هل الله واحد أم ثلاثة أم ثلاثة في واحد .
السلام على من اتبع الهدى
قال الله تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } النحل 125
فمن هذا المنطلق أبدأ بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وأجادل بالتي هي أحسن فمن كان على خطأ فكما هو معلوم إما أن يقبله ويعمل به ويستغفر عما ارتكبه
وإما أن يرد الحق وتأخذه العزة بالإثم ولا يقبل بالحق ليس جهلا به وإنما من باب العناد والمكابرة .
و في النهاية يبقى كل شخص يتحمل مسؤولية اختياره إما إلى الجنة أو إلى النار
ولا أستطيع أن أفرض رأيي على الآخرين .
هل الله واحد أم ثلاثة أم ثلاثة في واحد .
هذه المسألة ليست بالسهلة إطلاقا بل إن الله كفر الذين يقولون ذلك حيث قال في كتابه الكريم { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } المائدة 73
إذا ينبغي الوقف عند هذه المسألة وقفة جادة لنعلم أين هو الحق ويكمن عظم هذه المسألة في أن أحد الفرقتين إما المسلمين أو النصارى سيدخل النار وذلك لأخذهم للقول الذي يرونه الحق وهو باطل فمن هذا المنطلق ينبغي أن نبحث عن الحق في هذه المسألة .
و ينبغي أن نمر على عدة نقاط في هذه المسألة :
1 : من الإله عند النصارى .
2 : من الإله عند المسلمين .
3 : ما معنى قول النصارى .
4 : ما معنى قول المسلمين .
5 : ما الحق في ذلك حسب مقتضى العقل السليم الباحث عن الحقيقة .
6 : ملحقات بهذا الموضوع .
مــــــــــــع المـــــــوضـــــوع
هل الله واحد أم ثلاثة أم ثلاثة في واحد .
1 : من الإله عند النصارى .
النصارى يقولون إن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد .
أقرأ رسالة يوحنا الأولى الإصحاح الخامس الفقرة السابعة :
^ فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد .^
2 : من الإله عند المسلمين
إله المسلمين هو الله فقط .
3 : ما معنى قول النصارى .
قول النصارى إن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد
نفهم منه أحد المعاني التالية :
المعنى الأول : أن الآب والابن والروح القدس أجزاء مختلفة تركبت مع بعضها فكونت لنا هذا الإله الواحد .
المعنى الثاني : أن الآب والابن والروح القدس هم نفس الشيء كما يقال أنا وروحي ونفسي شيء واحد فلا اختلاف بين هؤلاء الثلاثة وليست المسألة حسابية في أن الثلاثة لا يمكن أن تصبح واحد لكن هؤلاء ثلاثة واحد فإذا قلت الآب فأنا أريد الآب والابن والروح القدس وهكذا مع البقية .
وهناك معنى ثالث لا يدخل ضمن تلك العبارة لكن أحب أن أذكره .
أن الآب والابن والروح القدس كلا واحد منهم إله مستقل عن الأخر وهذا كما قلت ليس كالعبارة التي يطلقها النصارى من أن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد .
4 : ما معنى قول المسلمين .
أي أن إله المسلمين هو الله واحد لا شريك له في ألهيته فلا يوجد إله غيره لا الابن ولا الروح القدس ولا غيرهما .
5 : ما الحق في ذلك حسب مقتضى العقل السليم الباحث عن الحقيقة .
الآن نناقش هذا المعاني جميعا عند المسلمين و النصارى .
مناقشة المعنى الأول :
المعنى الأول : وهو أن الآب و الابن وروح القدس أجزاء مختلفة تركبت مع بعضها فكونت لنا هذا الإله الواحد .
فهذا المعنى باطل وذلك لأمور :
أولا : فكرة كون هذا الإله مركب تدل دلالة واضحة على أن هذا الإله غير قادر
بنفسه بل بتركبه وذلك يعني أنه إذا تفكك فلن يكون هناك إله فهذا يدل على عجز هذا الإله .
ثانيا : الإنجيل يدل على أن هؤلاء الثلاثة مختلفين ومنفصلة وهذا يدل على تفكك هذا الإله .
ثالثا : كون هؤلاء الثلاثة مفككين يدل على أن كل واحد ليس بإله مستقل إذا هؤلاء الثلاثة عاجزون عن فعل شيء للبشر من خلق و رزق وتدبير لجميع المخلوقات وغيرها لأنهم ليسوا الإله ، فإن قيل لا قيل قد انتقلت من المعنى الأولى الذي ذكرته إلى المعنى الثالث وهو أن كل واحد من الثلاثة إله مستقل .
رابعا : كون هؤلاء عاجزين فلن يصبحوا إله مرة أخرى ، وعدم وجود الإله يدل على هلاك الجميع فمن سيطعم الكائنات الحية و يسقيها و يخلق ويدبر أمور الحياة .
خامسا : كون الإله مفكك إلى أجزاء عاجزة ينقلنا إلى سؤال هام وهو من الذي أوجدها هل العاجز عن إيجاد غيره قادر على إيجاد نفسه بطبع حسب العقل السليم لا فلا تستطيع إيجاد نفسها ، عدنا إلى نفس السؤال من الذي أوجد هذه الأجزاء ، وحسب العقل السليم أيضا أن الأشياء لا توجد إلا من خلال موجد فلا يمكن أن تكون هي موجودة هكذا من الأزل ، بقي أن يقال أن هناك من أوجدها قيل إذا هو الإله و هذه ليست إلا مخلوقات عنده و ليست بالإله .
بكل هذا يتضح لنا حسب العقل السليم أن المعنى الأول باطل .
مناقشة المعنى الثاني :
المعنى الثاني : أن الآب و الابن وروح القدس هم نفس الشيء كما يقال أنا وروحي ونفسي شيء واحد فلا اختلاف بين هؤلاء الثلاثة وليست المسألة حسابية في أن الثلاثة لا يمكن أن تصبح واحد لكن هؤلاء ثلاثة واحد فإذا قلت الآب فأنا أريد الآب والابن والروح القدس وهكذا مع البقية .
وهذا المعنى باطل أيضا وذلك لأمور :
أولا : لأن هذا المعنى نفهم منه أن الابن مثلا إذا حصل له شيء فهذا يعني أن الآب والروح القدس يحصل لهما نفس الشيء لأنهم شيء واحد ، فإذا أكل الابن فهذا يعني أن الآب أكل والروح القدس أكلا أيضا وإذا شرب الابن فهذا يدل على الآب والروح القدس شربا أيضا و إذا ذهب الابن ليقضي حاجته فهذا يدل على أن الآب والروح القدس ذهبا ليقضيا حاجتهما أيضا ، وهذا كفر و استنقاص للإله .
إن كان الأمر ليس كذلك فهذا يدل على أن هؤلاء الثلاثة ليسوا شيئا واحد .
ثانيا : الإنجيل يدل على أن هؤلاء الثلاثة مختلفين وهذا يدل على أن هؤلاء ليسوا شيء واحدا .
