تقتصر على مخاطبة ناحية أفعل ولا تفعل .. كأوامر ونواه .. وطريق ومنهج للحياة ... ولكن تتجلى فيها رحمة الله فتخاطب الآية الملكة النفسية التي تتأثر بالاقتصاد .. فعندما يقول الله سبحانه وتعالى :
" إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا ( 28 ) ". سورة التوبة
يخاطب في نفس الآية الملكة الاقتصادية .. ويخاطب الملكة الاقتصادية قبل أن يثار السؤال في أن ذلك سيؤدي إلى ضيق الرزق .. فيقول الله سبحانه وتعالى :
" َإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ ( 28 ) "... سورة التوبة
نفس الآية .. والمعنى هنا أنه حذار أن تفتنكم الملكة الاقتصادية ... وتأثيرها داخل النفس يتكرر الآن في أشياء كثيرة تحدث في الدنيا .. والله سبحانه وتعالى حين يقول لك افعل كذا .. أو يقول لك لا تتعامل مع كذا .. يأتي بعد ذلك مباشرة السؤال إلى ذهنك .. والرزق الذي أحصل عليه من هذا التعامل .. من أين آتي به .. وهنا يقول الله سبحانه وتعالى أنني أرزقك من طريقي .. وما دام الرزق بيدي أنا فإنني سأيسر لك سبيلاً آخر للرزق .. ولا تخش الفقر .. ولا تخف من أن رزقك سيناله غيرك ..
" هُوَ .. يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) ". سورة الشعراء
والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يخاطب دائماً ملكات النفس البشرية .. ويرد عليها ببلاغة وبدقة متناهيتين .. بحيث تجد أنه عندما تتغير كلمة واجدة من الكلمات .. فان ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يعطي معنى جديداً .. أو يفهم شيئاً جديداً .. وهذه الدقة الهائلة .. تجدها موجودة بكثرة في القرآن الكريم ... مثلاً ابراهيم عليه السلام يقول :
" فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) ". سورة الشعراء
هنا نتوقف لنسأل : لماذا لم يقل إبراهيم عليه السلام هو الذي خلقني فهو يهديني ..
وقال : " الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) ".
لأن الخلق ليس محتاجاً إلى تأكيد .. فليس هناك انسان مهما كبر وعظم وحكم الدنيا كلها .. يستطيع أن يدعي أنه يخلق انساناً .. وإلا فسنطلب منه أن يفعل ذلك وسيعجز .. اذن فالخلق لم يدعه أحد .. وذلك فانه غير محتاج إلى تأكيد .. انما الهداية هناك مئات الألوف ممن يدعون انهم يهدون الناس ..
بعضهم وضع مناهج مع الدين .. ويعضهم وضع مناهج ضد الدين .. والمهم انهم جميعاً يدعون أنهم يريدون هداية البشر .. وكل انسان يضع نظاماً يخضع لأمره وهواه .. ويدعي أنه للهدية .. ومنا هنا كان لا بد من التأكيد على أن الهدى من الله وحده .. وأن الحق والطريق المستقيم من الله وحده .. وهكذا نرى أن الضمير هنا كان لا بد من وضعه .. وأن الضمير في الجزء الأول من الآية لم يكن هناك حاجة للتذكير به .. فالخلق صفة من صفات الله .. لا ينازعه فيها أحد .. فهو ليس محتاجاً إلى تأكيد وانما الهدى فيه ادعاءات من الناس .. وهنا تأتي كلمة ( هو ) ضرورة .. ثم تأتي بعد ذلك في :
" وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) ". سورة الشعراء
لأن الإنسان يكسب ثمن الطعام والشراب فهناك ادعاءات كثيرة في الرزق .. ومنا هنا فان هذه الادعاءات محتاجة إلى ان يقول الله سبحانه وتعالى كلمة :
" هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) ".
