من الإلف إلي الياء
مقدمة
هيهات هذه الجنة في عالم فكر اصابه الخبل
فاعتقد نفسه بانه هُبَل
فقد التقى الماء بالماء
و لم يعد هناك صبح و لا مساء
بل الجميع واحد به
جل جلاله
الواحد الأحد
د.نواف
المتدّين الذي مضى آمناً الى ممارسة زمنه الديني، فظهرت لنا أحواله إثر إذٍ على ثلاثة :
- حالُ من يبتغي لدينه حقَّانية الحضور والقيومية بوصفه الصراط المستقيم.
- وحال من يرى إلى ما يعتقد به ويؤمن، على نصاب الاعتدال والوسطية، فلا يقيم الحد على من هو من غير أهله.
- وحال من يمضي إلى فَهْمِ دينه على مبدأ تعدّدية السبل الى الله. كأنْ يرى أن الخلاص أو النجاة متاحٌ لكل انسان أياً كانت الشريعة التي يلتزمها في فضاء التوحيد. في يقينه انّ الدين واحدٌ والشرائع كثيرة، فينظر صاحب هذا الفهم إلى الأديان كظهورات تاريخية للتجلي الإلهي، وينشئ لغته الدينية على الاجتماع الرحماني بين الناس، مهما اختلفت مذاهبهم، وأعراقهم، وطرق إيمانهم.
وأياً يكن السبيل الذي يتخذه المتديِّن، سواء كان فرداً أم جماعة، فما يفعله هو أنه في تَدَيُّنهِ إنما يختبر فَهْمَهُ وطريقَته وتالياً، منظومَته الإيديولوجية.
وفي هذا الطور أيضاً لا يعود الدين، بما هو دين، حاضراً إلاّ في النص. أي في المقدس الذي يعلن عن نفسه بكلمات الوحي، وكذلك عبر المنقول على أَلْسِنة الرسل والأنبياء من حَمَلة الوحي. غير أن النص الذي تصوّره البعض صامتاً، لا يفتأ حتى يغادر صَمْتَه في اللحظة التي يحلّ فيها على الزمن البشري، حيث يروح الناس يُسائلونه، ويبحثون فيه عما يتوقعونه منه. إنه (أي النص)، يتكلم بالواسطة، على ما يقول هؤلاء، بحيث يبقى المقدس واحداً في ذاته، لكنه يتكثّر، ويتعَّدد، ويتنوَّع، بحسب كل تفسير يُقبل عليه؛ إمّا ليتخذه سبيلاً إلى النجاة، أو ليسائله على سبيل التعرُّف والاستقراء.
وخلافاً للدين بما هو وحي الهي، فإن المعرفة الدينية مستنتجٌ بشري لديها جميع العلاقات والصفات البشرية. أي أن منشأ وحراك تلك المعرفة، بشريٌ وليس وحياً. وأن تطورها تدريجي، وهي تثير الخصومات، وتحتمل الظن واليقين، كما تحتاج باستمرار إلى التنسيق والتنظيم والنقد. وهي أيضاً في وئام وخصام مع فنون المعرفة الأخرى. وهي كذلك على تقدم وتراجع مستمرين تاريخياً، كما تتضمن القوة والضعف، والاضطراب والصفاء، والصواب والخطأ.
جرّاء هذه السيْريَّة، يبرز في ساحة المعرفة الدينية كثير من المفكرين والمجدّدين والإحيائيين والمصلحين، وكل منهم ينشئ معرفته بحسب نصيبه من علوم العصر ومعارفه
ومن باب اخر لقد أظهرت الاكتشافات العلمية أن الكون كله وبكل محتوياته الكبيرة والدقيقة تسير طبقاً لنظام دقيق سمي دستور الكون. وهذه النظام يعرف اصلا بالديانات بالنظام الإلهي.
إن كل ما يحدث في هذه الكون لا يمكن أن يحدث سوى بإرادة الله. وهكذا إن جميع الاكتشافات العلمية هي بإرادة الله الذي يلهم عقل العالم والمكتشف، فيضع الله الإنسان أمام الامتحان في كيفية استخدام ما تم اكتشافه. وكلما استخدم الإنسان اكتشافاته لمنفعة الجميع، كلما ترقى الإنسان إلى مستويات أعلى من التطور. لقد أعطى الله الإنسان حرية الخيار ومقدرة الإدراك، وعلى الإنسان أن يساهم في تحقيق غاية الوجود في التقدم والتطور. وهكذا يبقى الله متدخلاً في الخليقة على مر الزمن، يمنعها عن الضياع التام في متاهات الجهل المظلمة، ويدفعها للاستمرار في التقدم لتحقيق غاية الوجود ومن هذا المنطلق وبعد المقدمة المختصر نعرض لكم ما جمعناه من فصوص الحكمة والذي سميناه من الإلف إلي الياء
اعلم يا صديقي أن الحقَّ في كلِّ دين موجود وعلى كلِّ لسان جارٍ، وأن الشبهة دخولها على كلِّ إنسان جائز ممكن. فاجتهد، يا أخي، أن تبيِّن الحقَّ لكلِّ صاحب دين ومذهب مما هو في يده أو متمسِّك به، وتكشف الشبهة التي دخلت عليه، إن كنت تحسن هذه الصناعة. ولا تُشغَلنَّ بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب.
التكوين
النبضة الأولى:
إن الطبيعة الإلهية هي الظهور وعدم الظهور، فالله هو غير ظاهر ويظهر في خليقته كتعددية لا محدودة. يبدأ في الظهور ويتمدد ومن ثم يتقلص ويختفي ويعود غير ظاهر. هذا هو المجال الإلهي، من غير الظاهر إلى غير الظاهر مروراً بكل الظواهر.
تشبّه عملية الخلق والفناء بحلقة مستديرة، نقطة البداية هي بذاتها نقطة النهاية. في بدء الخلق هناك مراحل للتفتح، وهذه المراحل تشرح عملية ظهور الله في مادة كثيفة حيّة.
قبل البدء كان الفناء، الفراغ المطلق بلا حدود، حالة من الهمود التام، والسكون التام، التي كان فيها الوعي غير واعٍ وغير متفتّح. ومن ثم الحركة الأولى. ماذا يحتاج السكون التام كي يحرك؟ ماذا يحتاج الوعي كي يصبح واعياً؟ إنه لا يحتاج سوى لنبرة واحدة خفيفة لطيفة. ولنعتبر أن هذه النبرة هي أول نبرة صوتية في حروف الأبجدية؛ " أ "، وهذه النبرة تستمر لتكون " آ "، والاستمرار لا يمكن أن يكون إلى ما لا نهاية، عليه أن يتوقف ويعود ساكناً بحرف آخر فيه السكون، تماما كما أنزل الله أول نبرة صوتية على النبي محمد في أول سورة أنزلت علية في سورة العلق إذ تبدأ بكلمة "اقرأ" فالحرف "ا" في اقرأ يعبر تماماً عن انطلاق الصوت من السكون، ويأتي حرف "ق" الساكن كي يوقف استمرار السكون، بذلك يكون الله الواحد الأحد قد أظهر النواحي الثلاثية للوجود وهي الذات والفعل والصفة. بانطلاق حرف "ا" ظهرت الذات، باستمراريتها كان الفعل وبتوقفها تحدد الشكل الأول وأعطاها الصفة. وبذلك يكون قد تم التفتح الأول في الوجود؛ الانطلاق والاستمرار والعودة، وحول هذا التفتح الثلاثي الأبعاد تتمحور كل الخليقة الظاهرة وغير الظاهرة.
تفتّح الوعي:
فلنبسط هذه العملية، عندما يكون الوعي غير واعٍ، يكون حقلاً غير ظاهر، وبالتالي كياناً واحداً وحيداً ساكناً. وفي أول مرحلة من مراحل التفتّح، يصبح الوعي واعياً، وكونه وحيداً، لا يمكن إلا أن يصبح الوعي واعياً على ذاته. عندما كان الوعي غير واعٍ كانت الأحادية، وعندما أصبح الوعي واعياً ظهرت التعدّدية، والتعددية تبدأ بتحوّل الأحادية إلى ثلاثية الفاعل والفعل والمفعول به، الوعي هو الفاعل، وواعياً هو الفعل، وذاته هو المفعول به. هنا نرى أن الأحادية قد أصبحت ثلاثية، لكن أين الثنائية؟ إذا تعمقنا في الجملة التالية؛ الوعي واعياً على ذاته، نجد أن الوعي وذاته هما واحد، الفاعل والمفعول به هما واحد، وعندما لا يكون هناك أي تمييز بين الوعي وذاته، يكون الفعل غير فعّالاً. إلا أنه على الفعل أن يكون حاضراً في الفاعل لكي يصبح فعّالاً، لذلك الفعل هو ملازم للفاعل، على الفاعل أن تتضمن في داخلة المقدرة على الفعل كي يصبح فاعلاً، عندما يكون الفعل فعّالاً تكون تعددية الوجود، وعندما يكون الفعل غير فعّال تكون الأحادية.
الذكاء الخلاق:
الفاعل هو الوعي، والفعل هو ذكاء الوعي، وهكذا نقول عندما يكون الوعي واعياً، يصبح الذكاء ذكياً، وهكذا تبدأ عملية الخلق، فيصبح الذكاء خلاقاً. لنصغ الجملة مرة أخرى؛ يصبح الذكاء خلاقاً عندما يكون الوعي واعياً. والوجود كله هو تفاعل الوعي والذكاء معاً. وهكذا وعندما يكون الذكاء غير فعّال، تكون الثنائية في الأحادية. وعندما يكون الذكاء غير فعّال فلا يستطيع أن يميّز بين الوعي وذاته، فيكون الوعي والذكاء وذاته واحداً، وهكذا أيضاً تكون الثلاثية في الأحادية، وبما أن الثلاثية هي الوجود كله، يبقى الوجود كله وبشكل ثابت ودائم وأبدي ضمن نطاق الأحادية. لذلك نستطيع القول: في الأحادية توجد الثنائية دوماً، ومن الأحادية تنبع الثلاثية باستمرار واستمرار.