ثالثا : كون هؤلاء الثلاثة شيء واحد يدل على أنهم إذا وجدوا في مكان فلن يكونوا متفرقين بل سيكونون شيء واحدا إلا أننا نجد الإنجيل يدل على غير ذلك وهذا يدل على أن هؤلاء ليسوا شيء واحدا .
بكل هذا يتضح لنا حسب العقل السليم أن المعنى الثاني باطل أيضا .
مناقشة المعنى الثالث :
المعنى الثالث : أن الآب والابن والروح القدس كلا واحد منهم إله مستقل عن الأخر وهذا كما قلت ليس كالعبارة التي يطلقها النصارى من أن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد .
وهذا المعنى باطل أيضا ، رغم ذلك يبدو أنه أقرب من المعاني السابقة للحق رغم ذلك ليس هذا هو الحق .
و بما أن النصارى لا تقول به فسأدع الرد عليه و بيان بطلانه
الملــــــــــحقـــــــــــــات
الملحق الأول : إثباتات تدل على اختلاف الآب والابن والروح القدس عن بعضهم وكذلك افتراقهم عن بعضهم وهذا يدل على أنه لا وجود لثلاثة في واحد في الإنجيل والكتاب المقدس .
أقرأ سفر الأعمال الإصحاح الثاني الفقرة الثانية والعشرين ^ ايها الرجال الاسرائيليون اسمعوا هذه الاقوال.يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم ايضا تعلمون .^
وأقرأ سفر مرقس الإصحاح الأول الفقرة العاشرة
^ وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلا عليه.^
وأقرأ سفر مرقس الإصحاح الأول الفقرة الحادي عشر
^ وكان صوت من السموات.انت ابني الحبيب الذي به سررت ^
وأقرأ سفر يوحنا الإصحاح الرابع عشرة الفقرة الثامنة و العشرين
^ سمعتم اني قلت لكم انا اذهب ثم آتي اليكم.لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لاني قلت امضي الى الآب.لان ابي اعظم مني..^
وأقرأ سفر متى الإصحاح الثاني عشر الفقرة الثانية و الثلاثين
^ ومن قال كلمة على ابن الانسان يغفر له.واما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي. ^
المــــــــــــــلاحظــــــــــــــــات
1: يخبرنا الكتاب المقدس أن عيسى رجل ويخبرنا أيضا أن الروح القدس مثل حمامة نازلا عليه وهذا يدل على اختلاف الابن عن الروح القدس .
2 : يخبرنا الإنجيل أن الآب تكلم وقال : أنت ابن الحبيب ، مع أن الابن لم يتلفظ بشيء وهذا يدل على اختلاف الآب عن الابن .
3 : يخبرنا الإنجيل أن الابن يقول : لأن أبي أعظم مني وهذا يدل على اختلاف الآب والابن .
4 : يخبرنا الإنجيل أن من يقول كلمة على ابن الإنسان يغفر له لكن من يقول كلمة على الروح القدس لا يغفر له وهذا يدل على اختلاف عيسى والروح القدس .
5 : يخبرنا الإنجيل أنه عندما كان عيسى يصعد من الماء رأى الروح القدس نازلا عليه وهذا يدل على اختلاف مكان عيسى والروح القدس وهذا يدل على أن الإله هذا إن كانوا إلها أنه قد منفصل عن بعضه أو أن كل واحد منهم إله مستقل بنفسه وكلا القولين باطلين .
6 : يخبرنا الإنجيل أن صوت الآب كان من السماوات والابن كان على الأرض فهذا يدل على اختلاف مكان الآب عن الابن وهذا بدوره يدل على اختلاف الآب عن الابن.
7 : يخبرنا الإنجيل أنه عندما كان الروح القدس ينزل على عيسى سمع الابن صوت الآب من السماوات وهذا يدل على اختلاف مكان الآب عن الروح القدس وهذا بدوره يدل على اختلاف الآب عن الروح القدس .
8 : يخبرنا الإنجيل أن عيسى قال : لان قلت امضي إلى الآب ، وهذا يدل على اختلاف مكان الآب عن الابن وهذا بدوره يدل على اختلاف الآب عن الابن.
الملحق الثاني : من هو الإله الحق .
قول المسلمين سالم من المعارضة أو القدح وهو أن الإله هو الله أو ما يسميه النصارى بالآب فهو الذي يخلق ويرزق ويدبر كل شيء .
الملحق الثالث : ماذا عن عيسى والروح القدس .
أما عيسى عليه السلام فهو عند المسلمين عظيم من العظماء وهم رسل الله أي أنه رسول من رسل الله عليهم السلام بل هو من أفضل خمسة رسل .
ولعل ولادته العجيبة بل والمعجزة من أم فقط من غير تدخل بشري أقصد من غير تدخل رجل ، جعلت النصارى يعتقدون ألوهيته ، فكون هذا معجز إلا أن هناك أمر أشد أعجازا منه وهو أن آدم و حواء من غير أب ولا أم ومع ذلك لم يأتي أحد ليقول إنهما إلهين أبدا .
فكون عيسى صلى الله عليه و سلم ليس بإله بل رسول يدل على عظمته لا التنقيص من قدرة لأن تصرفاته التي يذكرها الإنجيل تدل على أنه ليس بإله إطلاقا إذا لو قلنا إنه إله فهو إله عاجز وووو
وهذا يقلل من مكانته أما إن قلنا أنه رسول فهذا يعظم مكانته .
أما روح القدس فهو جبريل عليه السلام ملك من ملائكة الله بل هو أفضل الملائكة جميعا ولعل الذي دفع النصارى إلى اعتقاد ألوهيته هو أن الله أرسله إلى مريم الطاهرة بصورة بشر لأنه قادر على ذلك بإذن الله قال الله تعالى
^ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ^فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ^ مريم 16-17
فعندما رأته مريم قالت كما قال تعالى ^ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ^ مريم 18
فأخبرها جبريل عن نفسه و بالوظيفة التي أرسله الله لها حيث أن الله أرسله لوظيفة محددة وهي كما قال الله تعالى ^ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ^ مريم 19
فسألت مريم كما قال الله تعالى ^ قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ^ مريم 20
فأجابها جبريل عليه السلام كما قال الله تعالى ^ قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ^ مريم 21
و كما قال تعالى ^ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ آل عمران 47
و عندما قضى الله ذلك الأمر وأراده قال كلمته كن
فنفذ جبريل عليه السلام الوظيفة كما قال الله تعالى ^ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ^ الأنبياء 91
وكما قال الله تعالى ^ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ^ التحريم 12
فكان أمر الله كما قال الله تعالى ^ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ^ مريم 22
فروح القدس جبريل جاء لمهمة معينه أمر بها من عند الله فروح القدس ليس سوء ملك مسخر من قبل الله سبحانه وتعالى .
قد يقول قائل : المسلمين اختلفوا في الروح القدس فكيف تقول أنه جبريل .
فأقول :
ليس كل قول يقبل بل لابد أن يستند إلى أدلة حتى يقبل أما دليل قولي أنه
جبريل ، فهو قول الله تعالى ^ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ^ النحل 102
وكما هو معلوم عند المسلمين والمعروف في الأحاديث أن جبريل هو الذي ينزل بالوحي من عند الله .