ويقول أيضاً مع :
" وَإِذَا مَرِضْتُ
فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) ". سورة الشعراء
.. ذلك أننا بين الطبيب والدواء ننسى إرادة الله سبحانه وتعالى .. ثم بعد ذلك نأتي إلى عدم وجود كلمة هو في قوله تعالى :
" وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) " . سورة الشعراء
ولم يقل : والذي ( هو ) يميتي ثم ( هو ) يحين لأنه لا أحد يستطيع أن ينازع الله في مسالة الموت والحياة .. ولا يدعيها لنفسه .. ومن هنا كان التأكيد غير لازم لمقتضى الحال وهكذا نرى في هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى يأتي بالضمير فيضعه مرة .. ويحذفه مرة .. لأن المقام يقتضي ذلك .. ولأن دقة التعبير في القرآن الكريم تجعل الكلمة الواحدة توضع في المكان المناسب لتعبر عن المعنى الدقيق البالغ الدقة .. سواء من ناحية الإضافة أو الحذف .. أو اختيار الكلمات .. ولو ان الله سبحانه وتعالى استخدم كلمة هو في كل الآيات التي ذكرناها .. أو حذف كلمة هو من كل الآيات التي ذكرناها .. لما تنبه لذلك معظم الناس .. ولمضى الحديث على أساس أنه كلام بشر .. ولكنه كلام الله سبحانه وتعالى ..
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
أغسطس 31, 2006, 8:20 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
لماذا التغيير ..
ونرى أن الدقة البالغة في التعبير تقتضي التغيير في كل حرف يتم .. وفي كل كلمة تقال .. بل في نفس الكلمة مثلاً .. مثل سقيناهم .. واسقيناهم .. سقيناهم متعدياً .. وأسقيناهم متعدياً ..
"
َسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) ". سورة الانسان
هذا قول الله سبحانه وتعالى .. وفي آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى
:
"
وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم (16) ". سورة الجن
لماذا لم يقل لو استقاموا على الطريقة لسقيناهم .. مع أن سقى وأسقى بمعنى واحد .. واللفظان يتعديان لمفعولين .. ما هو الخلاف هل هي مجرد مترادفات .. أم ألفاظ تتغير حتى لا تتكرر نفس الألفاظ .. أبداً .. كل تغيير له حكمه .. كل تغيير يحدد معنى معيناً لا يحدده غيره .. ونحن حين نأتي ونتابع القرآن الكريم نجد
أن سقى تستخدم في الأمر الذي ليس فيه كلفة ولا علاج .. هذا في أمور الدنيا ...
"
أسقيناهم ماء غدقا " ...
أمر فيه كلفة .. فيه جهد .. نحن أوجدنا لهم الماء وجعلناه متوفراً لديهم بلا تعب ولا نصب .. فهو موجود في البئر .. ولكن لكي تتم السقيا يجب أن يذهب الإنسان إلى البئر ليشرب .. أو أن يحضر له إنسان آخر الماء ... إذن هنا في أسقيناهم .. رغم أن الماء موجود بقدرة الله سبحانه وتعالى .. ومتوافر بقدرة الله سبحانه وتعالى .. إلا أن عملية السقيا فيها عمل من الإنسان .. أو جزء من العمل .. فإذا أتينا إلى كلمة سقيناهم .. نجد الله سبحانه وتعالى يقول :
"
وسقاهم ربهم شراباً طهورا " ...
هذا في الجنة .. بمجرد الخاطر ليس فيه كلفة .. إذا أحسست بالعطش وجدت الماء أمامك يصل إلى فمك .. هنا في الآخرة لا يوجد أي جهد ولا أي كلفة للإنسان في أي عمل يعمله .. فكل شيء في الجنة متى تمناه الإنسان وجده حاضراً أمامه .. إذن فقول الله سبحانه وتعالى ...
"
وسقاهم ربهم شراباً طهورا " ...
معناه أن السقيا هنا في الجنة ليس فيها أي جهد .. ولا أي كلفة .. ولذلك فرق الله سبحانه وتعالى بين السقيين .. رغم أنه هو الذي أوجد الماء أو ما يتم شربه في الحالتين ..
وللحديث بقية ..
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
سبتمبر 21, 2006, 8:51 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
يعملون .. ويعقلون ..
