قراءة في كتاب الحكمة

عن موقع منابر
كتاب يبلغ من القِدَم حدًّا يقف علماءُ الآثار أمامه، إن أتيح لهم التمعن في صفحاته مدة لامتناهية، عاجزين على الاتفاق حول طبيعة المادة التي كُتَِب عليها... كتابا هائلا سحرني بلغته وأفكاره ، جذبني بقوة نحوه لا لأن نصوصه تقع في منطقة وسطى بين النثر والشعر ، وحسب ، وإنما لأنها نصوص من الحكمة والفلسفة والرؤى والمشاعر والذكريات والقراءات التي تمتد من الإمبراطوريات الشرقية إلى اليوم.
لقد اكتشفت صوتا جديدا ، صوتا متمردا ، صوتا غريبا في نبرته ، غير مألوف في إيقاعه ، وقد سحرني بقوته التي كنت لاهيا عنها فيما مضى. أدهشني بلغة احتجاجه ، بتفجره ، بمفرداته ومعانيه الجديدة ، أدهشني بلغة انشقاقه التي ترتكز إلى طرائق جديدة في المحاججة العقلية ، لقد اكتشفت نصوصا وجدانية تأملية ساحرة ، وكلاما تحرر نهائيا من كل قيود.
إنه صراخ يقول ولا يقول ، كلام بريء في جمله ، فتاك في معناه ، عاجز عن أداء المعنى ومملوء بكل معنى. كلام يتفجر وجمل تحرق ، كلام يهدر يفترس ويفتت ، تيار جامح ، انقراض وانبعاث ، جمود وحركة ، مسكون وفارغ ، متناقض ومنطقي ، معتم وصاف ، رمل ومطر ، طبيعة وكتاب ، إيقاع مستمر وحركة متقطعة ، تشريح وتطهير نزق ، تبشير بالخروج والانشقاق ، تكامل وتنازع ، فذ باحث عن المعنى ، ورديء بلا معنى ، هجاء يقودك من عبث إلى عبث ، من استلاب إلى استلاب ، قلق عظيم مصنوع من أسئلة وجروح ، مزيج من رؤى وفلسفات ، حركة في العقل وفي الروح ، حركة في الجسد والمخيلة. إنه انطواء هدام وعجز خارق.
كتاب يقال إنه كان ومازال موجود في مكان ما من هذا المسكونة الواسعة. ... كتاب متوفر فقط في نسخة وحيدة... ... مغرق في القدم، كانت صفحاته، ربما، من أوراق النخيل التي عولجت بطريقة أضحت اليوم مجهولة، فأصبحت لا تتأثر بعوامل الماء والهواء والنار... ... على صفحته الأولى رسمٌ لقرص ناصع البياض وسط خلفية سوداء داكنة. يليه، على الصفحة الثانية، نفس القرص، وقد أضحت تتوسَّطه نقطة. يليه على الصفحة الثالثة نفس القرص، وقد تحوَّلت النقطة التي تتوسَّطه إلى خطٍّ أفقي...
يشير الرمز المرسوم في الصفحة الأولى، ربما، من خلال الدائرة الناصعة البياض وخلفيتها، إلى الكون الكامن في قلب الأزل قبل انبثاق الطاقة؛ وحدوده تشير، ربما، إلى حدود معرفتنا. والرسم الذي يلي، قد يشير، من خلال النقطة، إلى تلك النطفة التي لم تتمايز بعد، فتتحول من بعدُ إلى خليقة، أضحتْ ممثَّلة رمزًا، من خلال الرسم الثالث، بخطٍّ أفقي، يمثِّل كوننا المنبثق من العدم.
فهو، في حديثه عن نشأة الإنسان، يحدِّثنا عن تطور وارتقاء أشكال الحياة الأخرى التي رافقتْ تطوره، من إنسانية أولى خرجت من المياه وقَضَتْ؛ إلى تلك الثانية التي كانت ثنائية الجنس، كما يقول الكتاب التيبتي؛ فتلك الثالثة التي ولدت من "العَرَق"، فتمايزتْ من حيث الجنس وتطورت، فولدت تلك الرابعة التي ملكت العقل والنطق.