فهذا دليل صحيح أن روح القدس هو جبريل ، وكما قلت ليس كل ما تجده
تصدقه ، لابد أن يكون مستندا على دليل حتى يقبل هذا الكلام .
الملحق الرابع : آية يظن بعض النصارى أنها تدل على التثليث .
هي قول الله تعالى ^ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ^ النساء 171
حيث يقول بعض النصارى أنظر ماذا يقول القرآن إنه يتكلم عن ثلاثة :
1: المسيح عيسى ابن مريم رسول الله .
2 : وكلمته ألقاها إلى مريم .
3 : وروح منه .
أقول :
أما الأول فالمعنى فيه واضح أن عيسى ليس إلا رسول من عند الله .
أما الكلمة فهي كن التي قال الله عنها ^ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ آل عمران 47
فعندما أراد الله أن يخلق عيسى قال له كن فكان ، كغيره من سائر المخلوقات كما قال تعالى ^ بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ البقرة 117
وقال الله تعالى ^ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ^ آل عمران 59
وكما قال الله تعالى ^ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ^ الأنعام 73
وكما قال تعالى ^ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ^ النحل 40
وكما قال تعالى ^ ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ مريم 35
وكما قال تعالى ^ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ^ يس 82
وكما قال تعالى ^ هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ غافر 68
فعيسى ليس الكلمة وإنما خلق بالكلمة .
بقي قوله ^ وروح منه ^ أي روح مخلوق من الله كسائر المخلوقات من الله .
كقوله تعالى ^ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ^ الجاثية 13
وقال تعالى ^لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ^ البينة 1-3
فهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة وأبلغ من ذلك روح الله /جبريل / التي أرسلها إلى مريم وهي مخلوقة فالمسيح الذي هو روح من تلك الروح أولى أن يكون مخلوقا
وقد يقول قائل لماذا خص المسيح بذلك .
خص المسيح بذلك لأنه نفخ في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر فامتاز بأنها حبلت به من نفخ الروح فلهذا سمي روحا منه .
وقد قال الله تعالى ^ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ^ آل عمران 59
و قال الله تعالى ^ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ^ الحجر 29 و قال الله تعالى ^ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ^ ص 72
فروح آدم كروح عيسى كلهما مخلوقتان .
وبهذا يتبين أنها لا تدل على التثليث بل هي صريحة في وحدانية الله .
الملحق الخامس : معنى ^ نا ^ و ^ نحن ^ العائدة على الله .
يأتي الضميران ^نا^ أو ^ نحن^ في بعض المواضع في القرآن الكريم يدلان على الله
كما في قوله تعالى ^ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ^ الحجر 9
حيث يعتقد النصارى أنها تدل على التثليث وأن هناك أكثر من إله .
فأقول :
أن ^ نا ^ و ^ نحن ^ تطلق ويراد بها أحد معنيان إما الكثرة أو العظمة وهما إذا عادا على الله فلا يراد منها إلا العظمة .
ومثل هذا المعنى يرد في هذا الزمان فتجد بعض رؤساء الدول يقول نحن أو قررنا أو نحو ذلك ولا يريد بذلك إلا نفسه .
الملحق السادس : هل كون الابن أتى عن طريق الولادة أو لا هي المشكلة الوحيدة .
أقول :
مجرد أن يكون هناك ابن لله فهو اتهام لله بالعجز و الاحتياج لمن يعينه ، لو سألت مثلا لماذا أتى الابن إلى الأرض ، فلعل أحد النصارى أن يقول جاء ليموت على الصليب لفدى البشرية ، سأجيب عندها هذا اتهام لله بالعجز وعدم القدرة على أن يفعل ذلك إلا بغيره وهو الابن .
فإن قال لا ، أنت فرقة بين الآب و الابن فسأقول أفهم من كلامك أن الآب والابن واحد وأن ما يحصل للابن مثلا يحصل للآب لأن هذا هو معنى هذا الكلام فعندما يأكل الابن مثلا أو يشرب أو يقضي حاجته أو ينام أو يموت فهذا يعني أن الآب يفعل ذلك أيضا .
فإن قلت لا ليس هذا المقصود عندها أقول لك الآن أنت فرقة بينهما .
الملحق السابع : هل وحدانية الله أكبر من أن يدركها عقل بشر .
إن كان المقصود بوحدانية الله التي يذكرها المسلمين فليس الأمر كذلك بل هي معروفة يدركها العقل البشري بسهولة لأن الله واحد وهو واحد فلا يمكن أن يقال أنها لا يدركها العقل البشري .
وإن كان المقصود بوحدانية الله هو وحدانية الآب والابن وروح القدس هؤلاء الثلاثة الذين ليسوا ثلاثة بل هم واحد هذا هو غير معقول وغير منطقي بل هو باطل بل من أبطل الباطل وقد اثبت ذلك في السابق بل حتى ألوهية عيسى وحدها غير منطقية إذ كيف يكون هذا إله وهو يأكل ويشرب ويقضي حاجته وينام فكيف نزيد على ذلك ونقول أن الآب والابن والروح القدس شيء واحد هذا من أبطل الباطل .
ثم هل عقولنا و أفكارنا لا تدرك أن الله منزه عن النقص و العيوب ، هل عقولنا و أفكارنا لا تدرك أن الله لا يحتاج للأكل ولا يحتاج للشرب ولا يحتاج أن يقضي حاجته ولا يحتاج أن ينام .
فهذا القول وهو أن وحدانية الله أكبر من أن يدركها عقل بشر ، يدلنا على أن صاحبه
يتهرب من الحقيقة وهي أنه لا يوجد شيء اسمه تثليث ، وأنه يحاول أن يخدع نفسه بقوله لهذه المقالة حتى يستمر على ما كان عليه ، وذلك لأنه يرفض أن يعمل عقله في أن الإله منزه عن النقص والعيب ، وكون الإله يأكل ويشرب ويقضي حاجته وينام فهذا يدل
على نقص الإله وإهانته إهانة كبيرة هذا إذا قلنا أن الثلاثة شيء واحد وقد سبق بيان
ذلك ، ثم إذا وافق أنه ليسوا شيء واحدا بل هم إله واحد لكنه له أجزاء ثلاثة فهذا ضلال للهروب من ضلال .
والله لم يخلق لنا عقولا لنغلقها بل لنفكر بها فلو أتى أحد فقال أنا إلهكم فهل تقفل عقلتك
وتستجيب له مباشرة أم أنك ستختبره وتتفكر فيما يقوله ويعمله فإن وافق العقل السليم على أنه الله فنستجيب عندئذ ونحن مطمئنين وإن أثبت العقل عدم ألوهيته فسترده وتخبره بأنه كذاب ، كذلك الأمر هاهنا نختبر عيسى فيما يقوله ويفعله فلم يتبين لنا أنه إله إطلاقا
فإما أن يكون كذابا أو أن أحدا قد حرف ما أتى به وهذا هو الحق فالإنجيل محرف .
الملحق الثامن : الله ليس له شبيه ولا نظير فلا يمكن التطرق لوحدانية الثالوث .