المفهوم العلمي للخلق:
في علم الفيزياء الحديثة، إن الحقل الموحد هو منبع الطاقة والذكاء والمادة، الطاقة هي التي تدفع المادة، والذكاء هو الذي يعطيها الاتجاه. قبل الظهور كانت الطاقة كامنة في الحقل الموحد، وكان الذكاء غير فعّال، وعندما أصبح الذكاء ذكياً، تفاعل مع الطاقة ما أدى إلى ظهور المادة، عندما يهمد الذكاء تفنى المادة وتصبح الطاقة غير ظاهرة، وعندما يتفاعل الذكاء بالطاقة مرة أخرى، تظهر المادة من جديد، وهكذا تظهر الخليقة كلها، مراراً وتكراراً إلى ما لا نهاية.
المفهوم الديني للخلق:
فلنأخذ وجهة نظر أخرى، ماذا تقول الديانات؟
قبل الخليقة كان الله وحيداً. وفي حقل فردوسه الإلهي هناك عنصران بارزان في رواية التكوين في كتبنا السماوية، آدم وحواء، خلق الله آدم، ومن ضلع آدم خلق الله حواء، وسمح لهما أن يأكلا من كل ثمار الجنة ما عدا شجرة المعرفة، ولكن الحيّة دفعت حواء إلى إغراء آدم وجعلته يأكل من هذه الشجرة. لولا وجود حواء لما كان آدم قد أكل من الشجرة المحرّمة، ولولا وجود الحيّة لما كانت حواء قد دفعت آدم للقيام بهذا العمل. آدم هو الفاعل، وقبل أن يأكل من شجرة المعرفة كان يرمز إلى الوعي غير المتفتّح، الوعي المطلق المجرّد. حواء هي سبب الفعل، حواء هي الذكاء الذي أعطى اتجاهاً للوعي. قبل أن تخلق حواء كانت هامدة بين ضلوع آدم، كما نقول كانت ذكاءً غير فعّال، وعندما خُلقت أصبح الذكاء ذكياً، وبدافع من الحية، حرّكت آدم باتجاه الشجرة المحرّمة كي يعرف ذاته، ويعرف الله الذي خلقه، وهكذا أصبح الوعي واعياً على ذاته.
الخلق في علم الفيدا:
وهناك رواية أخرى في علوم الفيدا لا تقل أهمية عن الرواية السابقة، وعلوم الفيدا هي المصدر الحقيقي للفكر الفلسفي والتراثي والديني والعلمي للحضارات الشرقية الآسيوية كافة. في رواية الفيدا هناك براهمان، الذي هو الوجود كله، الظاهر وغير الظاهر. وتأتي الخليقة كلها نتيجةً لتفاعل براهمان في داخل ذاته من خلال عنصرين أزليين يتضمنا فيه، وهذان العنصران هما بروشا وبراكريتي، بروشا هو المطلق الثابت غير الفاعل وغير المتحرّك ولكنه الشاهد والمشاهد لكل الخليقة، وبراكريتي هي الطبيعة الملازمة لبروشا، وتسمى براكرتي أيضاً بالأم الإلهية، كما تسمى حواء بأم الخليقة.
ظهور العقل :
إضافة إلى العنصر المذكر في آدم أو بروشا، والعنصر المؤنث في حواء أو براكريتي، هناك عنصر ثالث في رواية الخلق، يلعب دور الدافع لتفاعل بروشا وبراكريتي، إنه "مهات" الذي يجعل براكريتي تحوم حول بروشا وتتفاعل به وتسبب بظهور برهمان في الخليقة المادية، مهات هي قوة دفع التطوّر أي قوة العقل الكلي للكون. إنها أعلى مرتبة من مراتب الهيكلية الكونية، والتي بها البداية وفيها النهاية. عندما تهمد براكريتي في بروشا يكون الفناء، ويصبح برهمان غير ظاهر. وبتفاعل براكريتي ببروشا يظهر مهات، العقل الكلي كي يطلق براهمان للظهور. إن مهات هو العقل ظن إنه الفعل الكوني الأول أو نبضة الظهور الأولى أو الكلمة أو اللوجوس.
ظهور الأنا :
وبعد ظهور العقل الكلي وقوته الدافعة أصبح حتمياً متابعة عملية الظهور، بعد أن عاد الوعي إلى ذاته، وجد قوة تدفعه إلى الخارج من جديد، وهكذا تكرر الفعل الأول مرة ثانية، وبذلك أدرك الوعي أنه مدركاً لذاته، وبهذا الإدراك أصبح باستطاعة الوعي أن يميّز ذاته عن الوعي الكلي، وهنا ظهرت الأنا الأولى، أي الشعور بالفردية الأول أو النفس الكونية.
الأنا في الرواية الدينية:
في الرواية الدينية، أدرك آدم وحواء الاختلاف بينهما وسترا عريهما بورق التين. لقد فعلا ذلك لأنهما فقدا الشعور بالأحادية، لقد فقدا الشعور أنهما واحد وأن حواء هي من ضلع آدم، وأصبح لكل واحد منهما فرديته الخاصة وميزاته الخاصة، وبذلك أصبح الواحد يخجل ويخاف من الآخر، وخجلهما وخوفهما هو ما جعل كل منهما يتستر على ذاته.
الأنا في علوم الفيدا:
وفي علوم الفيدا، وبعد تفاعل براكريتي ببروشا بدافع من قوة مهات، يظهر أهمكار، وكلمة أهمكار تعني أيضاً الأنا، ووظيفة الأنا هي تفريق قوة التطور، وإظهار ميزاتها، فتنمو الأنا في كل المخلوقات.
ظهور قوة العقل الغريزي:
وبعد ظهور الأنا، وبعدما أدرك الوعي أنه واعياً على ذاته، ومميّزاً ذاته عن الوعي الكلي، أصبح قادراً على التعرف على كل ما حوله، وبالتالي أصبح قادراً على التفاعل مع كل ما حوله، وهكذا ظهر قوة الغريزة العقلية، وتسمي علوم الفيدا هذه القوة "مناس" إن العقل الغريزي للكون هو المنظّم لكل تفاعلات الخليقة. وكون العقل الغريزي هو المنظم لكل شيء تنبع منه كل الصفات مع أضدادها، منها أنماط العقل وهي: الصفاء والحماس والشك، وصفات الزمان وهي: الماضي والحاضر والمستقبل، وصفات المكان وهي: الأمام والوسط والمؤخرة، وغيرها من صفات الوجود.
تفتح العقل الغريزي عند آدم :
في الرواية الدينية بعد أن خالف آدم وحواء وصية الله غضب منهما وطردهما من الفردوس، وقال لهما عليكما أن تعملا لتحصيل معيشتكما. هذا القول لله يرمز إلى العقل من كونه عقلاً كلياً مجرداً، قبل أن يأكل آدم من الشجرة، إلى عقلاً مدركاً غرائزي، وبدفعٍ من العقل الغريزي أدرك آدم القانون الأول للحياة: "عليكما أن تعملا لتحصيل معيشتكما" وهكذا يكون العقل الكلي قد تحول كي يصبح عقلاً غرائزي مدركاً لجميع قوانين الطبيعة.
طبيعة العقل الكلي:
إن العقل الكلي هو أول ظهور للمطلق في الحقل المادي. وهكذا فهو يعمل ضمن ثلاثية العمل. العقل الكلي هو عقل براهما، وعقل فيشنو وعقل شيفا. وعلى مستوى الفرد للعقل الكلي ثلاثة صفات وهي الصفاء والحماس والشك، وبطبيعته أعتقد العقل أنه هو سيد كل شيء، وبدأ ينسج من ذاته أفكاره، وفقد مرجعيته في الوعي المجرد، وكون العقل ليس كاملاً، من غير الممكن أن يعطي ما هو أكمل منه.
غلطة العقل أو الخطيئة الأصلية:
وهنا نسأل السؤال المهم، لماذا حدث كل ذلك؟ لماذا أخطأ آدم وأكل من الشجرة المحرّمة؟ على من تقع المسؤولية؟ حواء هي التي أغرت آدم كي يأكل من الشجرة، والحيّة هي التي دفعت حواء إلى إغراء آدم، وما كان باستطاعة الحيّة أن تدفع حواء لولا وجود الشجرة المحرّمة، وهذه الشجرة هي من عند الله، إذاً الوصية هي التي أحيت الخطيئة، فبدّلت آدم وحواء من حالة الخلود إلى حالة الموت، هذه هي الخطيئة الأصلية. والوصية هي من عند الله، وكل شيء قد نبع من عند الله، فهل الخطيئة هي من صفات الله؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال علينا أن ننظر مرة أخرى في الطبيعة الإلهية، إن الطبيعة الإلهية هي طبيعة لا محدودة، غير ظاهرة وتشمل كل الظواهر. عندما تكون غير ظاهرة يكون التوازن التام، والتناظر التام، هذا هو الكمال الإلهي، الله هو كامل بشكل تام وبشكل أزلي، ولكن عملية الظهور تتطلب أن يختل هذا التوازن، وأن ينكسر هذا التناظر، ولكن ومع اختلال التوازن وانكسار التناظر يبقى الله كاملاً، لأن الخليقة الظاهرة هي ليست نتيجة لتحول الله من حالة غير ظاهرة إلى حالة ظاهرة، بل هي انعكاس للمقدرة الإلهية في المادة، الخليقة الظاهر هي صورة الله، والله يشمل الخليقة الظاهرة وغير الظاهرة أيضاً، والخليقة الظاهرة هي الدنيا، أي التي هي على المستوى المتدني من الوجود لأنها وجدت بسبب الخطيئة، والخطيئة هي غلطة العقل الذي اعتقد أن باستطاعته أن يدرك كل شيء.
