أعزائي الكرام.
إن قضية النشور يا أعزائي هي قضية حساسة جداً لا أرغب بطرحها على إسلوب البيان, وإن رغبت بطرحها فإني أطرحها بإسلوب الرأي الشخصي البحت الذي لا ألزمه لأي أحد, أؤمن أنا به وأدعوه لنفسي ولا أفرضه على أحد, مثله مثل موضوع الصلاة, والتي هي علاقة الإنسان الفرد بربه.
إنطلاقاً من الإيمان بأن الله تعالى في القرآن دقيق العبارات ولا يستخدم كلمتان في ذات المعنى أبداً إلا إذا كانت كلمات معطوفة على بعضها ومع ذلك فإن كل كلمة تحاول أن تخصص بعض الزوايا المحيطة بالكل الكامل.
وإذا حاولنا النظر في الآيات التي تتكلم عن النشور فنجد أن الله تعالى يقول :
(ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ )80/21-22
إن قضية النشر عائدة لله تعالى وهي حالة لا تأتي إلا لسبب معين وأهم هذه الأسباب هي:
1.الفترة الزمنية التي تعيشها النفس في الجسد.
2. علاقة النفس بالمحيط, وعلاقة المحيط بها.
3. كون النفس حرة أم مقيدة.
4. إضطراب الجسد مما يؤثر على النفس.
5. إضراب العقل مما يؤثر على القرار.
6. وصول البلاغ للنفس أثناء حياتها في عالم التوبة.
هذا يعني أنها حق عليها العذاب أو العكس فيقول الله تعالى في هذا الصدد :
(فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله ويحسبون انهم مهتدون ) 7 – 30
فمن هم الذين حق عليهم الضلالة, هل هم الأطفال الذين قتلوا أو ماتوا وهم ضعفاء وقبل سن الرشد ؟ أم هم الضعفاء الذين لا يملكون قرارهم, أم هم مريضوا العقل والجسد, أم هم ممن لم يسمع بكلام الله بعد ولم تأتيه الرسالة بعد ولم يسمع بها ابداًً ؟
(واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )17/16
فماذا عن الأطفال الذين يسكنون هذه القرية ما مصيرهم ؟ ولماذا حق عليهم الدمار بذنوب أبائهم ؟
(وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ان الله يفعل ما يشاء )22/18
(ووصينا الانسان بوالديه احسانا حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة قال رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه واصلح لي في ذريتي اني تبت اليك واني من المسلمين )46/15
من هذه الآية نجد أن الله يخصص للإنسان فترة نموه الفكري كما يعتقد البعض, ولكن ماذا عن الأطفال الذين يموتون كل يوم من كوارث اللإنسان من قتل وتدمير وحروب ومن الكوارث الطبيعية التي يوقعها الله بالبشر من زلازل وإعصارات, فماذا عن الأطفال الذين لم يبلغوا سن الرشد هذا ... ؟ أم أن الجميع سيمرون تحت ذات المظلة ؟؟؟
الله تعالى في القرآن الكريم لم يذكر أبداً أنه عادل, علماً أن السلف قد قالوا أن واحداً من أسماء الله الحسنى بأنه عادل, فأين العدل في كل هذا :
الإنسان الملون الأسود والأصفر والأحمر والأسمر والأبيض وإختلاف الألوان هل هذا عدل عندما يبدأ الإنسان بظلم نفسه من اجل لون بشرته :
(ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور )35-28
(يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير )49/13
حتى أن الإنثى والذكر في بعض البلدان يعاملون معاملة البهائم ومعاملة الدون فأين العدل في هذا ؟
وهناك الأعرج والأكتع والأعمى فهل يستوي الأعمى مع البصير والله يعلم أنهم لا يستوون؟
وهناك الأبله والذكي والمعتوه والعبقري, فهل هناك عدل في هذا ؟
وهناك الأبن اليتيم, والإبن المحروم من العطف والإبن الذي يولد وفي فمه معلقة من ذهب وهناك الفقير, وهناك من يولد وهو مريض بمرض خبيث وهناك من هو إبن زنى فما ذنبه هو إن أخطأت أمه وأبيه وهناك من يولد في أثناء المجاعات الكبرى.