يتضح من قائل هذا القول أنه لا يريد أن نقارن ولا نشبه عيسى بالله أليسوا كلهم ألهه أليسوا واحدا ،كيف لا يمكننا أن نقارن بين عيسى والله والروح القدس وهم واحد .
ولكن يتضح من قائل هذا القول أنه يريد أن يفرق بين الله وعيسى .
الملحق التاسع :هذا خلط بين اقنوم الابن الازلي ، مع الابن المتجسد في مرحلة من الزمن .
أقول :
أنا أتحدث عن هذا الابن الذي جاء إلى الأرض كما يقول النصارى هل هو إله أم
ليس بإله ، إن قيل لا هو ليس بإله بطل اعتقاد النصارى وبطل قولهم إن الآب والابن والروح القدس ألهه لكنهم ليسوا ثلاثة بل واحد ، وإن قيل نعم الابن إله فسأقول هل الابن الذي جاء إلى الأرض هو نفس الآب والروح القدس بمعنى أنهم جميعا على الأرض ، إن قيل لا ليس نفسهما فقد بطل كذلك اعتقاد النصارى أن هؤلاء الثلاثة إله واحد ، وإن قيل نعم الابن الذي جاء إلى الأرض هو نفس الآب والروح القدس بمعنى أنهم جميعا على الأرض قيل الكتاب المقدس يكذب هذا كما بينت ذلك في الملحق الأول فراجعه ، هذا من وجه ومن وجه أخر أن ما يحصل للابن مثلا يحصل للآب والروح القدس فإذا أكل الابن مثلا أو شرب أو ذهب ليقضي حاجته أو نام فهذا يعني أن الآب و الروح القدس يفعلون ذلك أيضا ، وهذا كفر و استنقاص للإله لأنهم إله واحد كما يقول النصارى .
الملحق العاشر : أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل للابن .
أقول :
كما هو معروف أن الابن وهو اللاهوت حل في الجسد وهو الناسوت وكذلك قد حل الآب والروح القدس في الجسد أيضا لأنهم شيء واحد ومن قال غير ذلك فقد فرق بين الآب والابن والروح القدس فنكون قد خرجنا من هذا المعنى إلى المعنى الأول الذي سبق ذكره وهو أنهم أجزاء إله وهو باطل وقد ذكرت سابقا الردود عليه و أيضا النصارى لا يوافقون عليه ، أو خرجنا إلى المعنى الثالث وهو أنهم ثلاثة ألهه مستقلة وليسوا إله واحد وهذا باطل ولا يوافق عليه النصارى ، إذن كل الثلاثة حلوا في الجسد وهو الناسوت وهذا كما ذكرت يكذبه الإنجيل وعلى فرض القول به ، فإن ما يحصل للابن يحصل للآب والروح القدس إلا أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل لهم جميعا حسب قول ذلك الذي يقول ^ أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل للابن ^.
وهذا باطل أيضا وذلك لأن كل ما يحصل أو يصدر من الجسد ليس معناه أنه حاصل أو صادر من الإله حسب قول ذلك الذي يقول ^ أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل للابن ^ فلا ينسب إلى الإله شيء مما يحصل أو يصدر عن الجسد ، فالأكل والشرب و قضاء الحاجة و النوم والموت والبكاء والكلام و غيرها من الأقوال أو الأعمال التي تصدر عن الجسد .
فلا يوجد عند النصارى بناء على هذا القول إنجيل ولا كتاب مقدس لأن كل ذلك صدر من الجسد وهو الناسوت فالأقوال التي في الكتاب المقدس أو الأعمال هي أقوال و أعمال الناسوت فلا ينسب إلى اللاهوت وهو الآب و الابن والروح القدس شيء من ذلك وهذا خلاف ما يعتقده النصارى فهو باطل .
فوجود اللاهوت في الناسوت لا قيمة له لأن كل ما يصدر عن الجسد لا ينسب إلى اللاهوت أي الآب والابن والروح القدس بل ينسب إلى الناسوت وهو الجسد .
وهذا مخالف لعقيدة النصارى إذا ما يصدر عن الجسد ينسب للاهوت حسب عقيدة النصارى فالمعجزات والكلام و الأعمال تصدر من الجسد ومع هذا تنسب للاهوت
^ الابن ^ فإذا كان ما يصدر عن الجسد شيء جيد فهو ينسب للاهوت و يمدح اللاهوت بذلك وكذلك إذا كان ما يصدر عن الجسد شيء فيه إهانة للاهوت كذلك ينسب للاهوت ويهان اللاهوت بذلك
إذا فعيسى يأكل ويشرب ويقضي حاجته وينام ويموت كذلك الآب والروح القدس
وهذا كفر و استنقاص للإله لأنهم إله واحد كما يقول النصارى .
الملحق الحادي عشر : عيسى عليه السلام هو الكلمة .
يقول بعض النصارى بأن عيسى هو الكلمة وذلك في القرآن حيث يقول الله ^ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ^ آل عمران 45
فمعنى الكلمة هنا كما يقول المسلمين أن معناها ^ كن ^ وهي أي الكلمة تدل على التأنيث إلا أن لفظة ^ اسمه ^ التي تعود على المسيح تدل على التذكير فلو كان معنى
^ بكلمته ^ كن لقال اسمها لكن لم يحصل ذلك فهذا يعني أن الكلمة هي عيسى .
أقول :
أن معنى الآية بشكل عام هو : أن الملائكة قالت إن الله يبشرك بشارة وقد ذكرت هذه البشارة في مواضع أخرى من القرآن وهي الغلام قال الله تعالى ^ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ^ مريم 19
فالقرآن يفسر بعضه بعضا لأن كل القرآن حق ومقبول عند المسلمين ، وهذا البشارة تحدث إذا أرادها الله كما قال تعالى ^ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ^ النحل 40
نعود للمعنى : كما قلت سابقا قالت الملائكة إن الله يبشرك بشارة وهي غلام تحدث بواسطة كن التي تصدر من الله اسمه أي الغلام المسيح عيسى ابن مريم .
هذا والله تعالى أعلم .
و أختم الكلام بأنه ليس قصدي من هذا الموضوع السخرية بالنصارى فيما يقولونه بل يقصد به تنبيه النصارى على هذه الأمور فمن رغب بأخذه و قبوله بصدر رحب أو رده
فهو وشأنه ولا أستطيع أن أفرض رأيي على الآخرين لكن كما قلت سابقا يبقى كل شخص يتحمل مسؤولية اختياره إما إلى الجنة أو إلى النار .
هذا والله تعالى أعلم و أحكم و صلى الله على نبينا محمد و أله و صحبه أجمعين و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أبو سعود
للمراسلة
[email][email protected][/email]
السلام على من اتبع الهدى
قال الله تعالى { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين } النحل 125
فمن هذا المنطلق أبدأ بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وأجادل بالتي هي أحسن فمن كان على خطأ فكما هو معلوم إما أن يقبله ويعمل به ويستغفر عما ارتكبه
وإما أن يرد الحق وتأخذه العزة بالإثم ولا يقبل بالحق ليس جهلا به وإنما من باب العناد والمكابرة .
