بسم الله الرحمن الرحيم



أمية الرسول ...


ولعل هذا هو الذي جعل الله سبحانه وتعالى يختار رسولا أمياً ليحمله بآخر رسالة من السماء إلى الأرض .. وما هو معنى أمي .. معناه أنه كما ولدته أمه .. لم يأخذ ثقافة من خلق الله مساو له .. لا تثقف على الشرق ولا على الغرب .. ولا قرأ لفيلسوف ولا لصاحب نظرية ..


إذا كان الإنسان في هذه الحالة لم يقرأ لمساو له .. ولم يأخذ من ثقافات الدنيا شيئاً .. يكون كل ما يأتي به معجزاً معجباً .. لأنه من فوق .. من الله سبحانه وتعالى ...

إذن فالأمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم شرف وشهادة .. فهي شرف له .. لأن الذي نزل به القرآن من إعجاز .. قد هز الدنيا كلها .. وشهادة لأنه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه جاء بهذا الكلام من فلاسفة الشرق .. أو فلاسفة الغرب ..

بل هذا الكلام موحي به من الله سبحانه وتعالى .. والقرآن الكريم الذي فيه إعجاز متجدد .. وعطاء مستمر للبشرية كلها حتى يوم القيامة .. إذا جاء على يد رسول أمي فهو شهادة له بأنه منهج السماء . وما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسري على البشر من بعده ... فتلك معجزة تختص بالقرآن الذي تزل على رسول الله ..

أما نحن فقط طلب منا الله سبحانه وتعالى أن نتعلم ونقرأ .. ونتدبر في آيات الله في الأرض .. لماذا ؟

لأن أحداً منا لن ينزل عليه قرآن أو كتاب من السماء .. فقد انتهت الرسالات بنزول القرآن الكريم .. وخاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام .. ولذلك لا يكلفنا الله سبحانه وتعالى بما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم .. بل يطالبنا بأن نقرأ ونتعلم ..

ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل إلى ارتفاعات حضارية .. وكانت له نظريات عقلية وإصلاحات حدث بها الناس .. ليقودوا حركة حياتهم لكان الكافرون قد قالوا أن القرآن الكريم علم بشري .. ولكن الأمية هنا تأكيد لصلة رسول الله بالسماء وأنه ليس للأرض أي دخل في هذا المنهج ..

وأن هذا المنهج ليس من معطيات عقول البشر .. بل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل بعلويته واتصاله بالسماء إلى المنهج الذي يعلم البشر جميعاً .. أما القرآن فيعلم البشرية كلها .. ومن هنا فان كل ما أوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو من الله ..

ما دام الشيطان قد قال لاغوينهم .. فان ذلك يعني إصرارا على المعصية .. وهنا فرق بين معصية ومعصية .. وفرق بين الإصرار على المعصية والندم عليها والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى ذلك ..


المعصية تختلف ..


إذن فمعصيتا آدم وإبليس الاثنتان من خلق الله .. وكلهما عصى .. ولكن المعصية تختلف .. فمعصية آدم غرفت له .. ومعصية ابليس لم تغفر .. ذلك لأن ابليس رد الأمر على الآمر .. ودخل في نفسه الكبر في أمر من أمور الله .. ووضع نفسه ظلماً في وضع مساو لعلم الله سبحانه وتعالى .. فاستحق بذلك أن يطرد من الجنة .. وأن تنزل عليه اللعنة ..


ولكن آدم اعترف بمعصيته .. وقال يا ربي ان كنت قد عصيت فانك أنت الحق .. وقولك الحق .. ولكن نفسي ضعفت ولم تستطع الاحتمال .. وهذا هو الفرق بين المعصيتين ..

فالأولى دخل فيها الكبر .. والثانية دخل فيها الندم .. وكلتاهما آية .. آية ليفهم الناس المعصية التي تغفر .. والمعصية التي لا يغفرها الله .. فإذا عصى الإنسان ... واستكبر وأصر على ما فعل .. ووضع نفسه في وضع مساو لعلم الله .. فأخذ يشرع ويحل ما حرم الله .. واتخذ لنفسه إلها .. فهو بذلك لا يدخل في رحمة الله .. أما إذا ندم على ما فعل .. واعترف بأنه ضعف .. وبأن الله سبحانه وتعالى هو الحق .. وقوله الحق .. فقد دخل في الرحمة والغفران ..

الله سبحانه وتعالى حين خلق آدم .. عرفه بعدوه وهو الشيطان .. ودربه على حياته القادمة في الأرض .. فقال له أن هذا الشيطان عدو لك .. فلا يغوينك .. لماذا ؟

لأن إغواءه لك لا يحمل الحياة الطيبة .. فأنت إذا اتبعته أصبحت شقياً .. سارقاً .. أو قاتلاً .. معتديا على أعراض الناس .. مذموماً من الجميع في الدنيا والآخرة .. ورغم ذلك فإن الله سبحانه وتعالى الذي خلق النفس البشرية عالم بضعفها .. ولذلك فهو يقول :

" وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ( 28 ). " سورة النساء .

والضعف هنا عدم القدرة على اتباع منهج الله .. رغم أن فيه الحياة الطيبة .. ذلك أن الإنسان عجول .. يريد كل شيء .. ويريده في وقت قصير جداً .. ولو أنه صبر لنال ما يريد .. ولو أنه اتبع منهج الله لأوتي أضعاف أضعاف ما سيحصل عليه من المعصية .. ولكنه يريد كل شيء في لحظة .. وهو يريد خلوداً في الأرض .. وما هو بخالد .. ويريد مالا لا يفنى .. والمال صفته الفناء .. أما يفارقك هو .. أو تفارقه أنت .. وكلاهم فناء له لأنك أصبحت عاجزاً عن أن تصل إليه ...

ومن هذه النقطة استطاع الشيطان أن يغري آدم في الجنة .. ويجعله يأكل من الشجرة التي حرمها الله .. والشجرة هنا رمز لكل معصية .. والخلود والمال الذي لا يفني رمز لكل طمع بشري .. ولقد كانت التجربة ليحدث شيئان .. أولهما أن يعلم الإنسان أن ما يعده الشيطان غير صحيح .. بل أحيانا يأتي بعكس ما هو مطلوب منه ..

فالإنسان قد يزين له الشيطان قتل إنسان آخر .. ويقنعه بأنه لن يقع في قبضة العدالة أبداً .. فإذا ارتكب الجريمة كان بعد ساعات في يد العادلة .. لماذا ؟

لأن الشيطان يريد المعصية .. ويريد إهلاك العاصي في نفس الوقت .. ذلك أنه يحس بعداوة رهيبة للإنسان .. فهو يعتقد أن الإنسان كان سبب طرده من الجنة .. وسبب لعنة الله له في الدنيا والآخرة .. كل هذه الأشياء قد خلقت بغضاً رهيباً في الشيطان للإنسان .. ولذلك فهو يغريه ليهلكه .. يزين له أن يفعل .. فإذا فعل يهرب الشطيان بعد أن أوقعه في المعصية ويتركه لأسوأ الجزاء في الدنيا والآخرة .

ولقد كان من رحمة الله سبحانه وتعالى أن أخبرنا بذلك لنتخذ حذرنا .. ونتقي وسوسة الشيطان .. وأعطانا التجربة المادية لآدم .. لنعم أن وسوسة الشيطان وهم من الغرور .. وتزيين للباطل .. وأن الإنسان لن يحصل على شيء من هذا كله .. ولذلك فإن معصية الشيطان تختلف عن النفس الأمارة بالسوء ..فالنفس الأمارة بالسوء إذا أرادت معصية .. أصرت عليها وألحت حتى يقوم صاحبنها بارتكابها .. وهي نفس المعصية .. لا تتغير ولا تتبدل ..

ولكن إغواء الشيطان مختلف عن ذلك .. ذلك أنه يريد المعصية لمجرد المعصية .. فإذا وجد إنساناً قوياً في ناحية من النواحي .. اتجه إلى ناحية ثانية .. لأنه لا يريد هذا اللون من المعصية فقط .. ولكنه يريد المؤمن عاصياً على أي شكل من الأشكال .. فإذا عز عليه باب .. يطرق باباً آخر .. وهكذا يظل يحوم حول النفس المؤمنة إغراء من كل ناحية .. حتى تسقط النفس في معصية من المعاصي .. ولقد كانت رحمة الله بالمؤمن .. أن دله على طرق الشيطان من كل ناحية من النواحي .. ودله على الطريقة التي يقي نفسه بها ..



واللحديث بقية ..


اخوكم / الاثرم