غلطة العقل في العلم:
هذه الخطيئة قد تم اكتشافها في العلوم الحديثة، وهي نظرية انكسار التناظر في علوم الفيزياء، وقد أظهرت هذه النظرية أن سبب الوجود هو انكسار التناظر في الحقل الموحد. ما هي نظرية انكسار التناظر؟ فلنأخذ مثلاً كرة صغير تامة التناظر، أي أن تكون جهاتها كلها متساوية، ولنضعها على الأرض ونعطيها طاقة كي تدور حول نفسها، وبسبب تناظرها التام، سوف تدور الكرة حول نفسها وعلى محورها دون حراك، بشكل دائم أبدي ما دام فيها قوة الدوران. أما إذا كسرنا التناظر، أي أن نجعل ثقباً صغيراً في مكان ما على الكرة، ونضعها على الأرض ونعطيها طاقة كي تدور حول نفسها، وبسبب هذا الثقب الصغير، سوف تدور الكرة حول نفسها ولكنها لن تستطيع أن تدور على محورها بشكل ثابت، بل ستوسع مجال محورها باستمرار، وسوف يتوسع مجال دورانها إلى ما لا نهاية، هكذا وبنفس الطريقة وجد الوجود الذي يتمدّد إلى ما لا نهاية. هذا هو مسبب الخليقة، إنه انكسار التناظر أي غلطة العقل أي الخطيئة الأصلية.
ظهور المادة:
وتتابع نظريات علم الفيزياء أن هذا التفاعل الديناميكي لعملية ظهور الوعي يستمر ويزداد تسارعاً، ويستقر بخمس مستويات تصاعدية من التسارع، تظهر من خلالها العناصر الرئيسة في المادة، ومستويات التسارع هذه، هي :
غرافيتون (المسئول عن قوة الجاذبية، والزمان والمكان).
غرافتينو (يظهر في محتوى نظرية التناظر الفائق).
حقول الطاقة.
حقول المادة.
حقول هيغس المسئول عن انكسار التناظر.
وبمستويات التسارع هذه تظهر عناصر المادة الرئيسية؛ الأثير في الغرافيتون، والهواء في الغرافتينو، والنار في حقول الطاقة، والماء في حقول المادة، والتراب في حقول انكسار التناظر.
الانفجار الكبير:
في هذه المراحل الخمسة تبدأ المادة الملموسة في الظهور. يأتي الصوت من الأثير، واللمس من الهواء والنور من النار، والذوق من الماء والشم من التراب. أما النار فهي المفصل الرئيسي في عملية الخلق، إنها نقطة تحول غير الظاهر إلى ظاهر. مع ظهور النار، أي حقول الطاقة، كان الانفجار الكبير "بيغ بانغ". فالنار هي المرحلة الأولى الملموسة التي بعدها ظهرت الخليقة المادية، لذلك ذكر في التوراة أن الله خلق النور في اليوم الأول، وأيضاً في علوم الفيدا، إن أول كلمة في الكتاب الأول من كتب الفيدا هي "أكني" وتعني النار. وتقول الفيدا أننا ندخل الوجود المادي في هذه الخليقة من باب النار.
عناصر الإحساس:
عندما تظهر المادة يكون العقل متحسساً لها لأنه وجد قبلها، وبما أن المادة تتكون من خمسة عناصر رئيسية فالعقل يتحسسها ويتفاعل معها بخمس قنوات رئيسية. وبتفاعل العقل مع كل من العناصر الخمسة يظهر كل من أعضاء الحواس الخمسة، وأعضاء العمل الخمسة، ووظائف الحواس الخمس. أعضاء الحواس الخمس هي الأذنين والجلد والعينين واللسان والأنف. وأعضاء العمل الخمسة هي الفم واليدين والقدمين والأعضاء التناسلية وأعضاء الإفراز. ووظائف الحواس الخمس هي السمع واللمس والنظر والذوق والشم. وكل من هذه المجموعات الخمس هي مرتبطة مع العناصر الخمسة الرئيسية بالتتالي؛ الأثير والهواء والنار والماء والتراب.
عناصر التكوين:
هكذا نكون قد كشفنا عناصر التكوين الأساسية كما وردت في العلوم الحديثة وفي الكتب الدينية وفي العلوم القديمة وهي:
الوعي المطلق، أو آدم، أو بروشا.
الطبيعة، أو حواء، أو براكريتي.
العقل الكلي أو قوة الدفع التطورية، أو الكلمة، أو مهات.
الأنا أو قوة التمييز، أو أهمكار.
العقل الغريزي أو قوة الإدراك أو مناس.
وظائف الحواس الخمس
أعضاء الحواس الخمس
أعضاء العمل الخمس
عناصر المادة الخمس
اللقاء الكبير:
هكذا نرى التشابه الكبير لمراحل التكوين كما وردت في العلم والدين والفلسفة، وقد تشابهت جميعها بالرغم من التفاوت الكبير في الزمان والمكان، من علوم الفيدا الآسيوية التي يعود تاريخها إلى أكثر من خمسة وعشرين ألف سنة إلى العلوم الحديثة الغربية في عصرنا الحاضر، مروراً بالمعرفة الدينية. وهذا اللقاء الكبير هو المدخل لكشف الحقيقة الأزلية.
زوال الوجود:
كما تكلمنا عن مراحل التكوين يمكننا أيضاً أن نشرح عملية الفناء للوجود، أو ما يعرف باليوم الأخير. كما أن الظهور قد حدث بطرفة عين، كذلك الفناء يكون بطرفة عين. عندما تتحقق غاية الوجود، تكون الرغبة الإلهية قد تحققت بشكل تام. وبذلك يصل الوجود الإلهي إلى اكتماله، ويتوقف التقدم والتمدد للحقل الإلهي في المادة، وفي تلك اللحظة وبعد أن يكون كل شيء قد تم، ينسحب الله من الوجود ويخفي المادة في طيات ذاته ويعود إلى ذاته في حالة الهمود التام، مستريحاً ومتهيئاً كي ينطلق من جديد. إن عملية الفناء هذه هي اليوم الأخير أي يوم القيامة. تتشابه عملية الفناء وعملية الانطلاق الجديد مع ما تشرحه علوم الفيزياء الحديثة عن الثقوب السوداء والسوبر نوفا.
مراحل الفناء:
تتم عملية الفناء بنفس التتابع لعملية الظهور ولكن بطريقة عكسية. ويبدأ الفناء بزوال المادة وتتفكك ذرات الوجود، فتزول العناصر الخمس بدءً بعنصر التراب ويزول معها أعضاء الشم وحواس الشم وكل الروائح، وتجف المياه ويزول معها أعضاء الذوق وحواس الذوق وكل مذاق، وتنطفئ الأنوار ويزول معه أعضاء البصر وحواس البصر وكل الأشكال، وتهدأ الرياح ويزول معها أعضاء اللمس وحواس اللمس وكل ملموس، وأخيراً تزول ظلمات الفضاء وتزول معها أعضاء السمع وحواس السمع وكل الأصوات، ومع زوال العناصر الخمس وآخرها الأصوات تزول الكلمة التي بها بدأ الكون المادي. ولحظة زوال الوجود المادي تنقطع الغريزة وتخضع للأنا الكونية، وتضيع الأنا وتخضع للعقل، ويتوقف العقل ويفنى في النفس الكونية، براكريتي، التي هي في الحضور الإلهي الذي لا يزول، فتهمد النفس في بحر الروح الكونية، بروشا، ويغوص بروشا ومعه براكريتي الهامدة في البحر الإلهي، بحر برهمان غير الظاهر. إن كل هذا الفناء يحدث في برهة الزمن الأخير. لا بل يحدث كل ذلك في لحظة زوال الزمن وكما يقال عندما ينقر الناقور. "فإذا نقر في الناقور، فذلك يوم عسير على الكافرين غير يسير" سورة المدثّر في القرآن الكريم. وأيضاً في الإنجيل: "في لحظة، بل في طرفة عين عندما ينفخ في البوق الأخير". لقد ورد شرح اليوم الأخير بشكل واضح في معظم الديانات القديمة والحديثة، في سورة القيامة في القرآن الكريم: "يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر" أما في الإنجيل في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس في الفصل 15 تحت عنوان قيامة الأموات: "في اليوم الأخير سوف يخضع كل شيء لله، لكي يكون الله هو كل شيء في كل شيء".
المصدر : موقع الحكيم مهاريشي
الدكتور : سليم حداد .
الخلاص الأخير
إلى غاية الغايات قصدي و بغيتي ...
أي إلى المقام الذي تصبح فيه كل الطاقات طاقة واحدة كلّية متحدة تحكم على المقامات الأدنى و الحكم هنا ليس حالة لشخص محدود، بل حالة من حالات الوعي الأحدي الذي يمكن اختباره فرديا فنعرف حقيقة - الحاكم و ما أدراك ما حقيقية الحاكم - بالتجربة الفردية العرفانية، بدون القعود عند الاسم و الرسم و العقيدة و إلا فكيف سنعرف أو نتعرف على اللطيف إلا بمادة من اللطافة، و هل يصح الإله السامي عن الوجود إلا بعبادته محدودا في البداية فينفتح وعينا الخاص على النهاية التي تصبح لا نهاية بمقامِ وعيٍ سامٍ نختبره بعد أن وصلت الطاقة بنا لحد الإمامة بمنزلتنا و كأننا استخدمنا كل الطاقات الدماغية ففهمنا عين المقصود بهذا الوجود المتوسع تشبها بالعقل الأرفع الخالق المخلوق الذي لا زال يخلق عوالمه من خلالنا بسبب تشتت النظر ووجهات النظر في تعريف الحقيقة الواحدة، و التي ما كانت يوما ثنائية و لكنها أصبحت كذلك في عالمنا المسقط الساقط، فهو مسقط لأنه إسقاط لأبعاد لا نهائية فراغية في أبعاد ثلاثية نسبية محدودة معروفة حسيا لنا، و هو ساقط لأنه يسقط وعينا السامي الكلي إلى وعي طفولي مبهم محدود بالحواس فننظر ذواتنا ذواتا أخرى و كأننا لسنا أبناء عالم الكلية و النور بل سقطنا في عالم الأنا و الظلام و الشرور.