كتاب غريب من حيث تعبيراته ومعانيه، مثله في ذلك كمثل سائر كتب الحكمة القديمة وسر غرابته انه غير متوفر إلا لمن أراد إن ينضم إلي رحلة البحث عن الحقيقة ويصل إلي مدينة التوحيد .
غيب الغيب أو... ما قبل الخليقة
يقول الكتاب:
1. كانت الوالدة الأزلية، متسربلةً بأثوابها المستترة أبدًا، قد هجعت من جديد لسبع أبديات.
2. الزمن لم يكن؛ إذ إنه كان يرقد هاجعًا في الحضن اللانهائي للدهر.
3. العقل الكلِّي لم يكن؛ إذ لم تكن كائنات سماوية موجودة لتحتويه.
4. الطرق السبعة إلى الغبطة لم تكن. وعللُ الشقاء العظيمة لم تكن؛ إذ إنه لم يكن من أحد يتسبَّب فيها أو يقع في حبائلها.
5. وحدها كانت الظلمة تملأ الكلَّ غير المحدود، لأن الأب والأم والابن عادوا واحدًا، والابن لم يكن قد استيقظ بعد من أجل العجلة الجديدة ومن أجل رحلته فيها.
6. والأرباب السبعة الأجلاء والحقائق السبعة كانت قد انعدمت [كفَّتْ عن الوجود]، والكون – ابن الضرورة – كان غارقًا في الغبطة العليا، لكي يختنق بما كان، ومع ذلك لم يكن. وكان العدم.
7. وعلل الوجود كانت قد أُزيلت؛ والظاهر الذي كان، والمستتر الكائن، كانا راقدين في اللاوجود الأزلي – الوجود الأحد.
8. وحده شكل الوجود الواحد كان منبسطًا بلا حدود، لانهائيًّا، بلا علَّة، غارقًا في نوم بلا أحلام؛ وكانت الحياة تنبض غير واعية في الفضاء الكلِّي، عبر ذلك الحضور الكلِّي الذي تدركه العينُ المنفتحة للنفس المطهَّرة.
9. ولكن، أين كانت النفس المطهَّرة حين كانت النفس الكلِّية المحيطة بالكون في الحق المطلق وكانت العجلة الكبرى بلا والدة؟
أين كان؟!...
حيث يتابع الكتاب متسائلاً:
1. [...] أين كان البُناة، أين كان الأبناء النيِّرون للفجر الكَوْري؟ [كانوا] في الظلمة المجهولة لغبطتهم السماوية العليا. أما صانعو الشكل من اللاشكل – أصل العالم – أمِّ الآلهة والجوهر الأم، فكانوا راقدين في غبطة اللاوجود.
2. [...] أين كان الصمت؟ أين كانت الآذان الحاسَّة به؟ لا، لم يكن صمت ثمة ولا صوت؛ لا شيء إلا النَّفَس الأزلي المتواصل، الذي لا يعرف نفسه.
3. لم تكن الساعة قد حانت بعد؛ والشعاع لم يكن قد وَمَضَ بعدُ في البذرة؛ ولم تكن السِّدرة–الأم قد حبلت بعد.
4. لم يكن قلبُها قد انفتح بعدُ لكي يلجه الشعاع، فيسقط بذلك، كما الثلاثة في الأربعة، في حضن الوهم.
5. لم يكن الأبناء السبعة قد ولدوا بعدُ من نسيج النور. وحدها الظلمة كانت الأب–الأم، الجوهر–الأصل؛ والجوهر–الأصل كان في الظلمة.
6. هذان الاثنان هما البذرة، والبذرة واحدة. والكون كان ما يزال مستترًا في الفكرة الإلهية والرحم الإلهي. [...]
