عبد الشكور
نوفمبر 1, 2005, 4:38 م
9 - بعد أن ننبه إلى سقوط الواو فى بداية الآية ( ويعلمه ... ) نقول:
لا شك أن المسيح قد علمه ربه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ، وفى هذا دليل على نفى الألوهية عن المسيح ، لأنه محتاج إلى من يعلمه ، وفقير إلى من يفهمه ، والمحتاج الفقير عبد لا يصلح أن يكون إلهًا أبدًا .
كذلك فإن الذى أنزل الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل هو رب العالمين ، واحتياج المسيح إلى تعلم ذلك يدل على أنه ليس هو رب العالمين.
ـــ تعبير ( كمال الوحى ) لم يرد فى القرآن ولا فى السنة ، لا فى حق المسيح عليه السلام ولا فى حق غيره ، ولم يرد كذلك فى كلام المفسرين .
والتعبير يوهم بأن غير المسيح نال وحيًا ناقصًا ! وهذا باطل قطعًا ، لأن كل نبى قد نال وحى الله إليه كاملاً غير منقوص .
أما إن كان المقصود تفضيل المسيح على غيره من الرسل لاجتماع ( الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) فى حقه ، فلا شك أنها فضيلة فى حقه ، لكن تفضيله على عامة المرسلين بسبب ذلك فيه نظر ، خاصة مع ذكر موسى ومحمد عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه.
أما الكتاب والحكمة فقد نالها جميع المرسلين ، وقد نص القرآن على ذلك فى حق آل إبراهيم ، قال تعالى : ( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكـًا عظيمًا ) النساء 54 . وقد ذكر رب العزة : إبراهيم وإسحق ويعقوب ونوحًا وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس ولوطـًا ، ثم قال : ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ) الأنعام 89 .
وأما التوراة التى تعلمها المسيح عليه السلام فقد نزلت ابتداءً على موسى عليه السلام . ومعلوم أن الفضل آكد فى حق من نزلت عليه أكثر ممن تعلمها من بعده .
وأما الإنجيل فهو متمم للتوراة وتابع لها. ولذلك كانت التوراة والقرآن أفضل من الإنجيل ، فلا يصح تفضيل المسيح على جميع المرسلين لنزول الإنجيل عليه ، فقد نزل كتابان خير من الإنجيل على نبيين كريمين غير المسيح ، عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه . قال تعالى : ( قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ) القصص 49 .
قال ابن كثير : والظاهر على قراءة ( سحران ) أنهم يعنون التوراة والقرآن ؛ لأنه قال بعده ( قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه ) . وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن ، كما في قوله ( قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نورا وهدى للناس ) الأنعام 91 ، إلى أن قال ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك ) الأنعام 92 . وقال في آخر السورة ( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ) الآية الأنعام 154 وقال ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون ) الأنعام 155 . وقالت الجن ( إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ) الأحقاف 30 . وقال ورقة بن نوفل : هذا الناموس الذي أنزل على موسى . وقد عُلم بالضرورة لذوي الألباب أن الله تعالى لم ينزل كتابا من السماء فيما أنزل من الكتب المتعددة على أنبيائه أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذى أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو القرآن ، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذى أنزله على موسى بن عمران عليه السلام ، وهو الكتاب الذى قال الله فيه ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) المائدة 44 . والإنجيل إنما أنزل متمما للتوراة، ومحلا لبعض ما حرم على بنى إسرائيل ، ولهذا قال تعالى ( قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين ).
والشاهد أن عيسى لا يفضل موسى عليهما السلام فى هذا المقام . لأن كليهما أوتى الكتاب والحكمة كباقى المرسلين . والتوراة أنزلت على موسى ابتداءً ، فهو أولى بالفضل من المسيح الذى تشرف وعلا قدره بتعلمها . والإنجيل ليس أعظم من التوراة ولا أهدى ، وإنما متمم لها وتابع .
وأما نبينا عليه الصلاة والسلام ، فقد أوتى الكتاب والحكمة كباقى المرسلين ، قال تعالى : ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ، وعلمك ما لم تكن تعلم ، وكان فضل الله عليك عظيمًا ) النساء 113 . وقد علمنا النبى عليه الصلاة والسلام الكتاب والحكمة ، قال تعالى ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين ) آل عمران 164 .
ولا حاجة لنبينا بتعلم التوراة والإنجيل ، فقد آتاه الله كتابًا خير منهما : القرآن العظيم . بل منع الله قصدًا تعلم التوراة والإنجيل عن نبينا ، حتى إذا أخبر بما فيهما كان ذلك معجزة فى حقه صلى الله عليه وسلم . فبعدما ذكر الله التوراة والإنجيل قال عن القرآن : (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقــًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنــًا عليه ) المائدة 48 . فالقرآن هو المهيمن على كل ما قبله من الكتب .
والشاهد أن عيسى لا يفضل نبينا فى هذا المقام . فكلاهما أوتى الكتاب والحكمة كباقى إخوانهم المرسلين عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين . ولا حاجة لنبينا بتعلم ما تعلمه المسيح من التوراة والإنجيل ، فقد آتاه الله كتابــًا أهدى منهما ومهيمنًا على كل الكتب .
فتبين بذلك ما قلناه سابقــًا ، من أن اجتماع ( الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) فى حق المسيح لا يصح سببـًا فى تفضيله على باقى المرسلين خاصة محمد وموسى عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه .
وخلاصة هذه النقطة أن تعبير ( كمال الوحى ) تعبير غامض ، ولم يأت فى القرآن ولا فى السنة . فإن أريد به أن غير المسيح نال وحيًا ناقصًا ، فالمعنى باطل . وإن أريد به تفضيل المسيح على كافة المرسلين ، فالمراد باطل أيضــًا .
ـــ لا شك أن المسيح قد تعلم وقرأ البشارة المكتوبة بمحمد صلى الله عليه وسلم من جملة ما تعلمه وقرأه من التوراة والإنجيل ، وقرأ المسيح كذلك عن النور الذى أنزل مع هذا النبى الخاتم ، وعرف محاسن شريعته التى تأمر بكل طيب وتحرم كل خبيث . تعلم المسيح كل ذلك وعرفه وقرأه مكتوبًا فى التوراة والإنجيل .