و في النهاية يبقى كل شخص يتحمل مسؤولية اختياره إما إلى الجنة أو إلى النار
ولا أستطيع أن أفرض رأيي على الآخرين .
هل الله واحد أم ثلاثة أم ثلاثة في واحد .
هذه المسألة ليست بالسهلة إطلاقا بل إن الله كفر الذين يقولون ذلك حيث قال في كتابه الكريم { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم } المائدة 73
إذا ينبغي الوقف عند هذه المسألة وقفة جادة لنعلم أين هو الحق ويكمن عظم هذه المسألة في أن أحد الفرقتين إما المسلمين أو النصارى سيدخل النار وذلك لأخذهم للقول الذي يرونه الحق وهو باطل فمن هذا المنطلق ينبغي أن نبحث عن الحق في هذه المسألة .
و ينبغي أن نمر على عدة نقاط في هذه المسألة :
1 : من الإله عند النصارى .
2 : من الإله عند المسلمين .
3 : ما معنى قول النصارى .
4 : ما معنى قول المسلمين .
5 : ما الحق في ذلك حسب مقتضى العقل السليم الباحث عن الحقيقة .
6 : ملحقات بهذا الموضوع .
مــــــــــــع المـــــــوضـــــوع
هل الله واحد أم ثلاثة أم ثلاثة في واحد .
1 : من الإله عند النصارى .
النصارى يقولون إن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد .
أقرأ رسالة يوحنا الأولى الإصحاح الخامس الفقرة السابعة :
^ فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الآب والكلمة والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد .^
2 : من الإله عند المسلمين
إله المسلمين هو الله فقط .
3 : ما معنى قول النصارى .
قول النصارى إن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد
نفهم منه أحد المعاني التالية :
المعنى الأول : أن الآب والابن والروح القدس أجزاء مختلفة تركبت مع بعضها فكونت لنا هذا الإله الواحد .
المعنى الثاني : أن الآب والابن والروح القدس هم نفس الشيء كما يقال أنا وروحي ونفسي شيء واحد فلا اختلاف بين هؤلاء الثلاثة وليست المسألة حسابية في أن الثلاثة لا يمكن أن تصبح واحد لكن هؤلاء ثلاثة واحد فإذا قلت الآب فأنا أريد الآب والابن والروح القدس وهكذا مع البقية .
وهناك معنى ثالث لا يدخل ضمن تلك العبارة لكن أحب أن أذكره .
أن الآب والابن والروح القدس كلا واحد منهم إله مستقل عن الأخر وهذا كما قلت ليس كالعبارة التي يطلقها النصارى من أن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد .
4 : ما معنى قول المسلمين .
أي أن إله المسلمين هو الله واحد لا شريك له في ألهيته فلا يوجد إله غيره لا الابن ولا الروح القدس ولا غيرهما .
5 : ما الحق في ذلك حسب مقتضى العقل السليم الباحث عن الحقيقة .
الآن نناقش هذا المعاني جميعا عند المسلمين و النصارى .
مناقشة المعنى الأول :
المعنى الأول : وهو أن الآب و الابن وروح القدس أجزاء مختلفة تركبت مع بعضها فكونت لنا هذا الإله الواحد .
فهذا المعنى باطل وذلك لأمور :
أولا : فكرة كون هذا الإله مركب تدل دلالة واضحة على أن هذا الإله غير قادر
بنفسه بل بتركبه وذلك يعني أنه إذا تفكك فلن يكون هناك إله فهذا يدل على عجز هذا الإله .
ثانيا : الإنجيل يدل على أن هؤلاء الثلاثة مختلفين ومنفصلة وهذا يدل على تفكك هذا الإله .
ثالثا : كون هؤلاء الثلاثة مفككين يدل على أن كل واحد ليس بإله مستقل إذا هؤلاء الثلاثة عاجزون عن فعل شيء للبشر من خلق و رزق وتدبير لجميع المخلوقات وغيرها لأنهم ليسوا الإله ، فإن قيل لا قيل قد انتقلت من المعنى الأولى الذي ذكرته إلى المعنى الثالث وهو أن كل واحد من الثلاثة إله مستقل .
رابعا : كون هؤلاء عاجزين فلن يصبحوا إله مرة أخرى ، وعدم وجود الإله يدل على هلاك الجميع فمن سيطعم الكائنات الحية و يسقيها و يخلق ويدبر أمور الحياة .
خامسا : كون الإله مفكك إلى أجزاء عاجزة ينقلنا إلى سؤال هام وهو من الذي أوجدها هل العاجز عن إيجاد غيره قادر على إيجاد نفسه بطبع حسب العقل السليم لا فلا تستطيع إيجاد نفسها ، عدنا إلى نفس السؤال من الذي أوجد هذه الأجزاء ، وحسب العقل السليم أيضا أن الأشياء لا توجد إلا من خلال موجد فلا يمكن أن تكون هي موجودة هكذا من الأزل ، بقي أن يقال أن هناك من أوجدها قيل إذا هو الإله و هذه ليست إلا مخلوقات عنده و ليست بالإله .
بكل هذا يتضح لنا حسب العقل السليم أن المعنى الأول باطل .
مناقشة المعنى الثاني :
المعنى الثاني : أن الآب و الابن وروح القدس هم نفس الشيء كما يقال أنا وروحي ونفسي شيء واحد فلا اختلاف بين هؤلاء الثلاثة وليست المسألة حسابية في أن الثلاثة لا يمكن أن تصبح واحد لكن هؤلاء ثلاثة واحد فإذا قلت الآب فأنا أريد الآب والابن والروح القدس وهكذا مع البقية .
وهذا المعنى باطل أيضا وذلك لأمور :
أولا : لأن هذا المعنى نفهم منه أن الابن مثلا إذا حصل له شيء فهذا يعني أن الآب والروح القدس يحصل لهما نفس الشيء لأنهم شيء واحد ، فإذا أكل الابن فهذا يعني أن الآب أكل والروح القدس أكلا أيضا وإذا شرب الابن فهذا يدل على الآب والروح القدس شربا أيضا و إذا ذهب الابن ليقضي حاجته فهذا يدل على أن الآب والروح القدس ذهبا ليقضيا حاجتهما أيضا ، وهذا كفر و استنقاص للإله .
إن كان الأمر ليس كذلك فهذا يدل على أن هؤلاء الثلاثة ليسوا شيئا واحد .
ثانيا : الإنجيل يدل على أن هؤلاء الثلاثة مختلفين وهذا يدل على أن هؤلاء ليسوا شيء واحدا .
ثالثا : كون هؤلاء الثلاثة شيء واحد يدل على أنهم إذا وجدوا في مكان فلن يكونوا متفرقين بل سيكونون شيء واحدا إلا أننا نجد الإنجيل يدل على غير ذلك وهذا يدل على أن هؤلاء ليسوا شيء واحدا .
بكل هذا يتضح لنا حسب العقل السليم أن المعنى الثاني باطل أيضا .