لسنا ندري! وقطعًا، لن يكون في وسعنا أن ندري!
ومع هذا، نثابر في محاولتنا لفهم الأمور. وأداتنا الآن هي كتاب الحكمة:
فـ"الوالدة الأزلية"، التي هي المسبِّب والأصل، قد تكون هي المادة البدئية؛ تلك التي كان يدعوها الهندوس بـمولابراكريتي Mulaprakriti. وذلك الغيب المتجدد، ذلك العدم المطلق الذي عاد المسبِّب والأصل إليه لسبع أبديات، قد يكون، انطلاقًا من الميثولوجيا الهندوسية نفسها، ذلك العصر الكبير الذي يدعوه الهندوس بـ"المنفنترا" Manvantara، الذي مدته 910311040 سنة، أو لنقل مئة من "سني براهما"؛ ما قد يعني اللانهاية، حيث لم يكن يوجد أي زمان.
فالزمان، كما سبق وأشرنا، قد لا يكون سوى حالة من حالات وعينا، بين ماضٍ انقضى ومستقبل نحلم به، وحيث الحاضر، الذي هو الغالب فعلاً، لا وجود له في الواقع. فالوجود الكلِّي، الذي هو الوعي الكلِّي، كان غائبًا آنذاك في ذلك العدم، قبل أن يعاود الظهور من جديد حين تأزف ساعته، أي حين يعود فيغدو "ضرورة" من جديد.
لأن العدم المطلق – ذلك الغيب الذي ليس في وسعنا التعريف به، ذلك النَّفَس الأزلي المتواصل الذي لا يعرف نفسه – كان، كما جاء في الكتاب، راقدًا في غبطة اللاوجود. ولكن...
هل ما يقصده كتاب الحكمة، حين يتكلم على ذلك النَّفَس الأزلي غير الواعي لذاته، هو ما ندعوه في لغاتنا الحديثة بـ"اللاوعي"؟
ونستذكر هنا ما قاله هيغل ذات يوم، متفكرًا في معضلة الحقيقة، أنه ما كان في وسع ما ندعوه باللاوعي أن يفعل ما فعل، أن يقوم بتلك المهمة العظمى، لو لم تكن غايته هي الوجود في حدِّ ذاته ولذاته. فإذا كان الوعي هو الغاية، عندئذٍ يكون ذاك الذي ندعوه "لاوعيًا مطلقًا" هو نفسه "مطلق الوعي".
لعلنا نعرِّف الماء بعد وصفه بالماء – ربما. ولكن، مع ذلك...
تبقى تلك الحقيقة المتمثلة بالوجود. ويبقى كلُّ ما سواها متجاوزًا فهمنا. حيث ليس في وسع المحدود، قطعًا، استيعاب ما لا حدود له بوسائطه العقلية، مهما بلغت. ولكن...
ربما تبقى إمكانية التواصل. والتواصل، كما نعلم، هو حالة صوفية!
ونتابع، من خلال ذلك السِّفر، في حال هي في الحقيقة حال تواصل مع الرب، على الرغم مما قد تعكسه من عقلانية. وعقلانيته، ربما، هي التي وصفت الكون–الخليقة بـ"ابن الضرورة"؛ أي بتلك الحتمية التي كانت تنتظر ساعتها في قلب الكمون، بالبذرة المستورة في رحم الفكرة الإلهية.
الانفطار البدئي أو... الخليقة (الانفجار العظيم)
ويتابع الكتاب قائلاً:
1. [...] ويرتعش الاهتزاز الأخير للأبدية السابعة عبر اللاتناهي. وتنتفخ الأم، منبسطة من الداخل إلى الخارج، مثل برعم السِّدرة.
2. ويجتاح الاهتزاز كلَّ شيء، لامسًا بجناحه السريع الكونَ كلَّه والبذرةَ القابعة في الظلمة: الظلمة التي تتنفَّس فوق المياه الغافية للحياة. [...]