قال تعالى ( الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبًا عندهم فى التوراة والإنجيل ، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم ، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذى أنزل معه أولئك هم المفلحون ) الأعراف 157
وكذلك تعلم المسيح ــ من جملة ما تعلم من التوراة والإنجيل ــ وقرأ صفة صحابة محمد صلى الله عليه وسلم وحوارييه . قال تعالى : ( محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلاً من الله ورضوانـًا سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم فى التوراة ، ومثلهم فى الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار ، وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم أجرًا عظيمًا ) الفتح 29
فنفس ما تعلمه المسيح عليه السلام ينفى عنه ألوهيته ، ويبطل قول عباده ويكفرهم ، لأن المسيح عليه السلام تعلم وقرأ عن محمد صلى الله عليه وسلم ، وسيرة ذلك النبى متواترة فى حرب عباد المسيح ومجاهدتهم ، وتعلم المسيح كذلك عن صفة صحابة محمد عليه الصلاة والسلام وحوارييه ، والمتواتر من سيرة هؤلاء الصحابة جهاد عباد المسيح ، والإغلاظ عليهم فى الحرب لأنهم سبوا الله مسبة لم يسبها له أحد من خلقه.
عبد الشكور
نوفمبر 1, 2005, 4:41 م
مما تقدم تبين خطأ القول بأن ( المسيح قد انفرد بمعجزات مولده على كل الأنبياء والمرسلين ). فالجزم بالتفرد ممتنع فى كل ما سبق ، إما لغياب الدليل على التفرد ، وإما لقيام دليل الثبوت فى حق غيره .
فلم يتفرد بالبشارة به قبل مولده
ولا بالطهارة من الذنوب
ولا بالنطق فى المهد
ولا بالنبوة منذ المولد
ولا بالتكلم طفلاً عن موته وبعثه
ولا بكلامه فى المهد وكهلاً .
وبعض هذه النعم لا تثبت فى حق المسيح فضلاً عن ثبوت تفرده بها . فالراجح أنه لم يـُخلق بلا واسطة ، وأنه لم يؤت النبوة فى مهده .
وحتى لو ثبت الكل فى حق المسيح ، وثبت تفرده عليه السلام بجميع ذلك ، فليس ذلك دليلاً على أنه كان الله المتجسد .
أولاً : لغياب التلازم العقلى والنقلى بين تلك النعم وبين التجسد الإلهى المزعوم .
ثانيـًا : لأن ذكر كثرة النعم وزيادة الإنعام فى القرآن إنما هو بغرض إبطال ألوهيته المزعومة ، والرد على عباده ، فكلما كثرت النعم تأكدت العبودية ، وثبت الاحتياج والفقر ، وانتفت الألوهية . ولا يهم صواب ذلك ــ وهو صواب ــ لكن المهم أن هذا تقرير القرآن العظيم.
ثالثـًا : لأن كل نعمة فى نفسها تنفى عن المسيح الألوهية.
ـــ أما البشارة بالمسيح قبل مولده فلم يتفرد بها ، إذ قد بشر الله زكريا بيحيى قبل مولده ، وكذلك بشر سبحانه إبراهيم وامرأته بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب .
ونعمة البشارة ، ولو تفرد بها المسيح ، لا تدل على أنه سيكون الله المتجسد ، بل تدل على نفى ذلك بشدة ، لأن الإله لا يفتقر إلى إنعام أحد ، ولأن نفس البشارة تنفى الألوهية عن المسيح ، فلم يبشر الله مريم بإله متجسد ، ولا بأقنوم متأنس ، وإنما بغلام زكى.
ـــ وأما طهارة المسيح من الذنوب ، فلم يتفرد بها عليه السلام ، بل ثبتت فى حق غيره كيحيى عليه السلام : ( وآتيناه الحكم صبيـًا . وحنانـًا من لدنا وزكاة ) قال ابن كثير : الطهارة من الدنس والآثام والذنوب . ( وكان تقيا ) ذا طهر فلم يهم بذنب.
ونعمة الطهارة ، ولو تفرد بها المسيح ، مقدمة لا تنتج تجسد الله فى المسيح ، بل تدل على فساد هذا القول ، لأن المسيح احتاج وافتقر إلى ربه ليطهره ويمنعه من الذنوب ، فمن كان هذا حاله فى الاحتياج والفقر لا يمكن أن يكون إلهًا بحال .
ـــ وأما خلق المسيح بلا واسطة ، فالراجح أنها نعمة غير ثابتة فى حقه، لأن روح المسيح خلقت من نفخة جبريل فى فرج مريم عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه .
وهذه النعمة ، لو ثبتت فى حق المسيح ، ففيها دلالة صريحة على نفى الألوهية عنه ، لأن العبرة كامنة فى أن المسيح قد خـُلق ، ولا يضير إن كان بواسطة أم لا ، فمجرد تقرير القرآن لاحتياج المسيح إلى من يخلقه فيه نفى الألوهية عن المسيح بأصرح عبارة ، وإلا ما حال هذا الإله الذى يحتاج إلى من يخلقه ؟ فيكفى تقرير افتقار المسيح إلى من يوجده من عدم ، ليعلم أنه مجرد عبد لربه لا يعدو هذا القدر .
ـــ وأما نطق المسيح فى المهد ، فلم يتفرد عليه السلام بذلك ، بل قد ثبت من خبر الذى أنزل عليه القرآن عليه الصلاة والسلام قصص الذين تكلموا فى المهد .
ونعمة النطق فى المهد ، ولو تفرد بها المسيح ، فهى تنفى عنه الألوهية ، لأن الذى أنعم عليه بها هو الله ، والإله لا يفتقر إلى من ينعم عليه ، ولأن نفس ما نطق به عليه السلام ينفى عنه الألوهية ، إذ كان أول ما قال هو تقرير عبوديته لله ، ولم يقل إنه إله متجسد أو أقنوم أو إله حق من إله حق .