مناقشة المعنى الثالث :
المعنى الثالث : أن الآب والابن والروح القدس كلا واحد منهم إله مستقل عن الأخر وهذا كما قلت ليس كالعبارة التي يطلقها النصارى من أن الإله هو الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم شيء واحد .
وهذا المعنى باطل أيضا ، رغم ذلك يبدو أنه أقرب من المعاني السابقة للحق رغم ذلك ليس هذا هو الحق .
و بما أن النصارى لا تقول به فسأدع الرد عليه و بيان بطلانه
الملــــــــــحقـــــــــــــات
الملحق الأول : إثباتات تدل على اختلاف الآب والابن والروح القدس عن بعضهم وكذلك افتراقهم عن بعضهم وهذا يدل على أنه لا وجود لثلاثة في واحد في الإنجيل والكتاب المقدس .
أقرأ سفر الأعمال الإصحاح الثاني الفقرة الثانية والعشرين ^ ايها الرجال الاسرائيليون اسمعوا هذه الاقوال.يسوع الناصري رجل قد تبرهن لكم من قبل الله بقوات وعجائب وآيات صنعها الله بيده في وسطكم كما انتم ايضا تعلمون .^
وأقرأ سفر مرقس الإصحاح الأول الفقرة العاشرة
^ وللوقت وهو صاعد من الماء رأى السموات قد انشقت والروح مثل حمامة نازلا عليه.^
وأقرأ سفر مرقس الإصحاح الأول الفقرة الحادي عشر
^ وكان صوت من السموات.انت ابني الحبيب الذي به سررت ^
وأقرأ سفر يوحنا الإصحاح الرابع عشرة الفقرة الثامنة و العشرين
^ سمعتم اني قلت لكم انا اذهب ثم آتي اليكم.لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لاني قلت امضي الى الآب.لان ابي اعظم مني..^
وأقرأ سفر متى الإصحاح الثاني عشر الفقرة الثانية و الثلاثين
^ ومن قال كلمة على ابن الانسان يغفر له.واما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي. ^
المــــــــــــــلاحظــــــــــــــــات
1: يخبرنا الكتاب المقدس أن عيسى رجل ويخبرنا أيضا أن الروح القدس مثل حمامة نازلا عليه وهذا يدل على اختلاف الابن عن الروح القدس .
2 : يخبرنا الإنجيل أن الآب تكلم وقال : أنت ابن الحبيب ، مع أن الابن لم يتلفظ بشيء وهذا يدل على اختلاف الآب عن الابن .
3 : يخبرنا الإنجيل أن الابن يقول : لأن أبي أعظم مني وهذا يدل على اختلاف الآب والابن .
4 : يخبرنا الإنجيل أن من يقول كلمة على ابن الإنسان يغفر له لكن من يقول كلمة على الروح القدس لا يغفر له وهذا يدل على اختلاف عيسى والروح القدس .
5 : يخبرنا الإنجيل أنه عندما كان عيسى يصعد من الماء رأى الروح القدس نازلا عليه وهذا يدل على اختلاف مكان عيسى والروح القدس وهذا يدل على أن الإله هذا إن كانوا إلها أنه قد منفصل عن بعضه أو أن كل واحد منهم إله مستقل بنفسه وكلا القولين باطلين .
6 : يخبرنا الإنجيل أن صوت الآب كان من السماوات والابن كان على الأرض فهذا يدل على اختلاف مكان الآب عن الابن وهذا بدوره يدل على اختلاف الآب عن الابن.
7 : يخبرنا الإنجيل أنه عندما كان الروح القدس ينزل على عيسى سمع الابن صوت الآب من السماوات وهذا يدل على اختلاف مكان الآب عن الروح القدس وهذا بدوره يدل على اختلاف الآب عن الروح القدس .
8 : يخبرنا الإنجيل أن عيسى قال : لان قلت امضي إلى الآب ، وهذا يدل على اختلاف مكان الآب عن الابن وهذا بدوره يدل على اختلاف الآب عن الابن.
الملحق الثاني : من هو الإله الحق .
قول المسلمين سالم من المعارضة أو القدح وهو أن الإله هو الله أو ما يسميه النصارى بالآب فهو الذي يخلق ويرزق ويدبر كل شيء .
الملحق الثالث : ماذا عن عيسى والروح القدس .
أما عيسى عليه السلام فهو عند المسلمين عظيم من العظماء وهم رسل الله أي أنه رسول من رسل الله عليهم السلام بل هو من أفضل خمسة رسل .
ولعل ولادته العجيبة بل والمعجزة من أم فقط من غير تدخل بشري أقصد من غير تدخل رجل ، جعلت النصارى يعتقدون ألوهيته ، فكون هذا معجز إلا أن هناك أمر أشد أعجازا منه وهو أن آدم و حواء من غير أب ولا أم ومع ذلك لم يأتي أحد ليقول إنهما إلهين أبدا .
فكون عيسى صلى الله عليه و سلم ليس بإله بل رسول يدل على عظمته لا التنقيص من قدرة لأن تصرفاته التي يذكرها الإنجيل تدل على أنه ليس بإله إطلاقا إذا لو قلنا إنه إله فهو إله عاجز وووو
وهذا يقلل من مكانته أما إن قلنا أنه رسول فهذا يعظم مكانته .
أما روح القدس فهو جبريل عليه السلام ملك من ملائكة الله بل هو أفضل الملائكة جميعا ولعل الذي دفع النصارى إلى اعتقاد ألوهيته هو أن الله أرسله إلى مريم الطاهرة بصورة بشر لأنه قادر على ذلك بإذن الله قال الله تعالى
^ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ^فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا ^ مريم 16-17
فعندما رأته مريم قالت كما قال تعالى ^ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ^ مريم 18
فأخبرها جبريل عن نفسه و بالوظيفة التي أرسله الله لها حيث أن الله أرسله لوظيفة محددة وهي كما قال الله تعالى ^ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ^ مريم 19
فسألت مريم كما قال الله تعالى ^ قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ^ مريم 20
فأجابها جبريل عليه السلام كما قال الله تعالى ^ قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا ^ مريم 21
و كما قال تعالى ^ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ آل عمران 47
و عندما قضى الله ذلك الأمر وأراده قال كلمته كن
فنفذ جبريل عليه السلام الوظيفة كما قال الله تعالى ^ والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين ^ الأنبياء 91
وكما قال الله تعالى ^ ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ^ التحريم 12
فكان أمر الله كما قال الله تعالى ^ فحملته فانتبذت به مكانا قصيا ^ مريم 22
فروح القدس جبريل جاء لمهمة معينه أمر بها من عند الله فروح القدس ليس سوء ملك مسخر من قبل الله سبحانه وتعالى .
قد يقول قائل : المسلمين اختلفوا في الروح القدس فكيف تقول أنه جبريل .
فأقول :
ليس كل قول يقبل بل لابد أن يستند إلى أدلة حتى يقبل أما دليل قولي أنه
جبريل ، فهو قول الله تعالى ^ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ^ النحل 102
وكما هو معلوم عند المسلمين والمعروف في الأحاديث أن جبريل هو الذي ينزل بالوحي من عند الله .