وإذا مضينا نقرأ في القرآن الكريم .. نجد الله سبحانه وتعالى قد استخدم لفظاً معيناً .. وفي حالة مماثلة لم يأت بنفس اللفظ حتى أنك حين تسمع الآية تظن أنه سيأتي باللفظ الأول .. ولكنه لا يأتي به .. مثلا يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة :
" أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ ( 104 ) ."
ويقول الله سبحانه وتعالى في سور البقرة :
" أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ( 170 ) ."
لماذا الاختلاف في الكلمة .. مع أن العلم والعقل واحد .. أقول ان هناك فرقاً كبيراً يحتم في مرة استخدام لفظ يعلمون .. وفي مرة استخدام لفظ يعقلون ..
نأتي إلى نص الآيتين الكريمتين في سورة البقرة ( 170 ) يقول الله تعالى :
" وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ .. وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ . "
والآية الثانية من سورة المائدة ( 104 ) ..
" وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ .. أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ .. "
ولكن عندما يأتي المستشرقون يقولون أن اللفظين مترادفان .. فالعلم والعقل .. والعقل والعلم شيء واحد .. والعاقل من علم أو من استطاع أن يعقل العلم .. ويقولون ان هذه مترادفات إلى آخر ما يقال في هذا الموضوع ..
نقول لهم انكم حينما تقولون هذا الكلام .. إنما لا تعرفون شيئاً عن بلاغة القرآن الكريم .. فالله سبحانه وتعالى لا يستخدم لفظين لأداء نفس المعنى ولكن كل لفظ له معناه .. كل لفظ يغبر بدقة عن المعنى المراد منه ..
فالله سبحانه وتعالى عندما يقول يعقلون .. معناها انهم لا يفهمون شيئاً أي ليس لهم عقول تفكر .. لا يتدبرون في أمر هذا الكون .. انهم لا يستخدمون عقولهم .. ولو استخدموها وفكروا وتأملوا قليلاً لوصلوا إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق البارئ .. وان هذا الكون بدقته وبديعه لا يمكن الا أن يكون من خلق الله سبحانه وتعالى .. هذه في كلمة يعقلون ... إذن هنا هو نفي عنهم التدبير والتعقل في أمور العبادة وفي أمور هذا الكون ..
ولكن عندما يقول الله سبحانه وتعالى لا يعلمون فهو قد نفى عنهم التعقل والعمل معاً .. بمعنى أنني قد أكون أنا باحثاً في هذا الكون .. قد أكون متأملاً فيه عاقلا لما يدور .. فافكر بعقلي .. وأصل إلى أشياء .. هذا هو الإنسان الذي يعقل .. اما قوله .. " لا يعلمون "
فهو يريد أن يقول لنا .. انهم بجانب عدم تدبرهم في هذا الكون .. وانهم لا يعقلون الآيات الموجودة فيه .. هم أيضا لا يعقلون ما علمه غيرهم من العلم .. فالذي لا يعقل لا يتدبر ولا يفكر في آيات الكون .. أما الذي لا يعلم فهو لا يفكر بعقله .. ولا يفكر في آيات الكون .. أما الذي لا يعلم فهو لا يفكر بعقله .. ولا يعلم ما عقله غيره .. انه ليس لديه علم .. ولا علم له من نتاج عقل غيره .. فالعلم أوسع من التعقل .. ذلك ان العمل قد يكون علم غيري دَوّنه أو كتبه وسجله وأكون أنا في هذه الحالة قد أخذت هذا العلم .. وقرأته .. فكأني علمت ما عقله غيري .. وهذا يحدث لنا كل يوم فنحن حين نقرأ كتاباً جديداً نعقل ما علمه غيرها ..
وحين نذهب إلى الجامعة ندرس ما علمه الأساتذة وكبار المفكرين .. فأنا لم أعقل الجاذبية مثلاً .. ولم أعقل قوانين الفضاء لأنني لم أشتغل بها لكي أصل إليها بعقلي .. ولكني علمتها عن طريق عالم في الفضاء .. أو في الجاذبية .. ووصل بعقله وفكره إليها ثم قرأت أنا ما علمه هو .. فأنا هنا علمت ما عقله غيري ..