ـــ وأما نبوة المسيح منذ مولده ، فالراجح أنها نعمة غير ثابتة فى حقه . ثم لو ثبتت فهو عليه السلام لم يتفرد بها ، إذ لا دليل على ذلك التفرد المزعوم من قرآن ولا سنة ، خاصة وقد ذهب فريق من العلماء إلى نبوة يحيى عليه السلام منذ مولده .
ونعمة النبوة منذ المولد ، لو ثبتت فى حق المسيح ، ولو تفرد بها، فلا يدل ذلك على تجسد الله فيه ، بل نفس هذه النعمة ترفض هذا الزعم وتبطله ، لأن الذى أنعم بهذه النبوة على المسيح هو ربه عز وجل ، والإله لا يحتاج ولا يفتقر إلى منعم ، ولأن المغايرة حاصلة بين الرسول وبين من أرسله ، فثبت أن المسيح ليس هو الله .
ـــ وأما تكلم المسيح طفلاً عن موته وبعثه حيا ، فلم يتفرد بذلك ، لغياب الدليل على ذلك التفرد . خاصة مع ثبوت تكلم غيره فى المهد .
ونفس هذه النعمة تنفى الألوهية عن المسيح عليه السلام . لأن المسيح أخبر عن سلامة الله له فى مولده وموته وبعثه ، ومن كان محتاجًا إلى أن يقدر غيره له السلامة وإلا هلك ، لم يكن إلهًا بحال. ولأن من يتغير من حال إلى حال ، ويدخل عليه الموت ، لا يصلح لمقام الألوهية أبدًا .
ـــ وأما كلام المسيح للناس فى المهد وكهلاً ، فلم يتفرد بذلك ، ولا دليل على ذلك التفرد . خاصة مع الأخبار الأخرى من الصادق المصدوق عمن تكلموا فى المهد.
ونعمة التكلم فى المهد وكهلاً تثبت أن المسيح مجرد عبد أنعم سيده عليه . ونفس النعمة تنفى عنه الألوهية ، لمجرد الإنعام كما قدمنا ، ولأن كلامه فى المهد وكهلاً إنما هو دعوة إلى عباده الله وحده ، فلم يدع المسيح إلى عبادة نفسه لكن إلى عبادة ربه، ولم يقل إن الله ثلاثة بل قرر وحدانية الله ، ولم يقل إنه إله من إله بل اعترف بأن الله رب الجميع وإلههم ومليكهم . والنعمة تنفى عنه الألوهية ، لأنها تثبت تغير المسيح من حال الصبا إلى الكهولة، والتغير من صفات الحوادث ، والإله الحق لا تتغير ذاته ولا تتبدل. ففي ذكر أحوال المسيح المختلفة المتنافية إشارة إلى أنه بمعزل من الألوهية تمامًا .
ـــ وأما ( كمال الوحى ) فتعبير غامض ليس من القرآن ولا السنة . وإن أريد به نقصان الوحى فى حق غيره فالمراد باطل . وإن أريد به تفضيل المسيح على كافة المرسلين فالمراد باطل أيضــًا .
ونفس تعلم المسيح للكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل يدل على نفى الألوهية عنه ، لأن الذى يحتاج إلى معلم وإلا ظل فى الجهل لا يصلح للألوهية بحال . ولأن التعليم نعمة والإله لا يحتاج إلى منعم . ولأن الذى أنزل الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل هو رب العالمين ، فاحتياج المسيح إلى تعلم ذلك يدل على أنه ليس هو رب العالمين . ولأن المسيح تعلم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعلم فضله وفضل شريعته وصفة صحابته وفضلهم وعلو قدرهم عند ربه وربهم ، وهذا النبى وصحابته هم الذين حملوا لواء محاربة الاعتقاد بألوهيته ، وكفروا عباده وحاربوهم وأذلوهم بالجزية وغيرها. فدل ذلك على رضا المسيح نفسه عن فعل هذا النبى وصحابته مع الذين عبدوه .
عبد الشكور
نوفمبر 2, 2005, 11:36 ص
10 - الزعم بأن المسيح ( جمع كل البينات والمعجزات ) زعم لا دليل عليه من القرآن ولا السنة، ولم يقل به عالم من علماء المسلمين. وهو زعم باطل فى نفسه قد قام الدليل على خلافه . يكفى أن الله لم يؤت المسيح عليه السلام الكتاب المجيد الذى آتاه محمدًا صلى الله عليه وسلم القرآن العظيم ، الذى أنزل فى ليلة خير من ألف شهر ، والذى لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله . وقد حوى هذا القرآن العظيم من الهدى والبينات ما لا يحيط به إلا الله، قال تعالى : ( شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) البقرة 185 . وقد أوتى موسى عليه السلام من البينات ما لم يؤت المسيح ، قال تعالى : ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ) الإسراء 101 .
ـــ ولو جمع المسيح كل البينات والمعجزات ، فإن ذلك دليلاً قويًا على فساد زعم عباد المسيح بأنه الله المتجسد، من نواح ثلاثة : من ناحية مصدر البينات . ومن ناحية الغرض من البينات . ومن ناحية دلالة البينات .
أولاً : البينات لم يأت بها المسيح من عند نفسه ، وإنما آتاه الله ورزقه بها ، ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) البقرة 87 . فالمغايرة بين الرازق والمرزوق حاصلة ، والمسيح ليس هو الله قطعًا . وثبت أيضـًا احتياج المسيح إلى رازق يرزقه ، فلم يكن يستطيع المسيح فعل معجزة واحدة إلا بإذن الله ، والإله لا يكون فقيرًا ولا محتاجًا .
ثانيـًا : الغرض من البينات إثبات صدق المسيح فى كونه مرسلاً من الله، حتى يتبع الناس دعوته إلى عبادة الله وحده، قال تعالى: ( ولما جاء عيسى بالبينات قال : قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون . إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) الزخرف 63 و64 . فالبينات يسوق الله بها الناس إلى عبادته وحده ، فامتنع بذلك أن تدل البينات نفسها على عبادة غيره لا المسيح ولا غيره .