فهذا دليل صحيح أن روح القدس هو جبريل ، وكما قلت ليس كل ما تجده
تصدقه ، لابد أن يكون مستندا على دليل حتى يقبل هذا الكلام .
الملحق الرابع : آية يظن بعض النصارى أنها تدل على التثليث .
هي قول الله تعالى ^ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ^ النساء 171
حيث يقول بعض النصارى أنظر ماذا يقول القرآن إنه يتكلم عن ثلاثة :
1: المسيح عيسى ابن مريم رسول الله .
2 : وكلمته ألقاها إلى مريم .
3 : وروح منه .
أقول :
أما الأول فالمعنى فيه واضح أن عيسى ليس إلا رسول من عند الله .
أما الكلمة فهي كن التي قال الله عنها ^ قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ آل عمران 47
فعندما أراد الله أن يخلق عيسى قال له كن فكان ، كغيره من سائر المخلوقات كما قال تعالى ^ بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ البقرة 117
وقال الله تعالى ^ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ^ آل عمران 59
وكما قال الله تعالى ^ وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ^ الأنعام 73
وكما قال تعالى ^ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ^ النحل 40
وكما قال تعالى ^ ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ مريم 35
وكما قال تعالى ^ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ^ يس 82
وكما قال تعالى ^ هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ^ غافر 68
فعيسى ليس الكلمة وإنما خلق بالكلمة .
بقي قوله ^ وروح منه ^ أي روح مخلوق من الله كسائر المخلوقات من الله .
كقوله تعالى ^ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ^ الجاثية 13
وقال تعالى ^لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة رسول من الله يتلو صحفا مطهرة فيها كتب قيمة ^ البينة 1-3
فهذه الأشياء كلها من الله وهي مخلوقة وأبلغ من ذلك روح الله /جبريل / التي أرسلها إلى مريم وهي مخلوقة فالمسيح الذي هو روح من تلك الروح أولى أن يكون مخلوقا
وقد يقول قائل لماذا خص المسيح بذلك .
خص المسيح بذلك لأنه نفخ في أمه من الروح فحبلت به من ذلك النفخ وذلك غير روحه التي يشاركه فيها سائر البشر فامتاز بأنها حبلت به من نفخ الروح فلهذا سمي روحا منه .
وقد قال الله تعالى ^ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ^ آل عمران 59
و قال الله تعالى ^ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ^ الحجر 29 و قال الله تعالى ^ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ^ ص 72
فروح آدم كروح عيسى كلهما مخلوقتان .
وبهذا يتبين أنها لا تدل على التثليث بل هي صريحة في وحدانية الله .
الملحق الخامس : معنى ^ نا ^ و ^ نحن ^ العائدة على الله .
يأتي الضميران ^نا^ أو ^ نحن^ في بعض المواضع في القرآن الكريم يدلان على الله
كما في قوله تعالى ^ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ^ الحجر 9
حيث يعتقد النصارى أنها تدل على التثليث وأن هناك أكثر من إله .
فأقول :
أن ^ نا ^ و ^ نحن ^ تطلق ويراد بها أحد معنيان إما الكثرة أو العظمة وهما إذا عادا على الله فلا يراد منها إلا العظمة .
ومثل هذا المعنى يرد في هذا الزمان فتجد بعض رؤساء الدول يقول نحن أو قررنا أو نحو ذلك ولا يريد بذلك إلا نفسه .
الملحق السادس : هل كون الابن أتى عن طريق الولادة أو لا هي المشكلة الوحيدة .
أقول :
مجرد أن يكون هناك ابن لله فهو اتهام لله بالعجز و الاحتياج لمن يعينه ، لو سألت مثلا لماذا أتى الابن إلى الأرض ، فلعل أحد النصارى أن يقول جاء ليموت على الصليب لفدى البشرية ، سأجيب عندها هذا اتهام لله بالعجز وعدم القدرة على أن يفعل ذلك إلا بغيره وهو الابن .
فإن قال لا ، أنت فرقة بين الآب و الابن فسأقول أفهم من كلامك أن الآب والابن واحد وأن ما يحصل للابن مثلا يحصل للآب لأن هذا هو معنى هذا الكلام فعندما يأكل الابن مثلا أو يشرب أو يقضي حاجته أو ينام أو يموت فهذا يعني أن الآب يفعل ذلك أيضا .
فإن قلت لا ليس هذا المقصود عندها أقول لك الآن أنت فرقة بينهما .
الملحق السابع : هل وحدانية الله أكبر من أن يدركها عقل بشر .
إن كان المقصود بوحدانية الله التي يذكرها المسلمين فليس الأمر كذلك بل هي معروفة يدركها العقل البشري بسهولة لأن الله واحد وهو واحد فلا يمكن أن يقال أنها لا يدركها العقل البشري .
وإن كان المقصود بوحدانية الله هو وحدانية الآب والابن وروح القدس هؤلاء الثلاثة الذين ليسوا ثلاثة بل هم واحد هذا هو غير معقول وغير منطقي بل هو باطل بل من أبطل الباطل وقد اثبت ذلك في السابق بل حتى ألوهية عيسى وحدها غير منطقية إذ كيف يكون هذا إله وهو يأكل ويشرب ويقضي حاجته وينام فكيف نزيد على ذلك ونقول أن الآب والابن والروح القدس شيء واحد هذا من أبطل الباطل .
ثم هل عقولنا و أفكارنا لا تدرك أن الله منزه عن النقص و العيوب ، هل عقولنا و أفكارنا لا تدرك أن الله لا يحتاج للأكل ولا يحتاج للشرب ولا يحتاج أن يقضي حاجته ولا يحتاج أن ينام .
فهذا القول وهو أن وحدانية الله أكبر من أن يدركها عقل بشر ، يدلنا على أن صاحبه
يتهرب من الحقيقة وهي أنه لا يوجد شيء اسمه تثليث ، وأنه يحاول أن يخدع نفسه بقوله لهذه المقالة حتى يستمر على ما كان عليه ، وذلك لأنه يرفض أن يعمل عقله في أن الإله منزه عن النقص والعيب ، وكون الإله يأكل ويشرب ويقضي حاجته وينام فهذا يدل
على نقص الإله وإهانته إهانة كبيرة هذا إذا قلنا أن الثلاثة شيء واحد وقد سبق بيان
ذلك ، ثم إذا وافق أنه ليسوا شيء واحدا بل هم إله واحد لكنه له أجزاء ثلاثة فهذا ضلال للهروب من ضلال .
والله لم يخلق لنا عقولا لنغلقها بل لنفكر بها فلو أتى أحد فقال أنا إلهكم فهل تقفل عقلتك
وتستجيب له مباشرة أم أنك ستختبره وتتفكر فيما يقوله ويعمله فإن وافق العقل السليم على أنه الله فنستجيب عندئذ ونحن مطمئنين وإن أثبت العقل عدم ألوهيته فسترده وتخبره بأنه كذاب ، كذلك الأمر هاهنا نختبر عيسى فيما يقوله ويفعله فلم يتبين لنا أنه إله إطلاقا
فإما أن يكون كذابا أو أن أحدا قد حرف ما أتى به وهذا هو الحق فالإنجيل محرف .