3. وتشع الظلمة نورًا، ويلقي النورُ بشعاع وحيد في الغور–الأم. ويخترق الشعاعُ البيضةَ البكر. ويجعل الشعاع البيضة الأزلية ترتعش، وتنبذ البذرةَ غير الأزلية، التي تتكثَّف مكوِّنةً بيضة العالم.
4. ثم تسقط الثلاثة في الأربعة. وتصير الماهية المشعة سبعةً في الداخل، وسبعة في الخارج. والبيضة المنيرة، التي هي ثلاثة في ذاتها، تتخثَّر، وتنتشر خثراتٌ في بياض اللبن عبر أغوار الأم، الجذر النامي في أعماق محيط الحياة.
5. ويبقى الجذر، والنور يبقى، والخثرات تبقى، ومع ذلك يبقى أب–أم الآلهة واحدًا.
6. وكان أصل الحياة في كلِّ قطرة من محيط الخلود، والمحيط كان نورًا مشعًّا، كان نارًا وحرارة وحركة. ثم تلاشت الظلمة ولم تعد موجودة؛ وتوارتْ في ماهيتها عينها، جسم النار والماء، أو الأب والأم.
7. فتأمَّل، أيها المريد، ابنَ الاثنين المشع، المجدَ السَّنيَّ الذي لا نظير له: الفضاء المشرق، ابن الفضاء المظلم، الطالع من أعماق المياه المظلمة العظيمة. إنه أب–أم الآلهة الصغرى، الـ***. إنه يتلألأ كالشمس؛ إنه تنين الحكمة الإلهي الوهَّاج؛ الواحد أربعة، والأربعة تتخذ لنفسها الثلاثة، والاتحاد يلد السبعة، وفيها السبعة التي تصير ثلاثين (أو الجحافل والآلاف المؤلَّفة). تأمَّلْ فيه يرفع الحجاب، وينشره من الشرق إلى الغرب. إنه يحجب الأعلى، ويترك الأسفل ظاهرًا بوصفه الوهم الأكبر. وهو يحدِّد مواقع الكائنات البهية، ويحوِّل الأعلى إلى بحر من نار لا ساحل له، ويحوِّل الجزء المتجلِّي إلى مياه عظيمة.
8. أين كانت البذرة وأين أمست الظلمة الآن؟ أين روح اللهب المتقد في مصباحك، يا أيها المريد؟ إنما ذاك هو البذرة، وذاك هو النور، الابن الأبيض الساطع للأب الأسود المستتر.
9. النور هو اللهب البارد، واللهب هو النار، والنار تولِّد الحرارة، التي تستحيل ماءً: ماء الحياة في الأم الكبرى.
10. ويحوك الأب–الأم نسيجًا يتَّصل طرفُه الأعلى بالروح – نور الظلمة الواحدة – وطرفه الأسفل بنهايتها الظليلة، المادة؛ وهذا النسيج هو الكون المحوك، من الجوهرين اللذين صارا جوهرًا واحدًا، هو الجوهر–الأم.
11. إنه ينبسط حين يعتليه نَفَسُ النار؛ وينقبض حين يلامِسَه نَفَسُ الأم. وحينئذٍ ينفصل الأبناء ويتباعدون، ليعودوا إلى رحم أمِّهم في نهاية "اليوم العظيم"، ويصيروا واحدًا وإياها من جديد؛ فحين يبترد، يصير مشعًّا، وينبسط الأبناء وينقبضون عبر ذواتهم وقلوبهم، فيعانقون اللانهاية.
12. وعندئذٍ يبعث الجوهر–الأم بالدوامة النارية لتُصلِّب الذرات – وكلٌّ منها جزء من النسيج. وإذ تعكس – كالمرآة – "الربَّ الواجب الوجود بذاته"، فإن كلاً منها يصبح بدوره عالَمًا.