ثالثــًا : معجزات المسيح لها دلالة. ودلالة المعجزة لا يمكن أن تتضمن النبوة والألوهية معًا ، لأنه لو كان الحال كذلك لدلت جميع معجزات المرسلين على نبوتهم وألوهيتهم معًا ، وهو باطل عند الجميع . فتعين أن تدل المعجزة إما على النبوة أو على الألوهية. فإن دلت معجزات المسيح على نبوته امتنعت دلالتها على ألوهيته. وإن دلت على ألوهيته امتنعت دلالتها على نبوته.
ومعجزات المسيح تدل على نبوته دون ألوهيته ، لأنها لو دلت على ألوهيته لكان المسيح نبيـًا بلا معجزة تؤيد صدقه . ولأنها لو دلت على ألوهيته لتعين تأليه غيره من الأنبياء الذين أوتوا معجزات تشابه معجزاته .
وقد صرح القرآن برسولية المسيح ونبوته ، قال تعالى : ( ما المسيح بن مريم إلا رسول ) كذا بأسلوب القصر ، فثبت أن المسيح لا يزيد عن كونه مرسلاً من ربه ، وليس هو الله المتجسد ولا أقنوم الابن ولا غيره . فإذا ثبتت النبوة فى حق المسيح انتفت الإلهية بيقين ، لعدم صلاحية المعجزات للدلالة على الاثنين معًا كما قدمنا .
ـــ تفرد المسيح بالخلق لا يثبت ، لأن خلق المسيح من الطين كهيئة الطير يستطيعه كل إنسان . وأما نفخ المسيح الذى يعقبه دبيب الحياة فى الصورة ، فلا يتفرد المسيح بذلك أيضـًا ، لأنه قد ثبت أن المسيح نفسه عليه السلام قد خـُلق ووجد فى بطن أمه إثر نفخة جبريل فى فرجها . وثبت فى الأحاديث الصحيحة أن الملك ينفخ الروح فى الجنين . فدبيب الحياة فى صورة بواسطة نفخة مخلوق لا يتفرد به المسيح عليه السلام .
ـــ تفرد المسيح بإحياء الموتى لا يثبت ، لأن القرآن قد ذكر فى حق إبراهيم مثل ذلك ، فقد دعا عليه السلام أجزاء الطير المتفرقة فأتينه سعيـًا بإذن الله. وحتى لو لم يذكر القرآن ذلك ، فليس ذلك دليلاً على التفرد ، لأن عدم العلم لا يعنى العلم بالعدم .
ـــ معجزات المسيح كدبيب الحياة فى هيئة الطير إثر نفخته ، وإبرائه الأكمه والأبرص ، وإحيائه الموتى ، كل ذلك لم يكن إلا (بإذن الله) ، وقد كررها القرآن للتأكيد على بشرية عيسى ، وللرد على عباده الذين اعتقدوا أنه الله المتجسد . وليس بعد رد القرآن من رد.
قال الرازى : قوله ( بإذن الله ) معناه بتكوين الله تعالى وتخليقه ؛ لقوله تعالى : ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) آل عمران 145. أي إلا بأن يوجد الله الموت . وإنما ذكر عيسى عليه السلام هذا القيد إزالة للشبهة ، وتنبيها على أني أعمل هذا التصوير ، فأما خلق الحياة فهو من الله تعالى ، على سبيل إظهار المعجزات على يد الرسل.
وقال تعالى : ( إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى وإذ كففت بنى إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) المائدة 110 . فدلت هذه الآية على أن المسيح ليس هو الله الذى يخاطبه ويطالبه بذكر نعمته عليه وعلى أمه .
ـــ عدم تقييد معجزة الإخبار بالمغيبات بالتعبير ( بإذن الله ) لا إشكال فيه ، ولا يدل على إلهية المسيح بحال لعدة أسباب :
أولاً : لأنه نبه أول كلامه على أن ما سيأتى به هو من الله وليس من عند نفسه : ( أنى قد جئتكم بآية من ربكم ) ثم عدد الآيات ومنها الإخبار بالمغيبات ، فدل ذلك على أن كل ما سيفعله من آيات إنما هو من الله وليس من نفسه . وإنما ذكر ( بإذن الله ) وكررها زيادة فى الرد على عباد المسيح.
ثانيًا : لأنه يكفى تقييد معجزة واحدة ــ بل فعل واحد ــ للمسيح، حتى تنتفى عنه الإلهية ، لأن الإله لا يقيد فعله أحد ، ولا يحتاج إلى إذن أحد ، ولا يفتقر إلى إرادة أحد.
ثالثــًا : لأن آية آل عمران لم تقتصر على عدم تقييد الإخبار بالمغيبات فقط ، وإنما لم تقيد إبراء الأكمه والأبرص أيضــًا . والحكمة تظهر بمقارنتها بآية المائدة ، مع وضع السياقين فى الاعتبار . فتعبير ( بإذن الله ) ورد بآية المائدة أربع مرات ، أما آية آل عمران فقد ورد التعبير بها مرتين فقط . وإنما ذاك لاختلاف المقامين.
فمقام آل عمران مقام تبشير ، قال تعالى : ( إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ... ) ثم عدد لمريم صفات ابنها لتسر بالبشرى أعظم سرور : ( ... ويكلم الناس فى المهد ... ويعلمه الكتاب والحكمة ... ورسولاً إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين .... ومصدقــًا لما بين يدى من التوراة ... ) فاكتفى بذكر ( بإذن الله ) مرتين فقط لدفع توهم ربوبية المسيح عند عباده ، مع ما نبه به أولاً من قوله (قد جئتكم بآية من ربكم ).
وأما مقام المائدة فمقام توبيخ وتعنيف لعباد المسيح، فاقتضى ذلك الشدة ، فجاءت (بإذنى) أربع مرات. قال تعالى: (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم ... ) فإذا كان الرسل سيسألون فكيف بالمرسل إليهم ؟ ، ثم قال فى الآية التى تليها : ( إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس فى المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذنى فتنفخ فيها فتكون طيرًا بإذنى وتبرئ الأكمه والأبرص بإذنى وإذ تخرج الموتى بإذنى وإذ كففت بنى إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ). ففى كثرة تكرار (بإذنى) فى هذا المقام فى الآخرة من التوبيخ والتعنيف لعباد المسيح ما فيه.