أين العدل والله لم يقل ولو مرة واحدة في القرآن أن الله عادل فمن أين قيل عن الله انه عادل وما هو مصدرهم ؟
قال الله تعالى :
(ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما )4/40
إن الله لا يظلم أحد إختار هذا الإنسان مصيره ولم يظلمه الله ولكنه هو الذي ظلم نفسه فحق عليه العذاب, ولكي نفهم كيف ظلم الإنسان نفسه قبل أن يولد يجب عليكم أن تقرأوا كتاب (عالم التوبة) حتى تفهموا هذا الموضوع :
(فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون )9/70
(ولو ان لكل نفس ظلمت ما في الارض لافتدت به واسروا الندامة لما راوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون )10/54
(فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فارسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون )7/162
فكيف يقضى بين الناس (بالقسط) والعذاب يأتي على الجميع الصغير والكبير ؟
والكافرون بما أنهم لا يروا عدل الله فيزيدهم هذا كفراً فيكفروا بالنشور أي بعودة من لم تكتمل عليهم وتحق عليهم كلمته فإنهم يؤمنون بأن هي حياة واحدة وان كل من يموت لا يعود فيحيى حياة جديدة, ونشر جديد فيقولون :
(ان هي الا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين )44/35
هل هذا يعني أن هناك موت ثاني وربما أكثر !
وبعضهم يتخذ بعض الألهة التي تؤمن بالنشور ولكنهم لا يؤمنون بالله تعالى خالقهم الأول:
(ام اتخذوا الهة من الارض هم ينشرون ) 21/21
قد نفهم هذه الآية بأكثر من معنى :
1. الألهة التي يتخذها الإنسان (من الأرض... من الخلق... مما خلق الله...) وهذه الألهة هي التي تنشر الناس أي تعيد خلقهم من جديد, يؤمن بهذه الديانة المصريون القدماء و بعضاً من البوذيين والدروز.
2. أي أن الآلهة ذاتها التي يتخذها الإنسان والتي تموت (الطاغوت) فتعود فتخلق من جديد في جسد جديدة فيتخذوها الهة ويبحثوا عنها ليعرفوا من هي, ويؤمن بهذه المعتقدات الكثير من الأديان الهندية والصينة القريبة من البوذية ومن الأديان العربية هي الديانة العلوية التي تؤمن (بسليمان الراشد الإله) الذي يموت جسده ليعود فيخلق من جديد في جسد آخر.
ولنفهم معنى كلمة النشور فنجد أن الله تعالى يمثلها لنا بإعادة إحياء الأرض الميتة من جديد بإرسال ماء الغيث عليها:
(وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ) 42/28
(والذي نزل من السماء ماء بقدر فانشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون )43/11
ويذكرنا الله تعالى ويشبه هذه العملية بخروجنا نحن البشر :
(واتخذوا من دونه الهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا )25/3
إن الأديان جميعها تؤمن باليوم الآخر وتؤمن بالحساب ولكن أين العدل في الحساب إذا كان الإنسان تختلف طبيعية حايته من واحد إلى آخر فهناك من يولد عربي مسلم من أب وأم يرعيانه وينفقان عليه ليعلموه كل ما لديهم من أخلاق ودين وأعراف, وهناك من هو دون ذلك ملايين من البشر هم لا يتكلمون العربية وملايين منهم قد حرموا من الأب أو الأم أو كليهما, وبعضهم من ولد من أب أو أم مجرمين, كفرة فسقة أو ليس له أب أو أم أو ظروف حياته وكأنها الجحيم كأطفال الإنتفاضة أو الإحتلال أو العبودية, فأين العدل ؟
كيف يفسر الله لنا أنه يعامل الناس (بالقسط) التي فسرت بمعنى العدل ؟
كيف يفسر الله لنا أنه لا يظلم مثقال ذرة ونحن نعلم أن كل إنسان له ظروفاً مغيرة عن الآخر فهذا مخلوق جميل أو صوته جميل فنجد أنه قد اتخذ من جماله أو جمال صوته عملاً ناجحاً أوصلته إلى الشهرة والغنى والرفاهية وهذا إنسان قبيح مشوه بليد ولد هكذا فكانت حياته جحيماً ولم يفلح فسقط في قاع المجتمع, وهذا مخلوق جميل راح ضحية الإعتداء فقتل واغتصب ونهب فكان جماله نقمة فأين العدل ؟
وهذه أسرة رائعة تتألف من أب وأم وأبناء كلهم من الذين يعملون فينفقون أموالهم في الخير لهم وللجميع فوقعوا في مصيبة المرض الخبيث أو اتى عليهم الزلزال فأخذهم جميعاً وترك أصغرهم يتيماً ذهب ليعيش في الملجأ وهو صغير فاعتدى عليه مجرم كافر فأصيب بمرض نفسي فأصبح إنطوائي على نفسه يخشى الناس, والله أولى له أن يخشاه :
(ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور )35-28
(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا )4/9
(اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله او اشد خشية )4/77
الخلاصة :
هل الله ليس عادل في التوزيع؟ :
1. للمال.