لطالما كانت الحقيقة في جهة واحدة اسمها الصراط المستقيم و على الميزان، و لطالما كان و لا زال التوحيد غاية الحياة و فيه سر جمع المتناقضات حيث لا نسكن بالعالم النسبي أي عالمنا الأرضي إلا لكي نرى بالصور البطيئة كيف أن - الضد لا يظهر جماله إلا الضد - .
فبالتوحيد توحد مع الذات و بالتالي تم خلع الصفات فلا جدال و لا نزاع و لا أنا و لا تعددية ذوات ، فهو ظهور قدسي للعقل الندسي يختبره الفرد كمكافأة على خلاصه من شرك الظواهر و البواطن و من لعبة الناطق و الأساس أي من دائرة المادة و الأثير،
فلا احتمال مع التوحيد لمعنيين و لا وجود لمعنى خاص و لا عام فقد ذاب كل شيء في محيط النعمة الإلهية ، هذا من منظار الحقائق التوحيدية .
أما إذا أردنا استخدام مناظير أخرى عقائدية أو فردية ، زمنية أو مكانية فإننا سننظر بعين التعددية لأننا ضللنا الطريق و قست طباعنا و تربع الضد على عرش قلوبنا و لو قليلا، فنرى أننا أصحاب مذاهب و تيارات و من أتباع معلمين و مدارس و جماعات و نرى أن للآخرين مذاهب و أننا من أصحاب الجنة و الباقي كفار و على النار،
هذا الوهم العقائدي سببه الرئيسي هو الجهل بالتجربة التوحيدية العرفانية و التي لا تتم إلا بعقل الإنسان الكلي أي برباط سري من ذلك العقل الخلاق الذي فيه ذاتية فردية و نوره جذوة كامنة في كل ذات، و التي من خلالها أي الواحد في الأعداد التالية يحدث تناغم بين شاكرا التاج و مقام القلب النابض عقلا و قلبا بالحب فيحدث التقاء التوأمين لاختراق دائرة الانفصال و الفرق لتصبح كل الذوات في دائرة أحدي الذات بإلهام ( يحبهم و يحبونه) بعد أن سمعوا النداء لمّا أشار عليهم في قوله ( خرافي تعرفني و هم ليسوا من هذا الزرب ).
هذه الأرض بمثابة حجاب عن الجنة الحقيقية التي هي- الدعوة الهادية المهدية- و التي هي الأنوار التوحيدية الحقيقية، فنحن نعيش على سطح الأرض و نعتقد من خلال قانون الزمن الوهمي أن الجنة مستقبلية فقط و واضح تماما بأن الله موجود دوما معنا و جنته موجودة دوما و لا يجوز الظن أن الجنة موعودة فقط أو معدومة بل هي موجودة من خلال وجود الرب وبما أن الله دائم الوجود فهذا معناه أن جنته موجودة دوما، و ما هي الجنة إلا جنه عرفانية من خلال علوم توحيدية حقيقية يلامس أنوارها الإنسان عندما يدخل إلى المساحة الداخلية فيه و التي هي فيها قمة الحركة و السكون معا ، عندها يستعيد أصله النوراني وهذه هي الجنة الحقيقية أما التي ننتظرها بالمستقبل فهي ليست المقصودة من خلال العلوم التوحيدية من المستوى الخامس الخاص بل هي تطور بالوعي ضمن الزمان و المكان وكما لا تنكرها علوم التوحيد 0
نستطيع أن نرجع لمساحة السلام أو للجذوة النورانية التي بداخل أنفسنا الآن، بهذا السلام ينتفي الزمان والمكان فنسبح في بحر من الفرح و الغبطة و التي من خلالها نعرف ماذا حصل، الآن نحن نعيش هذا السلام فلا وجود لإنسان و لا زمان أومكان، بل يوجد غبطة .... يوجد سلام ......... سلام النفس أعلى و أسمى مقام 0
ابْـقَ بعـيدًا
لا ينبغي لك أبدًا أن تظل هنا طويلاً. كُنْ من البُعد بحيث لا يقدرون أن يجدوك، لا يقدرون أن يدركوك ليشكِّلوك، يقولبوك. كُنْ بعيدًا جدًّا، كالجبال، كالهواء غير الملوث؛ كُنْ من البُعد بحيث لا يبقى لك أهلٌ ولا علاقاتٌ ولا عائلةٌ ولا وطن؛ كُنْ من البُعد بحيث لا تعرف حتى أنت أينك. لا تدعْهم يجدونك؛ لا تحتك بهم احتكاكًا لصيقًا جدًّا. ابْقَ بعيدًا حيث لا تقدر حتى أنت أن تجد نفسك؛ أبْق على مسافة لا يمكن عبورُها أبدًا؛ حافِظْ على ممرٍّ مفتوح دومًا لا يستطيع أحدٌ أن يأتي عبره. لا تغلقْ الباب – إذ لا باب أصلاً، بل ممرٌّ مفتوح لا نهاية له؛ إذا أغلقتَ أيَّ باب سيكونون قريبين جدًّا منك، وإذ ذاك فأنت ضائع. ابْقَ بعيدًا حيث لا تصلك أنفاسُهم – وأنفاسُهم تسافر بعيدًا جدًّا وعميقًا جدًّا؛ لا تدعْ عدواهم تصيبك، عدوى كلامهم، حركاتهم، معرفتهم العظيمة؛ عندهم معرفة عظيمة، لكنْ كُنْ بعيدًا جدًّا عنهم حيث لا تقدر حتى أنت أن تجد نفسك. ذلك أنهم ينتظرونك، عند كلِّ زاوية، في كلِّ بيت، ليشكِّلوك، يقولبوك، يقطِّعوك إربًا، ثم يعيدوا تجميعك على صورتهم. آلهتُهم – الصغيرة والكبيرة – هي صورٌ عن أنفسهم، نَحَتَها ذهنُهم أو نحتتْها أيديهم. إنهما في انتظارك، رجل الدين والشيوعي، المؤمن والملحد، وكلاهما سيان: إنهما يظنان أنهما مختلفان، لكنهما ليسا كذلك، لأن كلاهما يغسل دماغك، حتى تصير منهم، حتى تكرِّر كلماتهم، حتى تتعبَّد لقدِّيسيهم، القدماء منهم والحديثين؛ عندهم جيوش تذود عن آلهتهم وعن أوطانهم، وهم خبراء في القتل. ابْقَ بعيدًا؛ لكنهما في انتظارك، المربِّي ورجل الأعمال: أحدهما يدرِّبك على تطويع الآخرين لمتطلبات مجتمعهم، وهو شيء مميت – عندهم شيء اسمه المجتمع والأسرة: هذان هما إلهاهم الحقيقيان، الشبكة التي ستقع في شِراكها. – سيجعلان منك عالِمًا، مهندسًا، خبيرًا في كلِّ شيء تقريبًا، من الطبخ إلى العَمار إلى الفلسفة. ابْقَ بعيدًا، بعيدًا جدًّا؛ إنهما في انتظارك، السياسي والمصلح: الأول يسحبك إلى الأسفل حتى البالوعة، وعندئذٍ يصلحك الثاني؛ إنهما يتلاعبان بالكلمات، ولسوف تتوه في قَفْرهما. ابْقَ بعيدًا؛ إنهما في انتظارك، الخبير في الله ورامي القنابل: الأول سوف يقنعك والآخر [يدلك] كيف تقتل – وما أكثر الطرق لإيجاد الله، وما أكثر طُرُق القتل، ما أكثرها! ولكن إلى جانب هؤلاء جميعًا، هناك جحافل من الآخرين لتلقينك ما تفعل وما لا تفعل؛ ابْقَ بعيدًا عنهم جميعًا، بعيدًا إلى حدِّ ألا تقدر أن تجد نفسك ولا أحدًا سواك. أنت أيضًا تود أن تلعب مع جميع هؤلاء الذين ينتظرونك، لكن اللعبة تصير حينذاك من التعقيد والتسلية بحيث تضيِّعك. لا ينبغي لك أن تظل هنا طويلاً؛ كُنْ من البُعد بحيث لا تقدر حتى أنت أن تجد نفسك.
ج. كريشنامورتي
وفي الختام
يا أبن النور اتخذ الحياة كما تشاء ، واختر عملك لأن على كل الأنفس أن تعمل. ولا تتخلّ أبداً عن درب النور.
كل خطوة أحرزتها على درب الرقي اللانهائي هي جبل من نور.
وكل خطوة تتخذها إنما تزيد من علو هذا الجبل.
وكل تقدم إنما يظهر بُعد الغاية أكثر، فاسع إلى الحكمة الأزلية دوماً،
ولا تيأس من تحقيقها.
- توقدي أيتها الشعلة المتوهجة في الداخل أكثر فأكثر لتفضي برقع الليل،
ولتنمو النفس في الروح متحررة من سيد الظلام.