نسجل، من خلال هذا الكتاب، ذلك التصور الرائع للمسيرة الأزلية للواحد الأحد، بين ما يُفترَض أنه حالات يتناوب من خلالها اللاوجود والوجود: حيث حالات اللاوجود هي ما يدعونه بـ"ليالي براهما" – تلك "الليالي" حيث يرقد الكمون الإلهي. وأيضًا...
من هذا اللاوجود، من تلك الظلمة اللامتناهية التي يعبَّر عنها أيضًا، كما في كتب حكمة قديمة أخرى، بـ"المياه النائمة"، كانت البداية.
وتلك البداية، كما يصوِّرها سِفْرُنا، كانت تلاقح النور، الذي هو "الفكرة الإلهية" التي وصفها إنجيل يوحنا بـ"الكلمة"، مع ذلك الكمون الذي أضحى "البيضة البكر". ونسجِّل هاهنا أن هذه التصورات والتعبيرات عينها تتكرَّر في الكتب المقدسة للشعوب الأخرى. ونسجل أيضًا أن هذا التصور قد يكون، على صعيد ماديتنا، شكلاً من الانفطار البدئي أو الـBig Bang، كما قد يكون ذلك العدم أو اللاوجود الذي سبقه شكلاً من الثقوب السوداء.
أما وقد بدأت الخليقة فإن ما تورِدُه السُّوَر حول "سقوط الثلاثة في الأربعة" إنما هو تعبير عن سقوط الروح في المادة، إن لم نقل اختراق ذلك النور (الذي هو الروح الإلهية) لخليقتها المتجسِّمة. فالثلاثة، بحسب جميع كتب الحكمة القديمة (ومن ضمنها كتابنا التيبتي)، هي التعبير الرمزي العددي للروح؛ كما أن الأربعة هي التعبير عن المادة. ومجموعهما هو ذلك العدد السابع الصحيح والمقدس عند الأقدمين (3 + 4 = 7).
وكان تطور الخليقة التي تكاثرت فأضحت عددًا (أو ثلاثين كما عبَّرت السُّوَر)؛ وكانت بداية تشكُّل الكون من خلال تلك الصورة الشاعرية التي عرضناها هي عينها ما تعبِّر عنه لغتُنا العلمية القاسية والجافة، حين تتحدث عن دقائق الكون الأولى. تلك الخليقة التي، بحسب كتاب الحكمة التيبتي، تعكس، كالمرآة، ذلك "الرب الواجب الوجود بذاته". ونتابع محاولتنا الساذجة لربط العلم بالأسطورة...
وتستمر الخليقة، كما نتلمَّسها، من خلال علومنا، فيستمر كونُنا في التمدد، وتنقضي مليارات السنين، حيث...
تقول علومنا إنه قبل حوالى خمسة مليارات سنة من الآن، تشكَّلتْ مجموعتُنا الشمسية. وكانت الأرض ما تزال – وقد انقضى مليار سنة على تشكُّل الشمس – قد ابتردت إلى حدٍّ كبير؛ ولكنها لم تكن بعدُ قد أضحت صالحة لاحتضان أيِّ شكل من أشكال الحياة. ولكن، وسط تلك المحيطات من الحمم التي كانت تتفاعل على سطحها، بدأت تتشكل أولى القارات. وكانت الحمم الآخذة بالتجمد تبث كميات هائلة من الغازات التي كانت تشكِّل الغلاف الجوي للأرض آنذاك – ذلك المزيج الكثيف من الهدروجين والميتان والنشادر والماء وغاز الفحم.
وعلى الرغم من هذا، مع استمرار التبرُّد، كان تكثُّف الماء في قلب الغلاف الجوي. وكانت أمطار هائلة أدت إلى تشكُّل تلك المحيطات التي أضحت تغطِّي ثلاثة أرباع سطح كوكبنا – كوكبنا الذي كانت أجواؤه وجزيئاته تتعرض لذلك القذف الهائل من الأشعة فوق البنفسجية التي كانت تبثُّها الشمس. وأيضًا، كانت تتعرَّض لتلك البروق والرعود المرعبة. فكانت سلاسل من التفاعلات لا نهاية لها. وكان تشكُّل أولى المواد الأولية وأولى الحموض الأمينية – تلك الأشكال البدائية من الحياة التي أوصلتْنا من خلال تطورها إلى...