عبد الشكور
نوفمبر 2, 2005, 10:06 م
11 - من هو ( روح القدس ) ؟ .. ثمة آراء أرجحها بالدليل أنه جبريل عليه السلام. وتفسير الجلالين الذى استشهد به الموضوع هنا يرى كجمهور العلماء أنه جبريل. جاء فى تفسير (بروح القدس) : أي الروح المقدسة جبريل لطهارته يسير معه حيث سار.
وقال الطبرى : وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال الروح في هذا الموضع جبريل ؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله ( إذ قال الله يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل ، لكان قوله إذ أيدتك بروح القدس وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل تكرير قول لا معنى له .
وقال ابن عطية الأندلسى : وقال السدي الضحاك والربيع وقتادة روح القدس جبريل عليه السلام وهذا أصح الأقوال. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لحسان بن ثابت : اهج قريشا وروح القدس معك . ومرة قال له : وجبريل معك .
ـــ الزعم بأن ( تأييد المسيح بروح القدس خاصية انفرد بها عن جميع الرسل والأنبياء ) هو زعم لا دليل عليه من القرآن ولا من السنة. وهو زعم باطل فى نفسه قد قام الدليل على خلافه. وقد قدمنا أن ( روح القدس ) هو جبريل عليه السلام. وقد ثبت أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان مؤيدًا به .
قال تعالى : ( قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ) النحل 102 . فأخبر سبحانه أن روح القدس جبريل ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم بما يثبته ويثبت الذين آمنوا ، وما فيه الهدى والبشرى للمسلمين وأولهم هو عليه الصلاة والسلام . ذلك هو القرآن العظيم .
وقال تعالى : ( وإنه لتنزيل رب العالمين . نزل به الروح الأمين . على قلبك لتكون من المنذرين ) الشعراء 192 - 194 . والروح الأمين هو جبريل ، نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم بقرآن رب العالمين . وليس بعد هذا التأييد تأييد .
والسيرة ملأى بتأييد الله عز وجل لنبينا عليه الصلاة والسلام بجبريل وغيره من الملائكة ، ومن ذلك أطراف وردت فى القرآن كما فى موقعة بدر فى سورة آل عمران . إلى غير ذلك من المواقف الكثيرة.
ـــ حتى لو تفرد المسيح بتأييد جبريل ، فإن ذلك ليس دليلاً على أنه الله المتجسد ، بل يكون دليلاً على نفى ذلك الزعم وإبطاله . لأن التأييد بجبريل نعمة أنعمها الله على عبده المسيح ، والإله الحق لا يحتاج إلى إنعام من أحد ، فتبين أن المسيح مجرد عبد أنعم سيده عليه . ولأن الإله الحق لا يحتاج إلى تأييد ملك ولا غيره، فلما احتاج المسيح وافتقر إلى تأييد الله له بالملك ، ثبت أنه بشر عاجز محتاج فقير لا يستحق أن يعبد .
عبد الشكور
نوفمبر 2, 2005, 10:10 م
12 - الزعم بأن ( المسيح وحده رُفع إلى الله حيًا ) زعم باطل إذا أريد به مطلق الرفع. لأن الله عز وجل قال عن إدريس : ( ورفعناه مكانـًا عليًا ) مريم 57 . وهو موافق لما ورد فى صحيح مسلم وغيره ، فى روايات المعراج ، أن نبينا عليه الصلاة والسلام قد رآه فى السماء الرابعة ، بعدما رأى عيسى ويحيى عليهما السلام فى الثانية . وكذلك الزعم باطل لأن الله قد رفع إليه نبينا صلى الله عليه وسلم ووصل سدرة المنتهى ، كما ورد ذلك بأوائل سورة النجم ، وكما جاء بالروايات الكثيرة فى صحيح السنة.
وحتى لو تفرد المسيح عليه السلام بالرفع ، فليس ذلك لأنه الله المتجسد ، ولكن لأنه عبد رفعه سيده إليه ليخلصه من أعدائه ، قال تعالى : ( بل رفعه الله إليه ) . فالمسيح محتاج إلى الله كى يخلصه من أعدائه ، فليس المسيح ( إله حق من إله حق ) كما يزعم عباده ، إذ الإله الحق لا يحتاج لمن ينقذه.
إن نعمة رفع المسيح إلى الله ، التى يتشبث بها عباد المسيح ليحاولوا رفع المسيح لمرتبة الألوهية ، هذه النعمة نفسها هى التى تبطل غرضهم . وما ذاك إلا لعظم كلام الله وكلام أنبيائه ، فلا يحاول مبطل التمسك بشىء منه على باطله ، إلا وكان فى نفس ما تمسك به ما يرد عليه ويبطل باطله . ( وإنه لكتاب عزيز )
عبد الشكور
نوفمبر 2, 2005, 10:15 م
13 - رجوع المسيح عليه السلام قبل يوم الدين حق لا شك فيه . لكن نفس هذا الرجوع ينفى عنه أنه إله حق من عدة وجوه :
منها : أن الذى سينزله هو الذى رفعه هو رب العالمين . والإله الحق لا يحتاج إلى من ينزله أو يرفعه ، فتبين من ذلك أن المسيح لا يصلح أن يكون الإله الحق .
ومنها : أن المسيح بعد نزوله ، يقدمه المسلمون لإمامتهم فى الصلاة ، فيقول أميرهم المهدى : تعال صل لنا . فيقول : لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة . ومعلوم أن المسلمين يكفرون عباد المسيح ، ويصفونهم بالضالين ، ويعتبرون قولهم عن المسيح ( إله حق من إله حق ) بأنه مسبة لله . فرضا المسيح عنهم رضا بقولهم ، وإبطالاً لزعم عباده فيه .
ومنها : أن المسيح بعد نزوله يحج أو يعتمر . ومعلوم أن الكعبة هى قبلة المسلمين الذين يكفرون عباد المسيح ، وأن الكعبة ليست مقدسة لدى عباد المسيح ، وأن أكثر الشرائع ظهورًا فى تقديس الكعبة هى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الذى كفر عباد المسيح وأمر بإذلالهم ومحاربتهم .