ايها الساكن فينا إن لك نورا في قلوبنا فلا تبخل علينا وزدنا
وللمقال بقية
تحياتي لكم
مقدمة
هيهات هذه الجنة في عالم فكر اصابه الخبل
فاعتقد نفسه بانه هُبَل
فقد التقى الماء بالماء
و لم يعد هناك صبح و لا مساء
بل الجميع واحد به
جل جلاله
الواحد الأحد
د.نواف
المتدّين الذي مضى آمناً الى ممارسة زمنه الديني، فظهرت لنا أحواله إثر إذٍ على ثلاثة :
- حالُ من يبتغي لدينه حقَّانية الحضور والقيومية بوصفه الصراط المستقيم.
- وحال من يرى إلى ما يعتقد به ويؤمن، على نصاب الاعتدال والوسطية، فلا يقيم الحد على من هو من غير أهله.
- وحال من يمضي إلى فَهْمِ دينه على مبدأ تعدّدية السبل الى الله. كأنْ يرى أن الخلاص أو النجاة متاحٌ لكل انسان أياً كانت الشريعة التي يلتزمها في فضاء التوحيد. في يقينه انّ الدين واحدٌ والشرائع كثيرة، فينظر صاحب هذا الفهم إلى الأديان كظهورات تاريخية للتجلي الإلهي، وينشئ لغته الدينية على الاجتماع الرحماني بين الناس، مهما اختلفت مذاهبهم، وأعراقهم، وطرق إيمانهم.
وأياً يكن السبيل الذي يتخذه المتديِّن، سواء كان فرداً أم جماعة، فما يفعله هو أنه في تَدَيُّنهِ إنما يختبر فَهْمَهُ وطريقَته وتالياً، منظومَته الإيديولوجية.
وفي هذا الطور أيضاً لا يعود الدين، بما هو دين، حاضراً إلاّ في النص. أي في المقدس الذي يعلن عن نفسه بكلمات الوحي، وكذلك عبر المنقول على أَلْسِنة الرسل والأنبياء من حَمَلة الوحي. غير أن النص الذي تصوّره البعض صامتاً، لا يفتأ حتى يغادر صَمْتَه في اللحظة التي يحلّ فيها على الزمن البشري، حيث يروح الناس يُسائلونه، ويبحثون فيه عما يتوقعونه منه. إنه (أي النص)، يتكلم بالواسطة، على ما يقول هؤلاء، بحيث يبقى المقدس واحداً في ذاته، لكنه يتكثّر، ويتعَّدد، ويتنوَّع، بحسب كل تفسير يُقبل عليه؛ إمّا ليتخذه سبيلاً إلى النجاة، أو ليسائله على سبيل التعرُّف والاستقراء.
وخلافاً للدين بما هو وحي الهي، فإن المعرفة الدينية مستنتجٌ بشري لديها جميع العلاقات والصفات البشرية. أي أن منشأ وحراك تلك المعرفة، بشريٌ وليس وحياً. وأن تطورها تدريجي، وهي تثير الخصومات، وتحتمل الظن واليقين، كما تحتاج باستمرار إلى التنسيق والتنظيم والنقد. وهي أيضاً في وئام وخصام مع فنون المعرفة الأخرى. وهي كذلك على تقدم وتراجع مستمرين تاريخياً، كما تتضمن القوة والضعف، والاضطراب والصفاء، والصواب والخطأ.
جرّاء هذه السيْريَّة، يبرز في ساحة المعرفة الدينية كثير من المفكرين والمجدّدين والإحيائيين والمصلحين، وكل منهم ينشئ معرفته بحسب نصيبه من علوم العصر ومعارفه
ومن باب اخر لقد أظهرت الاكتشافات العلمية أن الكون كله وبكل محتوياته الكبيرة والدقيقة تسير طبقاً لنظام دقيق سمي دستور الكون. وهذه النظام يعرف اصلا بالديانات بالنظام الإلهي.
إن كل ما يحدث في هذه الكون لا يمكن أن يحدث سوى بإرادة الله. وهكذا إن جميع الاكتشافات العلمية هي بإرادة الله الذي يلهم عقل العالم والمكتشف، فيضع الله الإنسان أمام الامتحان في كيفية استخدام ما تم اكتشافه. وكلما استخدم الإنسان اكتشافاته لمنفعة الجميع، كلما ترقى الإنسان إلى مستويات أعلى من التطور. لقد أعطى الله الإنسان حرية الخيار ومقدرة الإدراك، وعلى الإنسان أن يساهم في تحقيق غاية الوجود في التقدم والتطور. وهكذا يبقى الله متدخلاً في الخليقة على مر الزمن، يمنعها عن الضياع التام في متاهات الجهل المظلمة، ويدفعها للاستمرار في التقدم لتحقيق غاية الوجود ومن هذا المنطلق وبعد المقدمة المختصر نعرض لكم ما جمعناه من فصوص الحكمة والذي سميناه من الإلف إلي الياء
اعلم يا صديقي أن الحقَّ في كلِّ دين موجود وعلى كلِّ لسان جارٍ، وأن الشبهة دخولها على كلِّ إنسان جائز ممكن. فاجتهد، يا أخي، أن تبيِّن الحقَّ لكلِّ صاحب دين ومذهب مما هو في يده أو متمسِّك به، وتكشف الشبهة التي دخلت عليه، إن كنت تحسن هذه الصناعة. ولا تُشغَلنَّ بذكر عيوب مذاهب الناس، ولكن انظر هل لك مذهب بلا عيب.
التكوين
النبضة الأولى:
إن الطبيعة الإلهية هي الظهور وعدم الظهور، فالله هو غير ظاهر ويظهر في خليقته كتعددية لا محدودة. يبدأ في الظهور ويتمدد ومن ثم يتقلص ويختفي ويعود غير ظاهر. هذا هو المجال الإلهي، من غير الظاهر إلى غير الظاهر مروراً بكل الظواهر.
تشبّه عملية الخلق والفناء بحلقة مستديرة، نقطة البداية هي بذاتها نقطة النهاية. في بدء الخلق هناك مراحل للتفتح، وهذه المراحل تشرح عملية ظهور الله في مادة كثيفة حيّة.
قبل البدء كان الفناء، الفراغ المطلق بلا حدود، حالة من الهمود التام، والسكون التام، التي كان فيها الوعي غير واعٍ وغير متفتّح. ومن ثم الحركة الأولى. ماذا يحتاج السكون التام كي يحرك؟ ماذا يحتاج الوعي كي يصبح واعياً؟ إنه لا يحتاج سوى لنبرة واحدة خفيفة لطيفة. ولنعتبر أن هذه النبرة هي أول نبرة صوتية في حروف الأبجدية؛ " أ "، وهذه النبرة تستمر لتكون " آ "، والاستمرار لا يمكن أن يكون إلى ما لا نهاية، عليه أن يتوقف ويعود ساكناً بحرف آخر فيه السكون، تماما كما أنزل الله أول نبرة صوتية على النبي محمد في أول سورة أنزلت علية في سورة العلق إذ تبدأ بكلمة "اقرأ" فالحرف "ا" في اقرأ يعبر تماماً عن انطلاق الصوت من السكون، ويأتي حرف "ق" الساكن كي يوقف استمرار السكون، بذلك يكون الله الواحد الأحد قد أظهر النواحي الثلاثية للوجود وهي الذات والفعل والصفة. بانطلاق حرف "ا" ظهرت الذات، باستمراريتها كان الفعل وبتوقفها تحدد الشكل الأول وأعطاها الصفة. وبذلك يكون قد تم التفتح الأول في الوجود؛ الانطلاق والاستمرار والعودة، وحول هذا التفتح الثلاثي الأبعاد تتمحور كل الخليقة الظاهرة وغير الظاهرة.
تفتّح الوعي:
فلنبسط هذه العملية، عندما يكون الوعي غير واعٍ، يكون حقلاً غير ظاهر، وبالتالي كياناً واحداً وحيداً ساكناً. وفي أول مرحلة من مراحل التفتّح، يصبح الوعي واعياً، وكونه وحيداً، لا يمكن إلا أن يصبح الوعي واعياً على ذاته. عندما كان الوعي غير واعٍ كانت الأحادية، وعندما أصبح الوعي واعياً ظهرت التعدّدية، والتعددية تبدأ بتحوّل الأحادية إلى ثلاثية الفاعل والفعل والمفعول به، الوعي هو الفاعل، وواعياً هو الفعل، وذاته هو المفعول به. هنا نرى أن الأحادية قد أصبحت ثلاثية، لكن أين الثنائية؟ إذا تعمقنا في الجملة التالية؛ الوعي واعياً على ذاته، نجد أن الوعي وذاته هما واحد، الفاعل والمفعول به هما واحد، وعندما لا يكون هناك أي تمييز بين الوعي وذاته، يكون الفعل غير فعّالاً. إلا أنه على الفعل أن يكون حاضراً في الفاعل لكي يصبح فعّالاً، لذلك الفعل هو ملازم للفاعل، على الفاعل أن تتضمن في داخلة المقدرة على الفعل كي يصبح فاعلاً، عندما يكون الفعل فعّالاً تكون تعددية الوجود، وعندما يكون الفعل غير فعّال تكون الأحادية.
الذكاء الخلاق:
الفاعل هو الوعي، والفعل هو ذكاء الوعي، وهكذا نقول عندما يكون الوعي واعياً، يصبح الذكاء ذكياً، وهكذا تبدأ عملية الخلق، فيصبح الذكاء خلاقاً. لنصغ الجملة مرة أخرى؛ يصبح الذكاء خلاقاً عندما يكون الوعي واعياً. والوجود كله هو تفاعل الوعي والذكاء معاً. وهكذا وعندما يكون الذكاء غير فعّال، تكون الثنائية في الأحادية. وعندما يكون الذكاء غير فعّال فلا يستطيع أن يميّز بين الوعي وذاته، فيكون الوعي والذكاء وذاته واحداً، وهكذا أيضاً تكون الثلاثية في الأحادية، وبما أن الثلاثية هي الوجود كله، يبقى الوجود كله وبشكل ثابت ودائم وأبدي ضمن نطاق الأحادية. لذلك نستطيع القول: في الأحادية توجد الثنائية دوماً، ومن الأحادية تنبع الثلاثية باستمرار واستمرار.