نشأة الإنسان
2. وقالت الأرض: "أيا ربَّ الوجه المشعِّ؛ بيتي خاوٍ. [...] فأرسل أبناء السبعة ليعمروا هذه العجلة. لقد أرسلتَ أبناءك السبعة إلى ربِّ الحكمة. سبع مرات رآك تتقرَّب إليه، وسبع مرات أُخَر شَعَرَ بك. لقد حرَّمتَ على عبادك – الحلقات الصغرى – التقاطَ نورك وحرارتك، واستقبالَ رحمتك الواسعة وهي في طريقها. فابعث الآن إلى أَمَتِك مثل ذلك."
3. فقال ربُّ الوجه المشع: "سأبعث إليكِ بالنار ساعة يبدأ عملُكِ. ارفعي صوتك إلى عوالم أخرى؛ التمسي من والدك – ربِّ السِّدرة – أبناءه. [...] سيكون شعبك تحت حُكْم الآباء؛ وسيكون بَشَرُك مائتين. أما بَشَرُ ربِّ الحكمة – لا أبناء القمر – فخالدون. كفِّي عن الشكوى. فجلودك السبعة مازالت عليكِ. [...] مازلتِ غير مستعدة؛ وبَشَرُك غير مستعدين."
4. بعد ثلاث مخضات عظيمة رَمَتِ [الأرض] عنها [جلودها] الثلاثة القديمة ولبست سبعة جلود جديدة، ثم استوت في [جلدها] الأول.
5. ودارت العجلة ثلاثين كورًا أُخَر. وبنت أشكالاًً: حجارة طرية قَسَت، ونباتات قاسية طريت. [بَنَتِ] الظاهر من الباطن، حشراتٍ وحُيَيْوينات. وكلما اجتاحت [هذه] الأمَّ نفضتْها عن ظهرها. [...] وبعد ثلاثين كورًا استدارت. استلقتْ على ظهرها؛ على جنبها. [...] وما كانت لتدعو أبناء السماء، وما كانت لتسأل أيًّا من أبناء الحكمة. صوَّرتْ من رحمها هي. ولفظت بشرًا مائيين، رهيبين، أشرارًا.
تعليق......
الحق أقول، أيها الإخوة، أني في كلِّ مرة أقرأ كتاب الحكمة القديمة، أقف مذهولاً أمام حقيقة جديدة لم أكن متنبهًا إليها من قبل. وأتأمل في هذا النص الذي يقدِّمه لنا هذا الكتاب ، بلغته الشاعرية وتعبيراته الغامضة، عن نشوء الحياة.
وما لفت انتباهي هنا، وأنا أقرأ هذا الكتاب للمرة الأخيرة عند كتابتي لهذه التأملات، أنه، قبل آلاف السنين من الآن، في عصور نَصِفُها اليوم بالـ"همجية"، كان بشرٌ يتحدثون، من خلال وصفهم لتلك الـ"الحجارة [الـ]ـطرية [التي] قَسَتْ، و[الـ]ـنباتات [الـ]ـقاسية [التي] طريت، [وذلك] الظاهر [الذي بُنِيَ] من الباطن، [فأنجب تلك الـ]ـحشرات و[الـ]ـحييوينات، [التي] كلما اجتاحت هذه الأم [ويقصد الأرض] نفضتْها عن ظهرها..." – [يتحدثون] عن شكل معين من التطور الذي لم تدركه علومنا حتى ما قبل 150 سنة. كانوا يتحدثون – بلغة قد تكون أدق من لغتنا العلمية المعاصرة – عن نشوء الحياة من قلب الجماد.