ومنها : أن المسيح بعد نزوله ، يطالب الناس بالإسلام ويقاتلهم عليه ، ولا يرضى منهم بغيره ، ويرفض الجزية التى يدفعها أهل الكتاب ومنهم عباده ، ويكسر الصليب ، وهو رمز عقيدة الفداء عند عباده ، ويقتل الخنزير ، الذى حرمه عباد المسيح على أنفسهم دون أمر من الله ولا من المسيح ، وإنما اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. ويهلك الله فى زمانه الملل كلها إلا الإسلام ، حتى تعود الناس أمة واحدة كما أنه فى بداية الخلق كان الناس أمة واحدة. وكل ذلك لينفى المسيح عن نفسه التهمة الباطلة ، التى زعمها له عباده من أنه ( إله حق ) ، تعالى الله .
ومنها : أن المسيح بعد نزوله ، يمكث فى الأرض أربعين سنة ، ثم يتوفى ، فيصلى عليه المسلمون . والإله الحق ليس من الحوادث التى يجرى عليها الزمان والسنون ، والإله الحق لا يموت ، والإله الحق لا يصلى عليه أحد ليطلب له السلامة . فثبت أن المسيح ليس هو الإله الحق كما يزعم عباده .
ومنها : أن المسيح بعد نزوله يقتل الدجال ، وفى هذا أكبر نفى لإلهية عيسى . لأن الدجال ادعى الألوهية ، والمسيح يقتله من أجل دعواه ، فكيف يقتل الدجال مَن كان مدعيًا نفس دعواه التى استحق القتل من أجلها ؟!
ـــ نفس السياق الذى وردت به عبارة ( وإنه لعلم للساعة ) ينفى عن المسيح أنه إله حق ، بل نفس الآية التى بترت منها العبارة تبطل قول عباد المسيح ، بل العبارة نفسها شاهدة على بطلان إلهية المسيح .
أما العبارة ( وإنه لعلم للساعة ) ، فتدل على أن المسيح من علامات الساعة ، مثله فى ذلك مثل باقى العلامات التى جعلها الله قبل يوم القيامة ، مما ذكر فى القرآن والسنة كالدابة وغيرها. فدل ذلك على أن المسيح مجرد حادث مخلوق ، والحادث المخلوق لا يرقى إلى الإله الحق بحال.
وأما الآية فتمامها : ( وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم ) الزخرف 61 . فباقى الآية الذى أخفى يطالب باتباع الذى أنزل عليه القرآن محمد صلى الله عليه وسلم ، الذى نفى الإلهية عن عيسى ، وكفر عباده ، وأمر بجهادهم . وبينت الآية أن هذا هو الصراط المستقيم . والآية التى بعدها توضح أن خلاف طريق محمد عليه الصلاة والسلام هو طريق الشيطان الرجيم .
وأما السياق فيبدأ بقوله تعالى : ( ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ) الزخرف 57 . ويوضح قدر ابن مريم الذى لا يعدوه : ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبنى إسرائيل ) الزخرف 59 . فليس هو الأقنوم الثانى ولا الإله الحق كما يزعم عباده . وأخبر السياق أن من كلام المسيح : (فاتقوا الله وأطيعون). فلم يأمر الناس إلا بتقوى الله لا يتقواه هو ، لكن أمرهم بطاعته وهو الواجب تجاه كل المرسلين ، وليس بعد هذا التفريق بين مقام الإلهية والرسالة من تفريق ، وأبلغ به من تفريق . ثم قال عليه السلام : ( إن الله هو ربى وربكم ) فلم يقل هو أقنوم وأنا أقنوم ، ولم يقل إنه إله حق من إله حق ، ولم يقل إنه الله المتجسد ، وإنما اعترف بأن الله هو خالقه ورازقه ومحييه ومميته . ثم قال (فاعبدوه) ولم يقل فاعبدونى أو فاعبدونا ، أى فاعبدوه وحده ، لأنه وحده الذى احتل مقام الألوهية تبعًا لاختصاصه بالربوبية ، وأنا بمعزل عن ذلك لأنى مربوب له مثلكم .
والشاهد أن السياق والآية والعبارة يرفضون باطل عباد الصليب إذا تمحكوا بهم ، وهكذا صنيع القرآن والسنة مع من يتمحك بهم ليثبت باطله ، ففى نفس ما تمحكوا به ما يرد عليهم ، وما ذاك إلا لعظم كلام الله وكلام رسله .
عبد الشكور
نوفمبر 3, 2005, 5:10 ص
14 - قال الله عن عيسى عليه السلام : ( وجيهًا فى الدنيا والآخرة ) آل عمران 45 . وقال عن موسى عليه السلام : ( وكان عند الله وجيهًا ) الأحزاب 69 . وبأى معنى فسرنا الوجاهة فى حق عيسى وجب تفسيرها بنفس المعنى فى حق موسى عليهما وعلى نبينا صلوات الله وسلامه . ومقتضى ذلك أن الشفاعة لو ثبتت للمسيح بقوله تعالى ( وجيهًا ) فى حقه ، لوجب ثبوتها بالضرورة لموسى بنفس قوله تعالى فى حقه أيضـًا . فمن هذا الطريق لم يتفرد المسيح عليه السلام بالشفاعة .
ـــ سينال المسيح يوم القيام حظــًا من الشفاعة ، لكنه أبدًا لن يتفرد بذلك عليه السلام . ولا دليل على هذا التفرد المزعوم لا من القرآن ولا من السنة . وزعم التفرد باطل فى نفسه قد قام الدليل على خلافه . قال تعالى عن الملائكة : ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) الأنبياء 28 . فأثبت سبحانه للملائكة الشفاعة .
وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا ) الإسراء 79 . والمقام المحمود هو مقام الشفاعة ، كما جاء فى تفسير الجلالين ، الذى استشهد به الموضوع فى نفس النقطة . جاء فيه : ( عسى أن يبعثك ) يقيمك ( ربك ) في الآخرة ( مقاما محمودا ) يحمدك فيه الأولون والآخرون ، وهو مقام الشفاعة في فصل القضاء. وهذا لمجرد الإلزام فقط ، وإلا فالمعول عليه هو تفسير الذى أنزل عليه القرآن صلى الله عليه وسلم ، فعنه أخذ الجلالان وباقى المفسرين والعلماء .