المفهوم العلمي للخلق:
في علم الفيزياء الحديثة، إن الحقل الموحد هو منبع الطاقة والذكاء والمادة، الطاقة هي التي تدفع المادة، والذكاء هو الذي يعطيها الاتجاه. قبل الظهور كانت الطاقة كامنة في الحقل الموحد، وكان الذكاء غير فعّال، وعندما أصبح الذكاء ذكياً، تفاعل مع الطاقة ما أدى إلى ظهور المادة، عندما يهمد الذكاء تفنى المادة وتصبح الطاقة غير ظاهرة، وعندما يتفاعل الذكاء بالطاقة مرة أخرى، تظهر المادة من جديد، وهكذا تظهر الخليقة كلها، مراراً وتكراراً إلى ما لا نهاية.
المفهوم الديني للخلق:
فلنأخذ وجهة نظر أخرى، ماذا تقول الديانات؟
قبل الخليقة كان الله وحيداً. وفي حقل فردوسه الإلهي هناك عنصران بارزان في رواية التكوين في كتبنا السماوية، آدم وحواء، خلق الله آدم، ومن ضلع آدم خلق الله حواء، وسمح لهما أن يأكلا من كل ثمار الجنة ما عدا شجرة المعرفة، ولكن الحيّة دفعت حواء إلى إغراء آدم وجعلته يأكل من هذه الشجرة. لولا وجود حواء لما كان آدم قد أكل من الشجرة المحرّمة، ولولا وجود الحيّة لما كانت حواء قد دفعت آدم للقيام بهذا العمل. آدم هو الفاعل، وقبل أن يأكل من شجرة المعرفة كان يرمز إلى الوعي غير المتفتّح، الوعي المطلق المجرّد. حواء هي سبب الفعل، حواء هي الذكاء الذي أعطى اتجاهاً للوعي. قبل أن تخلق حواء كانت هامدة بين ضلوع آدم، كما نقول كانت ذكاءً غير فعّال، وعندما خُلقت أصبح الذكاء ذكياً، وبدافع من الحية، حرّكت آدم باتجاه الشجرة المحرّمة كي يعرف ذاته، ويعرف الله الذي خلقه، وهكذا أصبح الوعي واعياً على ذاته.
الخلق في علم الفيدا:
وهناك رواية أخرى في علوم الفيدا لا تقل أهمية عن الرواية السابقة، وعلوم الفيدا هي المصدر الحقيقي للفكر الفلسفي والتراثي والديني والعلمي للحضارات الشرقية الآسيوية كافة. في رواية الفيدا هناك براهمان، الذي هو الوجود كله، الظاهر وغير الظاهر. وتأتي الخليقة كلها نتيجةً لتفاعل براهمان في داخل ذاته من خلال عنصرين أزليين يتضمنا فيه، وهذان العنصران هما بروشا وبراكريتي، بروشا هو المطلق الثابت غير الفاعل وغير المتحرّك ولكنه الشاهد والمشاهد لكل الخليقة، وبراكريتي هي الطبيعة الملازمة لبروشا، وتسمى براكرتي أيضاً بالأم الإلهية، كما تسمى حواء بأم الخليقة.
ظهور العقل :
إضافة إلى العنصر المذكر في آدم أو بروشا، والعنصر المؤنث في حواء أو براكريتي، هناك عنصر ثالث في رواية الخلق، يلعب دور الدافع لتفاعل بروشا وبراكريتي، إنه "مهات" الذي يجعل براكريتي تحوم حول بروشا وتتفاعل به وتسبب بظهور برهمان في الخليقة المادية، مهات هي قوة دفع التطوّر أي قوة العقل الكلي للكون. إنها أعلى مرتبة من مراتب الهيكلية الكونية، والتي بها البداية وفيها النهاية. عندما تهمد براكريتي في بروشا يكون الفناء، ويصبح برهمان غير ظاهر. وبتفاعل براكريتي ببروشا يظهر مهات، العقل الكلي كي يطلق براهمان للظهور. إن مهات هو العقل ظن إنه الفعل الكوني الأول أو نبضة الظهور الأولى أو الكلمة أو اللوجوس.
ظهور الأنا :
وبعد ظهور العقل الكلي وقوته الدافعة أصبح حتمياً متابعة عملية الظهور، بعد أن عاد الوعي إلى ذاته، وجد قوة تدفعه إلى الخارج من جديد، وهكذا تكرر الفعل الأول مرة ثانية، وبذلك أدرك الوعي أنه مدركاً لذاته، وبهذا الإدراك أصبح باستطاعة الوعي أن يميّز ذاته عن الوعي الكلي، وهنا ظهرت الأنا الأولى، أي الشعور بالفردية الأول أو النفس الكونية.
الأنا في الرواية الدينية:
في الرواية الدينية، أدرك آدم وحواء الاختلاف بينهما وسترا عريهما بورق التين. لقد فعلا ذلك لأنهما فقدا الشعور بالأحادية، لقد فقدا الشعور أنهما واحد وأن حواء هي من ضلع آدم، وأصبح لكل واحد منهما فرديته الخاصة وميزاته الخاصة، وبذلك أصبح الواحد يخجل ويخاف من الآخر، وخجلهما وخوفهما هو ما جعل كل منهما يتستر على ذاته.
الأنا في علوم الفيدا:
وفي علوم الفيدا، وبعد تفاعل براكريتي ببروشا بدافع من قوة مهات، يظهر أهمكار، وكلمة أهمكار تعني أيضاً الأنا، ووظيفة الأنا هي تفريق قوة التطور، وإظهار ميزاتها، فتنمو الأنا في كل المخلوقات.
ظهور قوة العقل الغريزي:
وبعد ظهور الأنا، وبعدما أدرك الوعي أنه واعياً على ذاته، ومميّزاً ذاته عن الوعي الكلي، أصبح قادراً على التعرف على كل ما حوله، وبالتالي أصبح قادراً على التفاعل مع كل ما حوله، وهكذا ظهر قوة الغريزة العقلية، وتسمي علوم الفيدا هذه القوة "مناس" إن العقل الغريزي للكون هو المنظّم لكل تفاعلات الخليقة. وكون العقل الغريزي هو المنظم لكل شيء تنبع منه كل الصفات مع أضدادها، منها أنماط العقل وهي: الصفاء والحماس والشك، وصفات الزمان وهي: الماضي والحاضر والمستقبل، وصفات المكان وهي: الأمام والوسط والمؤخرة، وغيرها من صفات الوجود.
تفتح العقل الغريزي عند آدم :
في الرواية الدينية بعد أن خالف آدم وحواء وصية الله غضب منهما وطردهما من الفردوس، وقال لهما عليكما أن تعملا لتحصيل معيشتكما. هذا القول لله يرمز إلى العقل من كونه عقلاً كلياً مجرداً، قبل أن يأكل آدم من الشجرة، إلى عقلاً مدركاً غرائزي، وبدفعٍ من العقل الغريزي أدرك آدم القانون الأول للحياة: "عليكما أن تعملا لتحصيل معيشتكما" وهكذا يكون العقل الكلي قد تحول كي يصبح عقلاً غرائزي مدركاً لجميع قوانين الطبيعة.
طبيعة العقل الكلي:
إن العقل الكلي هو أول ظهور للمطلق في الحقل المادي. وهكذا فهو يعمل ضمن ثلاثية العمل. العقل الكلي هو عقل براهما، وعقل فيشنو وعقل شيفا. وعلى مستوى الفرد للعقل الكلي ثلاثة صفات وهي الصفاء والحماس والشك، وبطبيعته أعتقد العقل أنه هو سيد كل شيء، وبدأ ينسج من ذاته أفكاره، وفقد مرجعيته في الوعي المجرد، وكون العقل ليس كاملاً، من غير الممكن أن يعطي ما هو أكمل منه.
غلطة العقل أو الخطيئة الأصلية:
وهنا نسأل السؤال المهم، لماذا حدث كل ذلك؟ لماذا أخطأ آدم وأكل من الشجرة المحرّمة؟ على من تقع المسؤولية؟ حواء هي التي أغرت آدم كي يأكل من الشجرة، والحيّة هي التي دفعت حواء إلى إغراء آدم، وما كان باستطاعة الحيّة أن تدفع حواء لولا وجود الشجرة المحرّمة، وهذه الشجرة هي من عند الله، إذاً الوصية هي التي أحيت الخطيئة، فبدّلت آدم وحواء من حالة الخلود إلى حالة الموت، هذه هي الخطيئة الأصلية. والوصية هي من عند الله، وكل شيء قد نبع من عند الله، فهل الخطيئة هي من صفات الله؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال علينا أن ننظر مرة أخرى في الطبيعة الإلهية، إن الطبيعة الإلهية هي طبيعة لا محدودة، غير ظاهرة وتشمل كل الظواهر. عندما تكون غير ظاهرة يكون التوازن التام، والتناظر التام، هذا هو الكمال الإلهي، الله هو كامل بشكل تام وبشكل أزلي، ولكن عملية الظهور تتطلب أن يختل هذا التوازن، وأن ينكسر هذا التناظر، ولكن ومع اختلال التوازن وانكسار التناظر يبقى الله كاملاً، لأن الخليقة الظاهرة هي ليست نتيجة لتحول الله من حالة غير ظاهرة إلى حالة ظاهرة، بل هي انعكاس للمقدرة الإلهية في المادة، الخليقة الظاهر هي صورة الله، والله يشمل الخليقة الظاهرة وغير الظاهرة أيضاً، والخليقة الظاهرة هي الدنيا، أي التي هي على المستوى المتدني من الوجود لأنها وجدت بسبب الخطيئة، والخطيئة هي غلطة العقل الذي اعتقد أن باستطاعته أن يدرك كل شيء.