ونعود إلى كتابنا لنتابع أسطورة نشأة وتطور الإنسان من خلال هذه المقتطفات...
مقتطفات من كتاب الحكمة
10. وعندما قُضِيَ عليهم، أمستِ الأرض–الأم عارية. وطلبتْ أن تُجَفَّف.
11. وجاء ربُّ الأرباب. فَصَلَ المياه عن جسم [الأرض]، فكانت السماء من فوق، السماء الأولى.
19. وكانت الذرية الثانية هي الثمرة بالبرعمة والانبساط، [الذرية] اللاجنسية من التي لا جنس لها. كذا، أيها المريد، وُلدت الذرية الثانية.
21. وعندما شاخت الذرية، امتزجت المياهُ القديمة بالمياه الحديثة. وعندما تعكَّرتْ قطراتُها، تلاشتْ وتوارتْ في التيار الجديد، تيارِ الحياة الساخن. وصار ظاهر الأولى باطن الثانية. وأضحى الجناحُ القديم الظلَّ الجديد، وظلَّ الجناح.
22. عندئذٍ طوَّرتْ [الذرية] الثانية المولودين من البيضة: [الذرية] الثالثة. ونَضَحَ العَرَقُ، ونَمَتْ قطراتُه، وتصلَّبتُ القطرات واستدارت. أدفأتْها الشمس؛ والقمر برَّدها وشكَّلها؛ وغذَّتْها الريحُ حتى أينعتْ. وظلَّلتْ البجعةُ البيضاء [الآتية] من القبة النجمية القطرةَ الكبيرة – بيضةَ الذرية الآتية، الإنسانَ–البجعةَ من [الذرية] الثالثة المتأخرة: ذكر–أنثى أولاً، ثم رجل وامرأة.
27. وأمست الذرية الثالثة مركبةَ أرباب الحكمة. وخلقتْ "أبناءَ الإرادة واليوغا". بالقدرة السحرية خلقتْهم، الآباءَ القدُّوسين، أجدادَ الكُمَّل.
28. ومن قطرات العَرَق، من بقايا الجوهر – المادةِ [المستخلَصة] من الأجسام الميتة للبشر والحيوان من العجلة السابقة – ومن التراب المهمَل، وُلدت الحيوانات الأولى.
29. حيوانات ذوات عظام، تنانين الأغوار، وأفاعٍ طائرة أضيفت إلى الزواحف. والزواحف على الأرض نَبَتَتْ لها أجنحة؛ والمائيات ذوات الأعناق الطويلة أمست والدة طيور الجو.
30. وإبان الذرية الثالثة، نَمَتِ الحيوانات عديمات العظام وتغيرت: صارت حيوانات ذوات عظام، وتصلَّبتْ ظلالُها.
31. وانفصلت الحيوانات أولاً. وجعلت تتكاثر. وانفصل الإنسان المزدوج أيضًا. قال: "فلنتكاثر مثلها؛ فلنتجامَع وننسل مخلوقات." وهكذا كان.
35. عندئذٍ صار البشر أجمعين موهوبين عقلاً. وأدركوا خطيئة عديمي العقل.
36. وأصبحت الذرية الرابعة ناطقة.
37. وصار الواحد اثنين؛ وكذلك الأحياء والزواحف التي كانت ما تزال "أحدية" [خنثى] كلُّها، أسماكًا طائرة وأفاعيَ قوقعية الرأس عملاقة، [صارتْ اثنينية].
38. هكذا، مثنى مثنى، في المناطق السبع، وَلَدتْ الذريةُ الثالثة بَشَرَ الذرية الرابعة؛ وأمسى الآلهةُ غير إلهيين، والأرباب عديمي الربوبية.