أخرج البخاري عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الشمس لتدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم فيقول : لست بصاحب ذلك . ثم موسى فيقول : كذلك . ثم محمد فيشفع ، فيقضي الله تعالى بين الخلق ، فيمشي حتى يأخذ بحلقة باب الجنة ، فيومئذ يبعثه الله تعالى مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) يقول : إن ربك سيبعثك مقاما محمودا وهي الشفاعة . وكل عسى في القرآن فهي واجبة.
قال أبو المظفر السمعانى : وقوله ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) أجمع المفسرون أن هذا مقام الشفاعة ، وقد ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الرازى : قال تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا اتفق المفسرون على أن كلمة عسى من الله واجب. وقال: أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم شفاعة في الآخرة ، وحمل على ذلك قوله تعالى (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) الإسراء 79 وقوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) الضحى 5.
وقال النسفى : وهو مقام الشفاعة عند الجمهور ، ويدل عليه الأخبار.
وقال الواحدي : أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة.
والشاهد أن شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وشفاعة الملائكة ثابتتان فى القرآن الكريم ، فانتفى بذلك الزعم بتفرد المسيح بالشفاعة . فكيف وقد ثبت فى السنة الصحيحة شفاعة جميع الأنبياء ، وشفاعة المؤمنين !
ـــ الشفاعة لله وحده . لكن عباد المسيح يرتبون على ذلك ، أنه ما دام المسيح هو وحده الشافع يوم القيامة ، فإن المسيح هو الله . ورغم أننا بينا أن تفرد المسيح بالشفاعة يوم القيامة زعم باطل ، إلا أننا نقول هنا : حتى على افتراض صحة هذا التفرد الذى ثبت بطلانه ، فإن المسيح ليس هو الله ولا أحد أقانيمه .
لأن ( الشفاعة لله ) ليس معناها أن الله هو الشافع فقط ! .. ولكن معناها أن الله هو مالكها فلا يشفع أحد إليه إلا بإذنه ، فأركان الشفاعة جميعًا بتقدير الله ، فالله هو الذى قدر الشفاعة ، وهو الذى أذن للشافع ، ورضى عن المشفوع فيه ، ولا يستطيع الشافع أن يشفع إلا فيما أذن الله له فيه ، وهو سبحانه الذى يقبل الشفاعة بمنه وكرمه ، مغفرة للمشفوع ، وكرامة للشافع . ( قل لله الشفاعة جميعًا ) .
وفى تفسير الجلالين : أي هو مختص بها فلا يشفع أحد الا بإذنه. وقال السمعانى : معناه أنه لا يشفع أحد إلا بإذنه فالشفاعة من عنده لأنها لا تكون إلا بإذنه. وقال الآلوسى: والمعنى أنه تعالى مالك الشفاعة كلها ، لا يستطيع أحد شفاعة ما ، إلا أن يكون المشفوع مرتضى ، والشفيع مأذونا له.
saif
نوفمبر 4, 2005, 7:38 م
أخي عبد الشكور.
يا أخي لماذا كل هذه السفسطة. ألا ترى كم أن أسلوب مداخلتك منفر و مليء بالإلتواءات و الانعراجات. لماذا تلجؤون معشر المسلمين إلى هذه التخاريف السفسطية التي أكل الدهر عليها و شرب شكلا ومضمونا. أليست الحقيقة بينة واضحة ولا تحتاج إلى كل هذا اللف من طرفك لحجبها. اعلم يا أخي أن قنطار سفسطة منكم لن يحجب ذرة واحدة من نور المسيح. استيقظوا
اقرأ معي هذا النص القرآني من سورة آل عمران. سوف ترى أن قرآنك يشهد أن عيسى أعظم من نبي رغم عن أنفك و أنف فقهائك و بهلوانياتهم اللغوية.
1. وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ
2. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
3. ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
4. إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
5. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ
6. قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ
7. وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ
8. وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
9. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ
10. إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ
11. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
12. رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ
13. وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ
14. إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
15. فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ
16. وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
17. ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ
ثم اقرأ النص التالي من سورة الأحقاف و انظر كيف يشهد على نبيك بالمحدودية والضآلة أمام نور عيسى الوهاج.
1. قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ
حسب القرآن محمد لا يعلم شيئا عن مصيره و لا مصير أمته. أما عيسى فهو حسب القرآن موجود مع الله، و أمته فوق الذين كفروا إلى يوم البعث.
أبعد هذا تريد أن تسفسط. لكن مع ذلك ستلجأ إلى السفسطة. و عندئذ سأستعمل معك نفس الأسلوب.
أخوك سيف
بشرى
نوفمبر 4, 2005, 10:50 م
كلما ازدادت الفكرة هشاشة .. كلما ازداد إرهاب وعنف دعاتها .
أعود وأذكر بأن الموضوع هو المسيح في القرآن .. ولا مبرر لهذه العصبية والانفعال .. وإذا كان المسلم لا يؤمن بألوهية السيد المسيح فهذا أمر نعرفه ولا ننكره عليه , ولكن هذا الأمر لا يغير من حقيقة الموضوع ، وهو أن :
المسيح في القرآن شخص متميز وفريد ..
- المسيح الوحيد المولد من امرأة عذراء .
- المسيح الوحيد ( وأمه ) المعصوم من الخطيئة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مولود إلا الشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مسة الشيطان إياه إلا مريم وابنها .. ثم يقول أبو هريرة :اقرءو إن شئتم : وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " ( مسند أحمد وصحيح البخاري وغيرهما )
- المسيح الوحيد الذي نطق في المهد : " فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا "
- المسيح الوحيد الذي ولد على النبوة : " وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ "
" من غير أن يتفاوت كلامه في هذين الوقتين , وهذه خاصية شريفة حاصلة له , وما حصلت لأحد من الأنبياء قبله ولا بعده "( الرازي )
" ويكلم الناس في المهد وكهلا أي يكلمهم حال كونه طفلا وكهلا كلام الأنبياء من غير تفاوت " ( البيضاوي )
فنبوة المسيح في المهد , مثل نبوته في كهولته .. ونطقه المعجز معجزة نبوته ..