غلطة العقل في العلم:
هذه الخطيئة قد تم اكتشافها في العلوم الحديثة، وهي نظرية انكسار التناظر في علوم الفيزياء، وقد أظهرت هذه النظرية أن سبب الوجود هو انكسار التناظر في الحقل الموحد. ما هي نظرية انكسار التناظر؟ فلنأخذ مثلاً كرة صغير تامة التناظر، أي أن تكون جهاتها كلها متساوية، ولنضعها على الأرض ونعطيها طاقة كي تدور حول نفسها، وبسبب تناظرها التام، سوف تدور الكرة حول نفسها وعلى محورها دون حراك، بشكل دائم أبدي ما دام فيها قوة الدوران. أما إذا كسرنا التناظر، أي أن نجعل ثقباً صغيراً في مكان ما على الكرة، ونضعها على الأرض ونعطيها طاقة كي تدور حول نفسها، وبسبب هذا الثقب الصغير، سوف تدور الكرة حول نفسها ولكنها لن تستطيع أن تدور على محورها بشكل ثابت، بل ستوسع مجال محورها باستمرار، وسوف يتوسع مجال دورانها إلى ما لا نهاية، هكذا وبنفس الطريقة وجد الوجود الذي يتمدّد إلى ما لا نهاية. هذا هو مسبب الخليقة، إنه انكسار التناظر أي غلطة العقل أي الخطيئة الأصلية.
ظهور المادة:
وتتابع نظريات علم الفيزياء أن هذا التفاعل الديناميكي لعملية ظهور الوعي يستمر ويزداد تسارعاً، ويستقر بخمس مستويات تصاعدية من التسارع، تظهر من خلالها العناصر الرئيسة في المادة، ومستويات التسارع هذه، هي :
غرافيتون (المسئول عن قوة الجاذبية، والزمان والمكان).
غرافتينو (يظهر في محتوى نظرية التناظر الفائق).
حقول الطاقة.
حقول المادة.
حقول هيغس المسئول عن انكسار التناظر.
وبمستويات التسارع هذه تظهر عناصر المادة الرئيسية؛ الأثير في الغرافيتون، والهواء في الغرافتينو، والنار في حقول الطاقة، والماء في حقول المادة، والتراب في حقول انكسار التناظر.
الانفجار الكبير:
في هذه المراحل الخمسة تبدأ المادة الملموسة في الظهور. يأتي الصوت من الأثير، واللمس من الهواء والنور من النار، والذوق من الماء والشم من التراب. أما النار فهي المفصل الرئيسي في عملية الخلق، إنها نقطة تحول غير الظاهر إلى ظاهر. مع ظهور النار، أي حقول الطاقة، كان الانفجار الكبير "بيغ بانغ". فالنار هي المرحلة الأولى الملموسة التي بعدها ظهرت الخليقة المادية، لذلك ذكر في التوراة أن الله خلق النور في اليوم الأول، وأيضاً في علوم الفيدا، إن أول كلمة في الكتاب الأول من كتب الفيدا هي "أكني" وتعني النار. وتقول الفيدا أننا ندخل الوجود المادي في هذه الخليقة من باب النار.
عناصر الإحساس:
عندما تظهر المادة يكون العقل متحسساً لها لأنه وجد قبلها، وبما أن المادة تتكون من خمسة عناصر رئيسية فالعقل يتحسسها ويتفاعل معها بخمس قنوات رئيسية. وبتفاعل العقل مع كل من العناصر الخمسة يظهر كل من أعضاء الحواس الخمسة، وأعضاء العمل الخمسة، ووظائف الحواس الخمس. أعضاء الحواس الخمس هي الأذنين والجلد والعينين واللسان والأنف. وأعضاء العمل الخمسة هي الفم واليدين والقدمين والأعضاء التناسلية وأعضاء الإفراز. ووظائف الحواس الخمس هي السمع واللمس والنظر والذوق والشم. وكل من هذه المجموعات الخمس هي مرتبطة مع العناصر الخمسة الرئيسية بالتتالي؛ الأثير والهواء والنار والماء والتراب.
عناصر التكوين:
هكذا نكون قد كشفنا عناصر التكوين الأساسية كما وردت في العلوم الحديثة وفي الكتب الدينية وفي العلوم القديمة وهي:
الوعي المطلق، أو آدم، أو بروشا.
الطبيعة، أو حواء، أو براكريتي.
العقل الكلي أو قوة الدفع التطورية، أو الكلمة، أو مهات.
الأنا أو قوة التمييز، أو أهمكار.
العقل الغريزي أو قوة الإدراك أو مناس.
وظائف الحواس الخمس
أعضاء الحواس الخمس
أعضاء العمل الخمس
عناصر المادة الخمس
اللقاء الكبير:
هكذا نرى التشابه الكبير لمراحل التكوين كما وردت في العلم والدين والفلسفة، وقد تشابهت جميعها بالرغم من التفاوت الكبير في الزمان والمكان، من علوم الفيدا الآسيوية التي يعود تاريخها إلى أكثر من خمسة وعشرين ألف سنة إلى العلوم الحديثة الغربية في عصرنا الحاضر، مروراً بالمعرفة الدينية. وهذا اللقاء الكبير هو المدخل لكشف الحقيقة الأزلية.
زوال الوجود:
كما تكلمنا عن مراحل التكوين يمكننا أيضاً أن نشرح عملية الفناء للوجود، أو ما يعرف باليوم الأخير. كما أن الظهور قد حدث بطرفة عين، كذلك الفناء يكون بطرفة عين. عندما تتحقق غاية الوجود، تكون الرغبة الإلهية قد تحققت بشكل تام. وبذلك يصل الوجود الإلهي إلى اكتماله، ويتوقف التقدم والتمدد للحقل الإلهي في المادة، وفي تلك اللحظة وبعد أن يكون كل شيء قد تم، ينسحب الله من الوجود ويخفي المادة في طيات ذاته ويعود إلى ذاته في حالة الهمود التام، مستريحاً ومتهيئاً كي ينطلق من جديد. إن عملية الفناء هذه هي اليوم الأخير أي يوم القيامة. تتشابه عملية الفناء وعملية الانطلاق الجديد مع ما تشرحه علوم الفيزياء الحديثة عن الثقوب السوداء والسوبر نوفا.
مراحل الفناء:
تتم عملية الفناء بنفس التتابع لعملية الظهور ولكن بطريقة عكسية. ويبدأ الفناء بزوال المادة وتتفكك ذرات الوجود، فتزول العناصر الخمس بدءً بعنصر التراب ويزول معها أعضاء الشم وحواس الشم وكل الروائح، وتجف المياه ويزول معها أعضاء الذوق وحواس الذوق وكل مذاق، وتنطفئ الأنوار ويزول معه أعضاء البصر وحواس البصر وكل الأشكال، وتهدأ الرياح ويزول معها أعضاء اللمس وحواس اللمس وكل ملموس، وأخيراً تزول ظلمات الفضاء وتزول معها أعضاء السمع وحواس السمع وكل الأصوات، ومع زوال العناصر الخمس وآخرها الأصوات تزول الكلمة التي بها بدأ الكون المادي. ولحظة زوال الوجود المادي تنقطع الغريزة وتخضع للأنا الكونية، وتضيع الأنا وتخضع للعقل، ويتوقف العقل ويفنى في النفس الكونية، براكريتي، التي هي في الحضور الإلهي الذي لا يزول، فتهمد النفس في بحر الروح الكونية، بروشا، ويغوص بروشا ومعه براكريتي الهامدة في البحر الإلهي، بحر برهمان غير الظاهر. إن كل هذا الفناء يحدث في برهة الزمن الأخير. لا بل يحدث كل ذلك في لحظة زوال الزمن وكما يقال عندما ينقر الناقور. "فإذا نقر في الناقور، فذلك يوم عسير على الكافرين غير يسير" سورة المدثّر في القرآن الكريم. وأيضاً في الإنجيل: "في لحظة، بل في طرفة عين عندما ينفخ في البوق الأخير". لقد ورد شرح اليوم الأخير بشكل واضح في معظم الديانات القديمة والحديثة، في سورة القيامة في القرآن الكريم: "يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر" أما في الإنجيل في رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتوس في الفصل 15 تحت عنوان قيامة الأموات: "في اليوم الأخير سوف يخضع كل شيء لله، لكي يكون الله هو كل شيء في كل شيء".
المصدر : موقع الحكيم مهاريشي
الدكتور : سليم حداد .
الخلاص الأخير
إلى غاية الغايات قصدي و بغيتي ...
أي إلى المقام الذي تصبح فيه كل الطاقات طاقة واحدة كلّية متحدة تحكم على المقامات الأدنى و الحكم هنا ليس حالة لشخص محدود، بل حالة من حالات الوعي الأحدي الذي يمكن اختباره فرديا فنعرف حقيقة - الحاكم و ما أدراك ما حقيقية الحاكم - بالتجربة الفردية العرفانية، بدون القعود عند الاسم و الرسم و العقيدة و إلا فكيف سنعرف أو نتعرف على اللطيف إلا بمادة من اللطافة، و هل يصح الإله السامي عن الوجود إلا بعبادته محدودا في البداية فينفتح وعينا الخاص على النهاية التي تصبح لا نهاية بمقامِ وعيٍ سامٍ نختبره بعد أن وصلت الطاقة بنا لحد الإمامة بمنزلتنا و كأننا استخدمنا كل الطاقات الدماغية ففهمنا عين المقصود بهذا الوجود المتوسع تشبها بالعقل الأرفع الخالق المخلوق الذي لا زال يخلق عوالمه من خلالنا بسبب تشتت النظر ووجهات النظر في تعريف الحقيقة الواحدة، و التي ما كانت يوما ثنائية و لكنها أصبحت كذلك في عالمنا المسقط الساقط، فهو مسقط لأنه إسقاط لأبعاد لا نهائية فراغية في أبعاد ثلاثية نسبية محدودة معروفة حسيا لنا، و هو ساقط لأنه يسقط وعينا السامي الكلي إلى وعي طفولي مبهم محدود بالحواس فننظر ذواتنا ذواتا أخرى و كأننا لسنا أبناء عالم الكلية و النور بل سقطنا في عالم الأنا و الظلام و الشرور.