فالله سبحانه وتعالى حين يقول لا يعقلون في الآية الأولى . أي انهم لا يتدبرون في الكون مستخدمين عقولهم .. لأنهم يقولون :
" بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا "
ومن هنا فأن الله رد عليهم :
" أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ "
ولذلك يصفهم الله سبحانه وتعالى :
" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ "
أي لا يسمعون ولا يرون ولا يتحدثون بآيات الله سبحانه وتعالى وهذا هو السبب في أنهم لا يعقلونها .. ولكن حين يقول الله سبحانه وتعالى : لا يعقلون .. تأتي رداً على كافرين .. قالوا :
" حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا "
هنا هم قد نطقوا .. قالوا : لا نريد شيئا .. ولا نريد علماً .. يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا .. فرد الله سبحانه وتعالى :
" أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ "
أي أنهم لا يعلمون علماً بعقلهم . .ويرفضون العلم الذي وصل إليه غيرهم .. وهكذا نرى الفرق بين كلمة لا يعقلون .. وكلمة لا يعلمون ..
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
أكتوبر 6, 2006, 7:12 م
بسم الله الرحمن الرحيم
نرزقهم .. ونرزقكم
ننتقل بعد ذلك إلى نقطة أخرى تشهد على بلاغة القرآن الكريم .. ودقة التعبير فيه .. والقرآن الكريم مليء بإعجاز لا ينتهي أبداً .. مثلا بعض الآيات في القرآن الكريم يقول العقل السطحي أن معناها واحد .. ويتساءل لماذا غير الله سبحانه وتعالى الألفاظ .. ولكن المتدبر في القرآن الكريم لا يمكن أن يقول أنها توارد ألفاظ .. فليس هناك شيء في القرآن الكريم اسمه توارد ألفاظ ولكن هناك دقة بالغة في التعبير .. واختيار اللفظ ..
فالنظر إلى المعنى الذي قد لا يفطن إليه كثير من الناس .. مثلاُ فإن وأد البنات كان موجوداً في الجاهلية .. ثم جاء الإسلام ليمنع هذا .. فقال الله سبحانه وتعالى .. في سورة الأنعام :
" وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ " ( 151 ) .
الكلام هنا عن الفقر وقتل الأولاد .. نأتي بعد ذلك إلى الآية الثانية :
" وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ( 31 ) " سورة الإسراء .
والآية الأولى .. ( نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ )
والآية الثانية .. ( نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم )
نسأل ما هو الخلاف .. الآية الأولى تقول.. (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ ) .. أي أن الفقر موجود فعلاً .. الإملاق وهو الفقر موجود فعلاً .. ثم يقول الله سبحانه وتعالى : ( نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ) .. ما دام الفقر موجود فعلاً .. يكون الإنسان مشغولا برزقه أولا .. يبحث عن طعامه هو أولا ثم بعد ذلك يبحث عن طعام من سيأتي به من أولاد .. هَمْ الإنسان هنا هو البحث عن طعامه وطعام زوجته ..
ومن هنا يقول الله سبحانه وتعالى : ( نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) .. أي أنه يطمئنه أولا على رزقه الذي هو شغله الشاغل .. ثم بعد ذلك يطمئنه على رزق أولاده .. فيقول له :
أنت فقير ومشغول برزقك .. وتخشى أن تأتيك الأولاد .. لأنك لا تملك ما تطعمهم به .. أنني أرزقك .. وأرزقهم .. أنت لك رزقك وهم لهم أرزاقهم لن يأخذوا من رزقك شيئاً .. ولكن الآية الثانية تخاطب نوعاً آخر من الناس .. الآية الثانية تقول :
" وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ( 31 ) " سورة الإسراء .
هنا الإنسان ليس مشغولاً برزقه لا يخشى الفقر .. عنده ما يكفيه .. ولكنه يخاف أن رزق بطفل أن يصاب بالفقر .. أن يأخذه هذا الطفل جزءاً من الرزق .. ويصبح الرزق لا يكفيه .. ويكفي طفله .. ومن هنا فإن هذا الإنسان يخاف إنجاب الأطفال .. لماذا ؟
لأنه يخشى أن يأخذوا من رزقه شيئاُ .. فيصبح فقيراً .. فيقول الله سبحانه وتعالى : ( نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم ) .. إذن فالتغيير هنا لازم وضروري .. كل يخاطب حالة على حده ..