2. والجمال.
3. والجاه.
4.والجنس.
5. والصحة.
6. والذكاء.
7. والظروف الإجتماعية.
8. والمصائب.
لكن الله لا يظلم الإنسان مثقال ذرة والله بريء مما اختار الإنسان لنفسه, من معصية أو إيمان ومن خير وشر, ومن اتباعه لشهواته وملذاته دوناً عن الحب والخير لوجه الله, ولكن هذا الإنسان الذي اختار بنفسه يجب أن يكون :
بالغاً.
عالماً.
مدركاً.
على دراية برسالة الله.
لم تجبره الظروف القاسية على الإنصياع.
يؤكد الله لنا ان نعم الله كثيرة في الأية التالية :
(واتاكم من كل ما سالتموه وان تعدوا نعمت الله لا تحصوها ان الانسان لظلوم كفار )14/34
(وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ان الله لغفور رحيم ) 16/18
إن نعم الله كثيرة فهو من خلق لنا الشمس والقمر وهو من خلق لنا الليل والنهار, وهو الذي خلق لنا البحر والشجر والجبال, وهو الذي رفع لنا السماء من دون أعمدة, وهو الذي زين لنا السماء بمصابيح, وهو الذي حلل لنا الطيبات, وهو الذي خلقنا من ذكر وأنثى وهو الذي...... الخ.
وإن الذي يحاول أن يكفر بهذه النعم فإنه يظلم نفسه, ولكن ماذا عن الأشياء الأخرى والتي تعد من النقمات, والتي شرحناها فليس كل البشر أيتام, وليس كلهم بهم مرض, أو عاهة أو سبب إجتماعي قد يدفع بهم إلى الرذيلة والتشرد والسرقة والقتل, والكره..... الخ. وليس كلهم يعيشوا حتى يبلغوا سن الأربعين, وليس جميعهم سواسية كأسنان المشط حتى تنطبق عليهم قاعدة واحدة.
وهل من العدل أو القسط أو من عدم الظلم بأن يموت الإنسان في عمر الورد في العاشرة أو الخامسة أو الثامنة عشرة فيذهب هؤلاء إلى الجنة من غير حساب, وتعيش أنت إلى عمر الثمانين فتحاسب على كل همزة ولمزة, فأين العدل؟
لهذا يقول الله :
(ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ )80/21-22
أي أنه تعود النفس فتولد في جسد ثانية ليكتمل عليها ما اكتمل على الجميع ولتمر بذات الظروف لتذهب إلى الحساب.