لطالما كانت الحقيقة في جهة واحدة اسمها الصراط المستقيم و على الميزان، و لطالما كان و لا زال التوحيد غاية الحياة و فيه سر جمع المتناقضات حيث لا نسكن بالعالم النسبي أي عالمنا الأرضي إلا لكي نرى بالصور البطيئة كيف أن - الضد لا يظهر جماله إلا الضد - .
فبالتوحيد توحد مع الذات و بالتالي تم خلع الصفات فلا جدال و لا نزاع و لا أنا و لا تعددية ذوات ، فهو ظهور قدسي للعقل الندسي يختبره الفرد كمكافأة على خلاصه من شرك الظواهر و البواطن و من لعبة الناطق و الأساس أي من دائرة المادة و الأثير،
فلا احتمال مع التوحيد لمعنيين و لا وجود لمعنى خاص و لا عام فقد ذاب كل شيء في محيط النعمة الإلهية ، هذا من منظار الحقائق التوحيدية .
أما إذا أردنا استخدام مناظير أخرى عقائدية أو فردية ، زمنية أو مكانية فإننا سننظر بعين التعددية لأننا ضللنا الطريق و قست طباعنا و تربع الضد على عرش قلوبنا و لو قليلا، فنرى أننا أصحاب مذاهب و تيارات و من أتباع معلمين و مدارس و جماعات و نرى أن للآخرين مذاهب و أننا من أصحاب الجنة و الباقي كفار و على النار،
هذا الوهم العقائدي سببه الرئيسي هو الجهل بالتجربة التوحيدية العرفانية و التي لا تتم إلا بعقل الإنسان الكلي أي برباط سري من ذلك العقل الخلاق الذي فيه ذاتية فردية و نوره جذوة كامنة في كل ذات، و التي من خلالها أي الواحد في الأعداد التالية يحدث تناغم بين شاكرا التاج و مقام القلب النابض عقلا و قلبا بالحب فيحدث التقاء التوأمين لاختراق دائرة الانفصال و الفرق لتصبح كل الذوات في دائرة أحدي الذات بإلهام ( يحبهم و يحبونه) بعد أن سمعوا النداء لمّا أشار عليهم في قوله ( خرافي تعرفني و هم ليسوا من هذا الزرب ).
هذه الأرض بمثابة حجاب عن الجنة الحقيقية التي هي- الدعوة الهادية المهدية- و التي هي الأنوار التوحيدية الحقيقية، فنحن نعيش على سطح الأرض و نعتقد من خلال قانون الزمن الوهمي أن الجنة مستقبلية فقط و واضح تماما بأن الله موجود دوما معنا و جنته موجودة دوما و لا يجوز الظن أن الجنة موعودة فقط أو معدومة بل هي موجودة من خلال وجود الرب وبما أن الله دائم الوجود فهذا معناه أن جنته موجودة دوما، و ما هي الجنة إلا جنه عرفانية من خلال علوم توحيدية حقيقية يلامس أنوارها الإنسان عندما يدخل إلى المساحة الداخلية فيه و التي هي فيها قمة الحركة و السكون معا ، عندها يستعيد أصله النوراني وهذه هي الجنة الحقيقية أما التي ننتظرها بالمستقبل فهي ليست المقصودة من خلال العلوم التوحيدية من المستوى الخامس الخاص بل هي تطور بالوعي ضمن الزمان و المكان وكما لا تنكرها علوم التوحيد 0
نستطيع أن نرجع لمساحة السلام أو للجذوة النورانية التي بداخل أنفسنا الآن، بهذا السلام ينتفي الزمان والمكان فنسبح في بحر من الفرح و الغبطة و التي من خلالها نعرف ماذا حصل، الآن نحن نعيش هذا السلام فلا وجود لإنسان و لا زمان أومكان، بل يوجد غبطة .... يوجد سلام ......... سلام النفس أعلى و أسمى مقام 0
ابْـقَ بعـيدًا
لا ينبغي لك أبدًا أن تظل هنا طويلاً. كُنْ من البُعد بحيث لا يقدرون أن يجدوك، لا يقدرون أن يدركوك ليشكِّلوك، يقولبوك. كُنْ بعيدًا جدًّا، كالجبال، كالهواء غير الملوث؛ كُنْ من البُعد بحيث لا يبقى لك أهلٌ ولا علاقاتٌ ولا عائلةٌ ولا وطن؛ كُنْ من البُعد بحيث لا تعرف حتى أنت أينك. لا تدعْهم يجدونك؛ لا تحتك بهم احتكاكًا لصيقًا جدًّا. ابْقَ بعيدًا حيث لا تقدر حتى أنت أن تجد نفسك؛ أبْق على مسافة لا يمكن عبورُها أبدًا؛ حافِظْ على ممرٍّ مفتوح دومًا لا يستطيع أحدٌ أن يأتي عبره. لا تغلقْ الباب – إذ لا باب أصلاً، بل ممرٌّ مفتوح لا نهاية له؛ إذا أغلقتَ أيَّ باب سيكونون قريبين جدًّا منك، وإذ ذاك فأنت ضائع. ابْقَ بعيدًا حيث لا تصلك أنفاسُهم – وأنفاسُهم تسافر بعيدًا جدًّا وعميقًا جدًّا؛ لا تدعْ عدواهم تصيبك، عدوى كلامهم، حركاتهم، معرفتهم العظيمة؛ عندهم معرفة عظيمة، لكنْ كُنْ بعيدًا جدًّا عنهم حيث لا تقدر حتى أنت أن تجد نفسك. ذلك أنهم ينتظرونك، عند كلِّ زاوية، في كلِّ بيت، ليشكِّلوك، يقولبوك، يقطِّعوك إربًا، ثم يعيدوا تجميعك على صورتهم. آلهتُهم – الصغيرة والكبيرة – هي صورٌ عن أنفسهم، نَحَتَها ذهنُهم أو نحتتْها أيديهم. إنهما في انتظارك، رجل الدين والشيوعي، المؤمن والملحد، وكلاهما سيان: إنهما يظنان أنهما مختلفان، لكنهما ليسا كذلك، لأن كلاهما يغسل دماغك، حتى تصير منهم، حتى تكرِّر كلماتهم، حتى تتعبَّد لقدِّيسيهم، القدماء منهم والحديثين؛ عندهم جيوش تذود عن آلهتهم وعن أوطانهم، وهم خبراء في القتل. ابْقَ بعيدًا؛ لكنهما في انتظارك، المربِّي ورجل الأعمال: أحدهما يدرِّبك على تطويع الآخرين لمتطلبات مجتمعهم، وهو شيء مميت – عندهم شيء اسمه المجتمع والأسرة: هذان هما إلهاهم الحقيقيان، الشبكة التي ستقع في شِراكها. – سيجعلان منك عالِمًا، مهندسًا، خبيرًا في كلِّ شيء تقريبًا، من الطبخ إلى العَمار إلى الفلسفة. ابْقَ بعيدًا، بعيدًا جدًّا؛ إنهما في انتظارك، السياسي والمصلح: الأول يسحبك إلى الأسفل حتى البالوعة، وعندئذٍ يصلحك الثاني؛ إنهما يتلاعبان بالكلمات، ولسوف تتوه في قَفْرهما. ابْقَ بعيدًا؛ إنهما في انتظارك، الخبير في الله ورامي القنابل: الأول سوف يقنعك والآخر [يدلك] كيف تقتل – وما أكثر الطرق لإيجاد الله، وما أكثر طُرُق القتل، ما أكثرها! ولكن إلى جانب هؤلاء جميعًا، هناك جحافل من الآخرين لتلقينك ما تفعل وما لا تفعل؛ ابْقَ بعيدًا عنهم جميعًا، بعيدًا إلى حدِّ ألا تقدر أن تجد نفسك ولا أحدًا سواك. أنت أيضًا تود أن تلعب مع جميع هؤلاء الذين ينتظرونك، لكن اللعبة تصير حينذاك من التعقيد والتسلية بحيث تضيِّعك. لا ينبغي لك أن تظل هنا طويلاً؛ كُنْ من البُعد بحيث لا تقدر حتى أنت أن تجد نفسك.
ج. كريشنامورتي
وفي الختام
يا أبن النور اتخذ الحياة كما تشاء ، واختر عملك لأن على كل الأنفس أن تعمل. ولا تتخلّ أبداً عن درب النور.
كل خطوة أحرزتها على درب الرقي اللانهائي هي جبل من نور.
وكل خطوة تتخذها إنما تزيد من علو هذا الجبل.
وكل تقدم إنما يظهر بُعد الغاية أكثر، فاسع إلى الحكمة الأزلية دوماً،
ولا تيأس من تحقيقها.
- توقدي أيتها الشعلة المتوهجة في الداخل أكثر فأكثر لتفضي برقع الليل،
ولتنمو النفس في الروح متحررة من سيد الظلام.
ايها الساكن فينا إن لك نورا في قلوبنا فلا تبخل علينا وزدنا
وللمقال بقية
تحياتي لكم