ولكن لماذا قال الله سبحانه وتعالى :
( نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) ..
وقال :
( نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم )
ولم يقل :
نحن نرزقكم جميعاً .. ؟
لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن نعرف أن لكل إنسان في هذه الدنيا رزقاً مستقلاً عن الآخر .. وهذا الرزق الذي قسمه الله سبحانه وتعالى لا يستطيع إنسان آخر أن يأخذه منه شيئاً .. والوالد لا يأخذ من رزق ابنه شيئاً .. ولأعلم أنا أنني حينما أرزق بمولود فإن الله سبحانه وتعالى لا يقسم رزقي بيني وبينه .. أو عندما أقتل المولود لن استأثر أنا برزق أكبر .. أبداً ..
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
أكتوبر 10, 2006, 10:52 م
بسم الله الرحمن الرحيم
أنت العزيز
نأتي بعد ذلك إلى الآية الكريم قول الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة :
" وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ
قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ ( 116 ) ."
ثم يقول عيسى بن مريم :
" إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 117 ) ."
كون عيسى بين مريم يقول :
" إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ "
فهذه مفروغ منها .. فنحن جميعاً عباد الله مقهورون لارادته ... خاضعون له سبحانه وتعالى ولقضائه ..
ثم يقول عيسى بن مريم :
" وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ "
هذا طبعاً ما يروجوه كل إنسان من الله سبحانه وتعالى الرحمة والمغفرة .. ولكن هنا يتبع كلمة ..
" وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
لماذا لم يقل أنك أنت الغفور الرحيم .. هنا موقف غفران .. فلماذا العزة في موقف الغفران .. وليست الغفرة والرحمة ؟ ... يقول بعض الناس إن العبارة غير متمشية .. وان سياق الكلام كان يقتضي أن يقول عيسى بن مريم ( إنك أنت الغفور الرحيم ) ..
ونحن نقول ان كل ما يثير هذا الكلام لا يفهم إعجاز القرآن .. ققول ابن مريم "
" وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ "
يحمل نفس المعنى في إنك أنت الغفور والا أن لم تكن غفوراً فكيف تغفر . ولكن قوله انك أنت العزيز الحكيم ما سبب وضع ( العزيز الحكيم ) هنا .. هل الآية مختومة بما لا يتمشى مع العقل ؟ ..
الآية مختومة بعبارة من أبلغ ما يمكن .. هنا في مطلب الغفران .. وهو يدعو الله أن يغفر لعباده ... فيقول له :
" وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ... فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ "
أي الذي لا يحاسبه أحد على ما يفعل .. فلا أحد سيأتي ليقول لله لماذا غفرت لهؤلاء الناس الذين عصوا ؟ .. لأنك أنت العزيز لا يحاسبه أحد .. وليس فوقه قوة .. فأنت يا ربي أن أردت أن تغفر لهم فيه مشيئة رحمت .. فانك قادر .. لماذا ..؟ لأنك أنت العزيز تستطيع أن تفعل ذلك دون أن يسألك أحد .. الحكيم الذي يتم كل أمر منك بحكمة ..
وهكذا نرى أن هذه الكلمة وضعت بحكمة زيادة في الاستغفار .. زيادة في طلب المغفرة .. يا ربي اغفر لهم انك أنت العزيز .. لا يحاسبك أحد .. ولا يعقب عليك .. وبالتالي فنحن نلوذ بشيئين بأنك غفور رحيم .. وبأنك عزيز حكيم .. غفور تغفر الذنوب للعاصين .. وعزيز تستطيع أن تغفر ما تشاء لمن تشاء .. بلا قيود .. ولا يحاسبك أحد على ما تفعل .. ولا يعتب عليك .. ولا يسألك .. انك تستطيع أن تغفر الذنوب مهما بلغت ..
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
أكتوبر 20, 2006, 11:48 م
بسم الله الرحمن الرحيم
ظالم النفس .. والسوء
..
ننتقل بعد ذلك إلى نقطة ثانية .. في الآية الكريمة ..
" وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ( 153 ) .. سورة آل عمران.