الملحق الثامن : الله ليس له شبيه ولا نظير فلا يمكن التطرق لوحدانية الثالوث .
يتضح من قائل هذا القول أنه لا يريد أن نقارن ولا نشبه عيسى بالله أليسوا كلهم ألهه أليسوا واحدا ،كيف لا يمكننا أن نقارن بين عيسى والله والروح القدس وهم واحد .
ولكن يتضح من قائل هذا القول أنه يريد أن يفرق بين الله وعيسى .
الملحق التاسع :هذا خلط بين اقنوم الابن الازلي ، مع الابن المتجسد في مرحلة من الزمن .
أقول :
أنا أتحدث عن هذا الابن الذي جاء إلى الأرض كما يقول النصارى هل هو إله أم
ليس بإله ، إن قيل لا هو ليس بإله بطل اعتقاد النصارى وبطل قولهم إن الآب والابن والروح القدس ألهه لكنهم ليسوا ثلاثة بل واحد ، وإن قيل نعم الابن إله فسأقول هل الابن الذي جاء إلى الأرض هو نفس الآب والروح القدس بمعنى أنهم جميعا على الأرض ، إن قيل لا ليس نفسهما فقد بطل كذلك اعتقاد النصارى أن هؤلاء الثلاثة إله واحد ، وإن قيل نعم الابن الذي جاء إلى الأرض هو نفس الآب والروح القدس بمعنى أنهم جميعا على الأرض قيل الكتاب المقدس يكذب هذا كما بينت ذلك في الملحق الأول فراجعه ، هذا من وجه ومن وجه أخر أن ما يحصل للابن مثلا يحصل للآب والروح القدس فإذا أكل الابن مثلا أو شرب أو ذهب ليقضي حاجته أو نام فهذا يعني أن الآب و الروح القدس يفعلون ذلك أيضا ، وهذا كفر و استنقاص للإله لأنهم إله واحد كما يقول النصارى .
الملحق العاشر : أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل للابن .
أقول :
كما هو معروف أن الابن وهو اللاهوت حل في الجسد وهو الناسوت وكذلك قد حل الآب والروح القدس في الجسد أيضا لأنهم شيء واحد ومن قال غير ذلك فقد فرق بين الآب والابن والروح القدس فنكون قد خرجنا من هذا المعنى إلى المعنى الأول الذي سبق ذكره وهو أنهم أجزاء إله وهو باطل وقد ذكرت سابقا الردود عليه و أيضا النصارى لا يوافقون عليه ، أو خرجنا إلى المعنى الثالث وهو أنهم ثلاثة ألهه مستقلة وليسوا إله واحد وهذا باطل ولا يوافق عليه النصارى ، إذن كل الثلاثة حلوا في الجسد وهو الناسوت وهذا كما ذكرت يكذبه الإنجيل وعلى فرض القول به ، فإن ما يحصل للابن يحصل للآب والروح القدس إلا أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل لهم جميعا حسب قول ذلك الذي يقول ^ أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل للابن ^.
وهذا باطل أيضا وذلك لأن كل ما يحصل أو يصدر من الجسد ليس معناه أنه حاصل أو صادر من الإله حسب قول ذلك الذي يقول ^ أن ما يحصل للجسد لا يعني أنه يحصل للابن ^ فلا ينسب إلى الإله شيء مما يحصل أو يصدر عن الجسد ، فالأكل والشرب و قضاء الحاجة و النوم والموت والبكاء والكلام و غيرها من الأقوال أو الأعمال التي تصدر عن الجسد .
فلا يوجد عند النصارى بناء على هذا القول إنجيل ولا كتاب مقدس لأن كل ذلك صدر من الجسد وهو الناسوت فالأقوال التي في الكتاب المقدس أو الأعمال هي أقوال و أعمال الناسوت فلا ينسب إلى اللاهوت وهو الآب و الابن والروح القدس شيء من ذلك وهذا خلاف ما يعتقده النصارى فهو باطل .
فوجود اللاهوت في الناسوت لا قيمة له لأن كل ما يصدر عن الجسد لا ينسب إلى اللاهوت أي الآب والابن والروح القدس بل ينسب إلى الناسوت وهو الجسد .
وهذا مخالف لعقيدة النصارى إذا ما يصدر عن الجسد ينسب للاهوت حسب عقيدة النصارى فالمعجزات والكلام و الأعمال تصدر من الجسد ومع هذا تنسب للاهوت
^ الابن ^ فإذا كان ما يصدر عن الجسد شيء جيد فهو ينسب للاهوت و يمدح اللاهوت بذلك وكذلك إذا كان ما يصدر عن الجسد شيء فيه إهانة للاهوت كذلك ينسب للاهوت ويهان اللاهوت بذلك
إذا فعيسى يأكل ويشرب ويقضي حاجته وينام ويموت كذلك الآب والروح القدس
وهذا كفر و استنقاص للإله لأنهم إله واحد كما يقول النصارى .
الملحق الحادي عشر : عيسى عليه السلام هو الكلمة .
يقول بعض النصارى بأن عيسى هو الكلمة وذلك في القرآن حيث يقول الله ^ إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ^ آل عمران 45
فمعنى الكلمة هنا كما يقول المسلمين أن معناها ^ كن ^ وهي أي الكلمة تدل على التأنيث إلا أن لفظة ^ اسمه ^ التي تعود على المسيح تدل على التذكير فلو كان معنى
^ بكلمته ^ كن لقال اسمها لكن لم يحصل ذلك فهذا يعني أن الكلمة هي عيسى .
أقول :
أن معنى الآية بشكل عام هو : أن الملائكة قالت إن الله يبشرك بشارة وقد ذكرت هذه البشارة في مواضع أخرى من القرآن وهي الغلام قال الله تعالى ^ قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ^ مريم 19
فالقرآن يفسر بعضه بعضا لأن كل القرآن حق ومقبول عند المسلمين ، وهذا البشارة تحدث إذا أرادها الله كما قال تعالى ^ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ^ النحل 40
نعود للمعنى : كما قلت سابقا قالت الملائكة إن الله يبشرك بشارة وهي غلام تحدث بواسطة كن التي تصدر من الله اسمه أي الغلام المسيح عيسى ابن مريم .
هذا والله تعالى أعلم .
و أختم الكلام بأنه ليس قصدي من هذا الموضوع السخرية بالنصارى فيما يقولونه بل يقصد به تنبيه النصارى على هذه الأمور فمن رغب بأخذه و قبوله بصدر رحب أو رده
فهو وشأنه ولا أستطيع أن أفرض رأيي على الآخرين لكن كما قلت سابقا يبقى كل شخص يتحمل مسؤولية اختياره إما إلى الجنة أو إلى النار .
هذا والله تعالى أعلم و أحكم و صلى الله على نبينا محمد و أله و صحبه أجمعين و سلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين .
أبو سعود
للمراسلة
[email][email protected][/email]