- كلام المسيح وهو طفل عن موته وبعثه حيا:" وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا " ( مريم: 33 )
سواء كان هذا الكلام دليل على موت المسيح ثم قيامته ( كما هو واضح وجلي في الإنجيل ) , أم لا ( كما هو مبهم وغامض في القرآن ) ..
فما يهمنا من كلام المسيح هذا .. أن المسيح هو نفسه الذي يشهد لنفسه ( بمعجزة نطقه ) أن سلام الله يرافقه في حياته كلها . فيقول : " السلام علي يوم ...... " وجاءت معرفة لتفيد الكمال .
في حين أن قوله : " سلام عليه يوم .... " هو خبر عن يحيى .. وقد جاء على النكرة التي تفيد البعض .
وقد استحق يحيى السابق والمبشر بالمسيح بعض هذا السلام .. أما المسيح فيستحق السلام كله في مولده وموته وفي بعثه حياً .
قال الرازي على ( آل عمران 55- 56 ): " واعترفوا أن الله تعالى شرف عيسى بهذه الآية بصفات : الأولى الوفاة المعجز , الثانية الرفع إلى ملكوت الله إلى محل كرامته تعالى , وجعل ذلك رفعاً إليه للتفخيم والتعظيم , الثالثة تطهيره من الذين كفروا , وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه , أخبر عن معنى تخليصه منهم بلفظ التطهير , والرابعة تفوق المؤمنين بالمسيح على الكافرين به بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة , وبالحجة والبرهان والفوقية بالرفعة والدرجة ... "
بشرى
نوفمبر 4, 2005, 11:02 م
- وتظهر في القرآن الثنائية جليا فى شخصية السيد المسيح: إنه " عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ " ، لكنه أيضا " كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ " ...
فيأتي التعريف الجامع المانع : " إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ " ( النساء 171).
يقول البيضاوي : " إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم أوصلها إليها وخصلها فيها وروح منه وذو روح صدر منه لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له وقيل سمي روحا لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب "
فالمسيح هو كلمة الله الموجودة لدى الله قبل مريم " أوصلها إليها "..
وقوله "روح منه" فريد في القرآن يدل على مصدره: " ذو روح صدر منه " .
وهذا هو سر شخصية المسيح فهو رسول الله وكلمة الله وروح منه .
تعابير الروح هي من متشابه القرآن .. الذي لا يعلم تأويله إلا الله :
" تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ "
" يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا "
" تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ "
وهي علم اختص الله به دون سواه من البشر :
" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً "
" ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي واختلفوا في الروح الذي وقع السؤال عنه
فروي عن ابن عباس أنه جبريل وهو قول الحسن وقتادة
روي عن علي أنه قال ملك له سبعون ألف وجه لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بكلها
وقال مجاهد خلق على صور بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس وليسوا بملائكة ولا ناس يأكلون الطعام
وقال سعيد بن جبير لم يخلق الله تعالى خلقا أعظم من الروح غير العرش لو شاء أن يبتلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة خلقه على صورة خلق الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين يقوم يوم القيامة عن يمين العرش وهو أقرب الخلق إلى الله عز وجل اليوم عند الحجب السبعين وأقرب إلى الله يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ولولا أن بينه وبين الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السموات من نوره
وقيل الروح هو القرآن
وقيل المراد منه عيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمه......." (تفسير البغوي )
أما المقصود بالروح القدس أو الروح الأمين الذي نزل القرآن .. فهو ( جبريل ) كما أجمع عليه المفسرون والمسلمون وهذا مما لانزاع فيه , بدليل قوله :
" نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ "
" قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ "
أما بالنسبة لقوله عن المسيح : " وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ "
وهنا أيضاً نجد اختلاف كبير في أقوال المسلمين .. ففي حين أجمعوا على أن الروح القدس في الآية " قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ " هو جبريل .. نجد بأنهم قد اختلفوا في معنى الروح القدس في الآية " وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ "
جاء في تفسير ابن كثير : "قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس وأيدناه بروح القدس
قال هو الإسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى وقال ابن جرير حدثت عن المنجاب فذكره وقال ابن أبي حاتم وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضا
وقال ابن أبي نجيح الروح هو حفظة على الملائكة
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس القدس هو الرب تبارك وتعالى وهو قول كعب
وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا القدس هو الله تعالى وروحه جبريل فعلى هذا يكون القول الأول
وقال السدي القدس البركة
وقال العوفي عن ابن عباس القدس الطهر ...............
وقال الزمخشري بروح القدس بالروح المقدسة كما تقول حاتم الجود ورجل صدق ووصفها بالقدس كما قال وروح منه فوصفه بالإختصاص والتقريب تكرمة وقيل لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث
وقيل بجبريل
وقيل بالإنجيل كما قال في القرآن روحا من أمرنا
وقيل بإسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره
فتضمن كلامه قولا آخر وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة ... "
هذه هي بعض من أقوال المسلمين في معنى الروح والروح القدس .. ويبقى أمر الروح خفي على المسلمين لأنه علم اختص الله به دون سواه من البشر .
- والقرآن لا يذكر تأييد روح القدس لأحد من الأنبياء على الإطلاق ..
وبحق محمد يقول : " قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ " .. وروح القدس هنا كناية عن جبريل ( كما أجمع المفسرون ) , والقرآن يحصر دوره مع محمد في تنزيل القرآن فقط .
أما تأييد الروح القدس للمسيح فهو صريح وواضح بنص الآيات :
" وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ " ( البقرة : 87 )
ويكرر.. " وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ " ( البقرة : 253 )
" إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً " ( المائدة : 110 )
وهذا الروح القدس " لا يفارقه ساعة وهو معنى قوله وأيدناه بروح القدس " ( الرازي ) ...... "
يسير معه حيث سار " ( الجلالان )