بعض الناس يتساءل :
أليست الفاحشة والسوء هما ظلم النفس .. أنهما نفس الشيء .. فالذي يظلم نفسه يقودها إلى العذاب ..والذي يفعل فاحشة يقود نفسه إلى العذاب .. نفس الشيء .. بل أن بعض الناس يقولون أن العطف هنا غير واجب ..
الذي يفعل سوءا أو فاحشة يفعلها ليحقق لذة عاجلة .. نفس ضعيفة يغلبها الهوى وتخضع لبريق الدنيا .. إنسان شرب الخمر .. حقق لنفسه لذة الخمر .. إنسان زنا .. حقق لنفسه شهوة عاجلة .. إنسان سرق مال غيره .. حقق لنفسه شهوة عاجلة بالتمتع بهذا المال .. هذا هو الإنسان الذي يفعل السوء أو الفاحشة ..
أما الإنسان الذي يظلم نفسه فهو إنسان آخر .. انه يرتكب إثما ولا يستفيد منه .. لا يعطي نفسه شيئاً في الدنيا ولا في الآخرة .. حينئذ يكون قد ظلم نفسه .. يمعنى أنه لا أعطاها شيئا عاجلا .. ولا نجاها من عذاب الآخرة ..
ومن الناس من يبيع دينه بدنياه .. ومنهم من يبيع دينه بدنيا غيره .. الذي يبيع دينه بدنياه يطلب العاجلة .. اما من باع دينه بدنيا غيره .. خاب في الأولى والآخرة .. هو الذي ظلم نفسه .. ولكن كيف يظلم الإنسان نفسه .. فالإنسان حين يشهد زوراً ليؤذي غيره لم يستفد هو شيئا فقد ظلم نفسه .. ارتكب إثما .. شهادة الزور دون أن يحقق نفعاً دنيوياً ..
إذا قبض ثمن شهادة الزور .. يكون قد حقق نفعاً دنيوياً .. ولكن الذي يظلم نفسه هو الذي يفعل ذلك ليرضي غيره .. ونجد كثرين في الدنيا مثل هؤلاء ..
إنسان يتهم إنساناً آخر بتهمة باطلة .. لا يستفيد هو شيئا .. ويرتكب الإثم .. إذن هو ظلم نفسه .. إنسان يكتب تقريراً كاذباً في إنسان ليمنع ترقيته .. أو يتطوع بحديث يختلقه عن شخص ليمنع الخير عنه أو يؤذيه .. أو يشي بشخص كذبا ليدخله السجن .. أو يضعه في الاعتقال .. أو يتجسس على إنسان ليلفق له تهمة لمجرد الانتقام التافه .. كل هؤلاء ظلموا أنفسهم .. انهم يرتكبون الإثم في الدنيا .. ولا يحملون له فائدة لا في دنياهم .. ولا في آخرتهم .. فكأن الذي ظلم نفسه هو الذي جعلها تدخل النار .. هو الذي جعلها ترتكب الإثم .. وفي نفس الوقت لم يعطها شيئا على وجه الإطلاق .. فهو ظالم لنفسه في الدنيا .. ظالم لنفسه في الآخرة .. وهنا فرق بين التعبيرين .. ومن هنا لا نقول أبداً عطف .. ولا ألفاظ مترادفة بل دقة بالغة في التعبير ..
نور وظلمات
..
تعبير آخر في القرآن الكريم .. والقرآن الكريم مليء بالتعبيرات الدقيقة .. نجد أن الله سبحانه وتعالى حين يستخدم كلمة نور وظلام في القرآن الكريم يقول (
نور ) ويقول ظلمات وظلمة .. ولكنه لا يقول أنوار .. أبدا هناك نور وظلمة .. وهناك نور وظلمات .. ولكن الله سبحانه وتعالى لا يستخدم كلمة (( أنوار )) انه يخرج الناس ...
" مِنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ "
وليس إلى الأنوار .. لماذا ؟ .. مع أن المنطقي أن يقال يخرج الناس من الظلمات إلى الأنوار .. نقول له .. انك لم تع الحقيقة جيداً .. في الدنيا هناك ظلمات كثيرة .. ولكن ليس هناك أنوار .. هناك نور واحد هو نور الله سبحانه وتعالى نور الحق .. ولذلك لا يستخدم الله سبحانه وتعالى الا كلمة نور .. لأن النور هو نور الحق .. ولا نور غيره ..