وإذا نظرنا إلى الآيات في سورة الكهف التي تصف الطفل (النفس الزكية) التي قتلها الرجل الصالح هل قتله لأنه طفل سيمضي إلى الكفر أم لأنه كافر وعاصي ومازال طفلاً, هل دخل الشيطان إلى ذاته ولن يخرج حتى لو أراد الله أن ينجيه منه وهل هناك طريقة أخرى غير قتله لخلاص أبويه من هذا الطفل تعالوا لنقرأ ما جاء في هذه الآيات :
( فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا )18/74-76
(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) 18/80-81
فالطغيان والكفر ليس من الطفل وإنما من الحالة الإجتماعية الخاصة جداً للأبوين الذين لم يكن لهم الجاهزية الكافية لتربية هذا الطفل, وكلمة يبدلهما الله خيراً منه, زكاة وأقرب رحماً فما دخل الزكاة وقرب الرحم بالموضوع ... ؟
الزكاة لها علاقة بالمال, وقرب الرحم لها علاقة ببقاء الأم والأب في ذات المكان مع بقية العائلة فلا يضطر الأب والم إلى الهجرة وإنقطاع صلة الرحم فيما بينهم لأنه إن حصل هذا لوقع الأب والأم المؤمنين بالإرهاق في الحياة والهجرة والغربة لبلاد الكفر والطغيان, وإن النفس الزكية لهذا الطفل يمكن أن تعاد وتنتشر وبعدها تدخل إلى الحساب, وإن تفاسير السلف لهذه القضية نراها قد حكمت على الطفل بالكفر والطغيان, علماً أنه مازال طفلاً لم يقع بعد بأي معصية تجبره بالذهاب إلى الجحيم فهل يعقل أن الله الذي لا يظلم مثقال ذرة أن يبعث بهذا الطفل إلى جهنم لأنه كان سيرتكب المعاصي, عندما يكبر, لأن الملك الذي نزل عليه وهو في بطن أمه فقدر الله له (سعيد أم شقي) كافر أم مؤمن, وهو في يومه الأربعين داخل الرحم, فلماذا خلقنا الله ولماذا يحاسبنا الله على أمور كتبها الله لنا وقدرها لنا حتى من قبل أن نأت إلى هذا العالم ؟
وشكراً
لقراءة موضوع (عالم التوبة) إذهب إلى هذا الرابط :
https://secure.ushaaqallah.com/forum/viewtopic.php?t=3915
أخوكم وسام الدين اسحق
إن قضية النشور يا أعزائي هي قضية حساسة جداً لا أرغب بطرحها على إسلوب البيان, وإن رغبت بطرحها فإني أطرحها بإسلوب الرأي الشخصي البحت الذي لا ألزمه لأي أحد, أؤمن أنا به وأدعوه لنفسي ولا أفرضه على أحد, مثله مثل موضوع الصلاة, والتي هي علاقة الإنسان الفرد بربه.
إنطلاقاً من الإيمان بأن الله تعالى في القرآن دقيق العبارات ولا يستخدم كلمتان في ذات المعنى أبداً إلا إذا كانت كلمات معطوفة على بعضها ومع ذلك فإن كل كلمة تحاول أن تخصص بعض الزوايا المحيطة بالكل الكامل.
وإذا حاولنا النظر في الآيات التي تتكلم عن النشور فنجد أن الله تعالى يقول :
(ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ )80/21-22
إن قضية النشر عائدة لله تعالى وهي حالة لا تأتي إلا لسبب معين وأهم هذه الأسباب هي:
1.الفترة الزمنية التي تعيشها النفس في الجسد.
2. علاقة النفس بالمحيط, وعلاقة المحيط بها.
3. كون النفس حرة أم مقيدة.
4. إضطراب الجسد مما يؤثر على النفس.
5. إضراب العقل مما يؤثر على القرار.
6. وصول البلاغ للنفس أثناء حياتها في عالم التوبة.
هذا يعني أنها حق عليها العذاب أو العكس فيقول الله تعالى في هذا الصدد :
(فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة انهم اتخذوا الشياطين اولياء من دون الله ويحسبون انهم مهتدون ) 7 – 30
فمن هم الذين حق عليهم الضلالة, هل هم الأطفال الذين قتلوا أو ماتوا وهم ضعفاء وقبل سن الرشد ؟ أم هم الضعفاء الذين لا يملكون قرارهم, أم هم مريضوا العقل والجسد, أم هم ممن لم يسمع بكلام الله بعد ولم تأتيه الرسالة بعد ولم يسمع بها ابداًً ؟
(واذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )17/16
فماذا عن الأطفال الذين يسكنون هذه القرية ما مصيرهم ؟ ولماذا حق عليهم الدمار بذنوب أبائهم ؟
(وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ان الله يفعل ما يشاء )22/18
(ووصينا الانسان بوالديه احسانا حملته امه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا حتى اذا بلغ اشده وبلغ اربعين سنة قال رب اوزعني ان اشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وان اعمل صالحا ترضاه واصلح لي في ذريتي اني تبت اليك واني من المسلمين )46/15
من هذه الآية نجد أن الله يخصص للإنسان فترة نموه الفكري كما يعتقد البعض, ولكن ماذا عن الأطفال الذين يموتون كل يوم من كوارث اللإنسان من قتل وتدمير وحروب ومن الكوارث الطبيعية التي يوقعها الله بالبشر من زلازل وإعصارات, فماذا عن الأطفال الذين لم يبلغوا سن الرشد هذا ... ؟ أم أن الجميع سيمرون تحت ذات المظلة ؟؟؟
الله تعالى في القرآن الكريم لم يذكر أبداً أنه عادل, علماً أن السلف قد قالوا أن واحداً من أسماء الله الحسنى بأنه عادل, فأين العدل في كل هذا :
الإنسان الملون الأسود والأصفر والأحمر والأسمر والأبيض وإختلاف الألوان هل هذا عدل عندما يبدأ الإنسان بظلم نفسه من اجل لون بشرته :
(ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور )35-28
(يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير )49/13
حتى أن الإنثى والذكر في بعض البلدان يعاملون معاملة البهائم ومعاملة الدون فأين العدل في هذا ؟
وهناك الأعرج والأكتع والأعمى فهل يستوي الأعمى مع البصير والله يعلم أنهم لا يستوون؟
وهناك الأبله والذكي والمعتوه والعبقري, فهل هناك عدل في هذا ؟
وهناك الأبن اليتيم, والإبن المحروم من العطف والإبن الذي يولد وفي فمه معلقة من ذهب وهناك الفقير, وهناك من يولد وهو مريض بمرض خبيث وهناك من هو إبن زنى فما ذنبه هو إن أخطأت أمه وأبيه وهناك من يولد في أثناء المجاعات الكبرى.
أين العدل والله لم يقل ولو مرة واحدة في القرآن أن الله عادل فمن أين قيل عن الله انه عادل وما هو مصدرهم ؟
قال الله تعالى :
(ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما )4/40
إن الله لا يظلم أحد إختار هذا الإنسان مصيره ولم يظلمه الله ولكنه هو الذي ظلم نفسه فحق عليه العذاب, ولكي نفهم كيف ظلم الإنسان نفسه قبل أن يولد يجب عليكم أن تقرأوا كتاب (عالم التوبة) حتى تفهموا هذا الموضوع :
(فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا انفسهم يظلمون )9/70
(ولو ان لكل نفس ظلمت ما في الارض لافتدت به واسروا الندامة لما راوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون )10/54
(فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فارسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون )7/162
فكيف يقضى بين الناس (بالقسط) والعذاب يأتي على الجميع الصغير والكبير ؟
والكافرون بما أنهم لا يروا عدل الله فيزيدهم هذا كفراً فيكفروا بالنشور أي بعودة من لم تكتمل عليهم وتحق عليهم كلمته فإنهم يؤمنون بأن هي حياة واحدة وان كل من يموت لا يعود فيحيى حياة جديدة, ونشر جديد فيقولون :
(ان هي الا موتتنا الاولى وما نحن بمنشرين )44/35
هل هذا يعني أن هناك موت ثاني وربما أكثر !
وبعضهم يتخذ بعض الألهة التي تؤمن بالنشور ولكنهم لا يؤمنون بالله تعالى خالقهم الأول:
(ام اتخذوا الهة من الارض هم ينشرون ) 21/21
قد نفهم هذه الآية بأكثر من معنى :
1. الألهة التي يتخذها الإنسان (من الأرض... من الخلق... مما خلق الله...) وهذه الألهة هي التي تنشر الناس أي تعيد خلقهم من جديد, يؤمن بهذه الديانة المصريون القدماء و بعضاً من البوذيين والدروز.
2. أي أن الآلهة ذاتها التي يتخذها الإنسان والتي تموت (الطاغوت) فتعود فتخلق من جديد في جسد جديدة فيتخذوها الهة ويبحثوا عنها ليعرفوا من هي, ويؤمن بهذه المعتقدات الكثير من الأديان الهندية والصينة القريبة من البوذية ومن الأديان العربية هي الديانة العلوية التي تؤمن (بسليمان الراشد الإله) الذي يموت جسده ليعود فيخلق من جديد في جسد آخر.
ولنفهم معنى كلمة النشور فنجد أن الله تعالى يمثلها لنا بإعادة إحياء الأرض الميتة من جديد بإرسال ماء الغيث عليها:
(وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد ) 42/28
(والذي نزل من السماء ماء بقدر فانشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون )43/11
ويذكرنا الله تعالى ويشبه هذه العملية بخروجنا نحن البشر :
(واتخذوا من دونه الهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا )25/3
إن الأديان جميعها تؤمن باليوم الآخر وتؤمن بالحساب ولكن أين العدل في الحساب إذا كان الإنسان تختلف طبيعية حايته من واحد إلى آخر فهناك من يولد عربي مسلم من أب وأم يرعيانه وينفقان عليه ليعلموه كل ما لديهم من أخلاق ودين وأعراف, وهناك من هو دون ذلك ملايين من البشر هم لا يتكلمون العربية وملايين منهم قد حرموا من الأب أو الأم أو كليهما, وبعضهم من ولد من أب أو أم مجرمين, كفرة فسقة أو ليس له أب أو أم أو ظروف حياته وكأنها الجحيم كأطفال الإنتفاضة أو الإحتلال أو العبودية, فأين العدل ؟
كيف يفسر الله لنا أنه يعامل الناس (بالقسط) التي فسرت بمعنى العدل ؟
كيف يفسر الله لنا أنه لا يظلم مثقال ذرة ونحن نعلم أن كل إنسان له ظروفاً مغيرة عن الآخر فهذا مخلوق جميل أو صوته جميل فنجد أنه قد اتخذ من جماله أو جمال صوته عملاً ناجحاً أوصلته إلى الشهرة والغنى والرفاهية وهذا إنسان قبيح مشوه بليد ولد هكذا فكانت حياته جحيماً ولم يفلح فسقط في قاع المجتمع, وهذا مخلوق جميل راح ضحية الإعتداء فقتل واغتصب ونهب فكان جماله نقمة فأين العدل ؟
وهذه أسرة رائعة تتألف من أب وأم وأبناء كلهم من الذين يعملون فينفقون أموالهم في الخير لهم وللجميع فوقعوا في مصيبة المرض الخبيث أو اتى عليهم الزلزال فأخذهم جميعاً وترك أصغرهم يتيماً ذهب ليعيش في الملجأ وهو صغير فاعتدى عليه مجرم كافر فأصيب بمرض نفسي فأصبح إنطوائي على نفسه يخشى الناس, والله أولى له أن يخشاه :
(ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك انما يخشى الله من عباده العلماء ان الله عزيز غفور )35-28
(وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا )4/9
(اذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله او اشد خشية )4/77
الخلاصة :
هل الله ليس عادل في التوزيع؟ :
1. للمال.
2. والجمال.
3. والجاه.
4.والجنس.
5. والصحة.
6. والذكاء.
7. والظروف الإجتماعية.
8. والمصائب.
لكن الله لا يظلم الإنسان مثقال ذرة والله بريء مما اختار الإنسان لنفسه, من معصية أو إيمان ومن خير وشر, ومن اتباعه لشهواته وملذاته دوناً عن الحب والخير لوجه الله, ولكن هذا الإنسان الذي اختار بنفسه يجب أن يكون :
بالغاً.
عالماً.
مدركاً.
على دراية برسالة الله.
لم تجبره الظروف القاسية على الإنصياع.
يؤكد الله لنا ان نعم الله كثيرة في الأية التالية :
(واتاكم من كل ما سالتموه وان تعدوا نعمت الله لا تحصوها ان الانسان لظلوم كفار )14/34
(وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها ان الله لغفور رحيم ) 16/18
إن نعم الله كثيرة فهو من خلق لنا الشمس والقمر وهو من خلق لنا الليل والنهار, وهو الذي خلق لنا البحر والشجر والجبال, وهو الذي رفع لنا السماء من دون أعمدة, وهو الذي زين لنا السماء بمصابيح, وهو الذي حلل لنا الطيبات, وهو الذي خلقنا من ذكر وأنثى وهو الذي...... الخ.
وإن الذي يحاول أن يكفر بهذه النعم فإنه يظلم نفسه, ولكن ماذا عن الأشياء الأخرى والتي تعد من النقمات, والتي شرحناها فليس كل البشر أيتام, وليس كلهم بهم مرض, أو عاهة أو سبب إجتماعي قد يدفع بهم إلى الرذيلة والتشرد والسرقة والقتل, والكره..... الخ. وليس كلهم يعيشوا حتى يبلغوا سن الأربعين, وليس جميعهم سواسية كأسنان المشط حتى تنطبق عليهم قاعدة واحدة.
وهل من العدل أو القسط أو من عدم الظلم بأن يموت الإنسان في عمر الورد في العاشرة أو الخامسة أو الثامنة عشرة فيذهب هؤلاء إلى الجنة من غير حساب, وتعيش أنت إلى عمر الثمانين فتحاسب على كل همزة ولمزة, فأين العدل؟
لهذا يقول الله :
(ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ )80/21-22
أي أنه تعود النفس فتولد في جسد ثانية ليكتمل عليها ما اكتمل على الجميع ولتمر بذات الظروف لتذهب إلى الحساب.
وإذا نظرنا إلى الآيات في سورة الكهف التي تصف الطفل (النفس الزكية) التي قتلها الرجل الصالح هل قتله لأنه طفل سيمضي إلى الكفر أم لأنه كافر وعاصي ومازال طفلاً, هل دخل الشيطان إلى ذاته ولن يخرج حتى لو أراد الله أن ينجيه منه وهل هناك طريقة أخرى غير قتله لخلاص أبويه من هذا الطفل تعالوا لنقرأ ما جاء في هذه الآيات :
( فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا )18/74-76
(وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) 18/80-81
فالطغيان والكفر ليس من الطفل وإنما من الحالة الإجتماعية الخاصة جداً للأبوين الذين لم يكن لهم الجاهزية الكافية لتربية هذا الطفل, وكلمة يبدلهما الله خيراً منه, زكاة وأقرب رحماً فما دخل الزكاة وقرب الرحم بالموضوع ... ؟
الزكاة لها علاقة بالمال, وقرب الرحم لها علاقة ببقاء الأم والأب في ذات المكان مع بقية العائلة فلا يضطر الأب والم إلى الهجرة وإنقطاع صلة الرحم فيما بينهم لأنه إن حصل هذا لوقع الأب والأم المؤمنين بالإرهاق في الحياة والهجرة والغربة لبلاد الكفر والطغيان, وإن النفس الزكية لهذا الطفل يمكن أن تعاد وتنتشر وبعدها تدخل إلى الحساب, وإن تفاسير السلف لهذه القضية نراها قد حكمت على الطفل بالكفر والطغيان, علماً أنه مازال طفلاً لم يقع بعد بأي معصية تجبره بالذهاب إلى الجحيم فهل يعقل أن الله الذي لا يظلم مثقال ذرة أن يبعث بهذا الطفل إلى جهنم لأنه كان سيرتكب المعاصي, عندما يكبر, لأن الملك الذي نزل عليه وهو في بطن أمه فقدر الله له (سعيد أم شقي) كافر أم مؤمن, وهو في يومه الأربعين داخل الرحم, فلماذا خلقنا الله ولماذا يحاسبنا الله على أمور كتبها الله لنا وقدرها لنا حتى من قبل أن نأت إلى هذا العالم ؟
وشكراً
لقراءة موضوع (عالم التوبة) إذهب إلى هذا الرابط :
https://secure.ushaaqallah.com/forum/viewtopic.php?t=3915
أخوكم وسام الدين اسحق