يقول تِلار دُهْ شاردان، متكلمًا على نشأة الإنسان وارتقائه:
أصحاب المذاهب الروحانية على حق عندما يدافعون بشدة عن تعالي transcendance الإنسان عن الطبيعة بأسرها. ولا يخطئ الماديون عندما يقولون إن الإنسان هو درجة أبعد في سلسلة الأشكال الحيوانية. وفي هذه الحالة، كما في حالات عديدة، يُحَلُّ التناقضُ بين المنطقين المتناقضين من خلال مراعاة ذلك الجانب الأساسي الذي يقول إن تبدلاً جوهريًّا قد حصل. فمن الخلية إلى الحيوان المفكر، ومن الذرة atome إلى الخلية، تستمر العملية نفسها والتركيز النفسي نفسه في الاتجاه نفسه؛ مما يؤدي، بسبب استمرارية العملية من وجهة نظر الفيزياء، إلى حدوث قفزات نوعية معينه، تبدو وكأنها فجائية، تكون نتيجتها حصول تحول في الموضوع.
... وفي الحقيقة، فإن التحول الذي قاد الإنسان في النهاية كان، من وجهة نظر عضوية، يعتمد على تطور يؤدي إلى دماغ أفضل.
ويتابع تِلار دو شاردان قائلاً:
... لقد أتى الإنسان إلى العالم في صمت. ولكنه في الواقع سار بنعومة شديدة، كما تبيِّن لنا تلك الأدوات الحجرية التي نلقاها من آثاره على امتداد العالم القديم، بدءًا من رأس الرجاء الصالح وحتى جدار بكين... وقد عاش كمجموعات وامتدت طفولته آلاف مؤلَّفة من السنين.
وأتفكَّر أن هذا الكتاب المغرق في القدم، الذي عمره آلاف السنين، قد كُتِبَ في عصر كانت تسوده الجهالة والظلامية المطلقة، كما تفترض نظرياتنا المعاصرة! ونتفكر أن هذا الكتاب، كما رأينا، إنما يدلِّل على مستوى رفيع جدًّا من المعرفة والإحساس الشاعري، مما يتعارض قطعًا مع ما نفترضه لإنسانيتنا الغابرة من همجية. فمن أين أتت هذه المعرفة؟
وكتاب الحكمة يحدثنا، من خلال عرضه لنشأة الإنسان، عن تصور طريف لبشرية "مَضَتْ"، نورده هاهنا، وقد شارفنا على...
النهاية...
40. إذ ذاك تطاولتْ [الذرية] الرابعة غرورًا. وقيل: "نحن الملوك، نحن الآلهة."
41. واتخذوا نساءً حسنات المرأى. زوجات من عديمي العقل، ضيِّقي الرأس. ونسلوا مُسوخًا: شياطين شريرة، ذكورًا وإناثًا، وكذلك أبالسة، إناثًا ناقصات العقل.
42. وابتنوا هياكل للجسم البشري. وتعبَّدوا للرجال وللنساء. عندئذٍ كفَّتِ العين الثالثة عن العمل.
43. وبنوا مدنًا ضخمة. بنوها [مستعملين] طينات ومعادن نادرة، ومن النيران المتقيَّأة ومن حجر الجبال الأبيض والحجر الأسود، نحتوا صورَهم على مقاسهم وصورتهم، وتعبَّدوا لها.
44. بنوا أصنامًا عظيمة بارتفاع تسعة ياتي [ثمانية أمتار]، بطول أجسامهم. كانت نيران باطنة قد أبادت أرض آبائهم. والمياهُ هدَّدت [الذرية] الرابعة.
45. وجاءت المياه العظيمة الأولى. وابتلعت الجزر السبع العظيمة.
46. ونجا القديسون، بينما هَلَكَ غير القديسين – ومعهم [هلكتْ] غالبية الحيوانات الضخمة، التي وُلدت من عَرَق الأرض.
48. وبقيت [الذرية] الخامسة المولودة من السلالة المقدسة؛ وحَكَمَها الملوك الإلهيون الأوائل.
49. [الأفاعي] الذين عاودوا النزول، وسالَموا [الذرية] الخامسة، وعلَّموها وثقَّفوها. [...]