لك نفس هوى . والهوى هو ظلمة . .وظلمة هذا غير ظلمة ذاك .. الإنسان في كثير من الأحيان هو عبد لاهوائه .. والاهواء تختلف .. ومن هنا يأتي الصراع في الدنيا .. القتل .. والسرقة .. والاعتداء على الغير .. إلى آخر ما تشهده من صراع الحياة في كل مكان ..
هذه ظلمات .. كل في ظلمة مختلفة تبع هوى صاحبها .. هذا يقول كلاماً .. وهذا يقول كلاماً آخر .. هذا يريد أن يحقق شيئاً .. وذلك يريد أن يحقق شيئاً آخر .. كل إنسان يريد أن يأخذ ما لا حق له فيه .. وكل إنسان يتحدث بما يعتقد أنه يحقق له هواه .. إنسان يقول الشيوعية .. وآخر يقول الرأسمالية وثالث يقول الاشتراكية .. هذه كلها كلمات .. وراءها هوى للنفس يعتقد الإنسان أنه يستطيع أن يحققه .. أن يعلو في الأرض .. ان يستبيح مال وحرمات غيره .. أن يذل الناس بما أعطاه الله له من مركز .. أو مال .. أو سلطان ..
إذن هي ظلمات كثيرة .. كل إنسان منا له هواه .. ولكن الله سبحانه وتعالى الحق .. وهو الذي وضع النور .. ليمكن الإنسان من أن يعيش عيشة راضية مطمئنة .. هذا النهج للحياة رسمه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم .. أما كل ما نتخبط فيه بعيداً عن منهج الله فهو ظلمات .. ومن هنا فان الله سبحانه وتعالى يخرجنا من ظلمات كثيرة إلى نور واحد .. هو نوره .. هو طريقه .. هو الحق ..
الله سبحانه وتعالى حين يستخدم كلمة (( ظلمات )) يتحدث عن أهواء الناس .. وهي مختلفة .. وحين يستخدم كلمة (( نور )) فهو يتحدث عن شيء واحد هو منهجه .. ذلك هو النور .. وإذا اتفقنا على خير لا يمكن أن نختلف .. لا يمكن أن تجد خلافا ً بين أناس في قلوبهم الخير .. ورغبتهم إلى الخير .. وعملهم الخير لا يمكن أن يختلفوا ..ولا يمكن أن يكون الصراع والشقاء إلا على تحقيق أهواء النفس في الدنيا .. هل عرفنا الحكمة من استخدام الله سبحانه وتعالى .. ظلمات بالجمع .. وعدم استخدامه لكلمة أنوار .. لان هناك نوراً واحدا هو نور الله سبحانه وتعالى ..
هذه هي بعض الأمثلة البسيطة جداً .. والقرآن مليء بالإعجاز .. الإعجاز والدقة في التعبير .. اللفظ في مكانه .. فإذا تغير عن مكانه فإنما يريد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى معنى آخر .. إلى شيء آخر ليس هناك مترادفات .. وليست هناك ألفاظ لا تتسم بالدقة .. وليس هناك كلمة في غير موضعها .. وإنما دقة متناهية في التعبير .. دقة متناهية في البلاغة .. ولكن بعض المستشرقين الذي يحاولون أن يضلوا عن سبيل الله .. أو الذين يدرسون القرآن الكريم ليحاربوه يقولون أن في القرآن تناقضاً ويزيدون على ذلك بأن هذا التناقض طبيعي لأن قائل القرآن .. كما يدعون .. هو محمد عليه السلام .. بشر فإنه أحياناً ينسى .. وأحياناً يمر عليه الزمن فيقول عكس ما قال .. إلى آخر ما في طبيعة البشر من عدم التذكر خصوصاً في الفترة الطويلة .. ويتحدثون عن التناقض في القرآن الكريم .. وأنا سأتحدث عن التناقض الذي يدعونه فيما بعد ..
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم