الأخ محمد فادي الحفار الموقر
لقد لاحظت أن لكم فلسفة جديدة في تعريف المحيط, والظاهر والباطن, ومن خلالها حاولتم أن تبرهنوا على الآب والإبن والروح القدس, ولكن مفهومكم في تأويل بعض المصطلحات قد جاء بباطن التأويل ولم أجد لكم أي برهان إلا في تعريف الروح والملائكة والوحي, فكان لابد أن أضع لكم وللقارئ الكريم تعريفي لتلك المصطلحات لكي يرى القارئ أنه هناك طريقة أخرى في قراءة هذه المصطلحات أيضاً قبل أن ينجرف إلى تصديق ما أردم أن تطرحوه عليهم.
لنبدأ بفرد المصطلحات التي ستقودنا إلى التفاهم :
الله , هو... الخالق البارئ القدوس الجبار الرحمن الرحيم..... له الأسماء الحسنى ولا يقوم بلأفعال التي تنفي أسمائه فلأنه الواحد الأحد ليس معه شيء ولأنه الأول فليس قديم سواه, ويخلق من عدم.
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ) 17/111
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا ) 76:1
أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ) 19:67
ولن أطول في الشرح لأنه ليس في صلب الموضوع.
الوحي
الوحي كلام الله للعالمين. وهناك (سبعة أوجه للوحي)الوجه الأول :
كلام الله للبشر : ولها ثلاث طرق
4- وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (42:51)
ويقال للملك جبريل أنه الوحي وهذا اعتقاد خاطئ لأن الملك جبريل هو رسول للوحي أي
لكلام الله, وكل حديث يتم بين البشر (نبي, أو رسول) والملائكة لا يندرج تحت كلام الله أو الوحي.
(فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ) 11/12هذا الوحي هو كلام الله عن طريق الملائكة (رسول) وللبشر (النبي) من أجل إرسال رسالة للناس (لكتاب الله).
والأمثلة عليه كثيرة في القرآن :سأكتفي بعرض ثلاثة أمثلة ثم سأعرض أرقام الآيات كمرجع :
1- قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (6:19)
1- اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (6:106)
1- كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (13:30) (17:73) (17:86) (18:27) (29:45) (35:31) (42:7) (42:13) (43:43) (6:50) (7:203) (10:15) (10:109) (11:12) (33:2) (46:9) (10:2) (12:109) (16:43) (21:7) (21:25) (21:73) (18:110) (39:65) (42:3) (20:13) (21:108) (41:6)
الوجه الثاني الوحي الإيحائي لكل مخلوقات الله :
(وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ) 16/68
3- فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (41:12)
3-إذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا .......... بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (99:5)
أمر الله لمخلوقاته بالقيام بعمل وتنفيذه من دون اعتراض.
الوجه الثالث للوحي النفسي للبشر :
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) 14/13
3- قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (34:50)
(ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ) 17/39
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) 91/7-10
الوجه الرابع للوحي علم الغيب.
2- تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (11:49)
2- ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(3:44)
2- نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (12:3)
2- ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (12:102)
الوجه الخامس للوحي الخطاب المباشر :
4- وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (10:87)
4- وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (11:36)
4- وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (11:37)
والأمثلة كثيرة : (7:117) (7:160) (16:123) (20:77) (23:27) (26:52) (26:63) .
الوجه السادس للوحي كلام الله للملائكة
6- إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (8:12) 1- 6-
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (53:4)
الوجه السابع للوحي كلام الله لبعض الناس وليسو من الأنبياء :
3- وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (28:7)
7- فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (20:114)
3- وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (14:13)
الوجه الثامن للوحي كلام الجن والإنس والملائكة بين بعضهم وليس وحياً من الله.
7- 5- فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (12:15)
5- وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (6:112)
5- فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (19:11)
4- 5- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (72:1) الملائكة : هي مخلوق من مخلوقات الله لها الحق الكامل بالإختيار ولقد اختارت طاعة الله بشكل كامل, عرضت عليها الأمانة فلم تقبل بها لأنها ليست باستطاعتها.
ولن أطول في الشرح لأنه ليس في صلب الموضوع.الروح :
الخلاصة, يتبين لنا أن الوحي هو خطاب الله للعالمين ويتم في ثلاث طرق :
1- وحي مباشر 2- من وراء حجاب 3- عن طريق رسول.
وهذه الطرق الثلاث للوحي تأتي بسبع أوجه خطاباً إللهياً للعالمين
الرقم 1 يرمز لرسالة أو كتاب
الرقم 2 يرمز لعلم الغيب
الرقم 3 يرمز للإيحاء النفسي لكل عباد الله بلا استثناء
الرقم 4 يرمز للخطاب المباشر من الله للرسول وليس له علاقة بطرق المخاطبة
الرقم 5 يرمز لخطاب الخلق في ما بينهم وليس خطاباً إلاهياً.
الرقم 6 يرمز لخطاب الله للملائكة
الرقم 7 يرمز للخطاب العلمي, والتعليمي.
أما الروح :
فالروح هو مخلوق والملائكة هي مخلوق آخر ولكل منهما وظيفته الخاصة.
فالروح يجب أن تكون وظيفته في توصيل الأمر من الله إلى الملاك, والملاك يوصل الأمر إلى النبي, والنبي يوصل الأمر إلى الناس, والناس ينفذو الأمر.
(يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ)16/2
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) 26/193
أي القرآن من الله إلى الملائكة بواسطة الروح الأمين, وهو يختلف عن روح القدس ويختلف عن الملك جبريل أيضاً وهذا ما ستلاحظه في البراهين القادمة:
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)42/52
وهنا أتى للوحي الذي أتى من الله ومباشرة للرسول لتفهيم أمور الحكمة (الصراط المستقيم) والذي هو نور للهداية.
(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ) 40/15
هذا الروح الذي سينزل على من يشاء الله من عباده للإنذار بيوم التلاق أي إلتقاء الناس بالله في يوم الحساب, سيأتي في زمن قادم أما طريقة الوحي فما زالت مجهولة.
والروح أيضا له علاقة في تنفيذ أمر الله في الخلق ويعمل مكان يد الله المجازية, فهو ينفخ في شيء فيجعله حياً :
(ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) 32/9
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) 3/59
فإن كلمة كن هي التي أرسلت يد الله في الخلق (الروح).
(فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ) 15/29
فالروح هنا ليست روح الله أي من ذاته وإنما هي المخلوق الذي اسمه (الروح) والتابع له ويعمل بأمره لله.
(فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) 19/17
وإذا ظننا أن روح الله هي ذات الله فإن تمثل الروح لمريم هو تمثل الله لها بصفة بشرية, طبعاً لا فإن الروح هنا هي مخلوق ورسول من الله.
(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) 21/91
(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) 66/12
فالله لم يذكر الملائكة هنا أبداً.
وكما أن لكل ملاك خاصيته, فملاك الموت يختلف عن الملك جبريل الذي كان يكرهه اليهود مثلاً لأنه كان يأتي بأخبار هلاكهم ويتنبأ بأمور سيئة ستحصل لهم كسبيهم وعذابهم ونهايتهم, وكذلك الملك ميكال الذي وعدهم بأمور مشابهة لهلاكهم الأخير في كتب العهد الجديد (رؤيا يوحنا) فقال الله تعالى :
(مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) 2/98
هنا الله يذكر نفسه الله ثم يعطف اسمه على الملائكة ونحن نعلم أن الملائكة هي رسل الله, فعطف كلمة الرسل تأتي لتعريف الملائكة, ثم أتت كلمتي أسماء جبريل وميكال وهم من الرسل وهم من عند الله, وهم من الملائكة, فالمعتقد أن الله يتكلم عن ذاته وملائكته ورسله من البشر ثم ذكر جبريل وميكال على أنهم من الروح فهذا لم يأت بالقرآن أبداً على أن حبريل وميكال من الروح, وإن الآية التي أتت فقالت أن الروح الأمين هو من أنزل القرآن, فهي تعني أن الروح الأمين أنزله على الملك جبريل والملك جبريل أوصله للنبي محمد لأن الله ينزل بالرسالة على الملك بواسطة الروح كما شرحنا في الآية السابقة :
(يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ)16/2
لننظر في الفرق بين الملائكة والروح وما هي الأشياء التي يمكن أن يجتمعوا بها :
(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ) ليلة القدر 97/4
(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)70/4
من هذه الآية يتبين لنا أن الروح والملائكة كلاهما من مخلوقات الله وكلاهما بطيء بالحركة ولكنهم متساويين فيها مقارنة مع الله الذي ليس كمثله شيء والذي يستطيع أن يكون مع كل خلقه في كل لحظة ولا ينطبق عليه الزمن فهو في كل مكان ولا يحتاج إلى زمن لوجوده في مكان وإنتقاله إلى مكان آخر, فلا يحده لا زمن ولا مكان, كما يحدث لمخلوقاته.
(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً) 87/38
والروح ليس مخلوقاً واحداً فقط فالروح القدس ليس هو الروح الأمين وكلاهما ليس بالملك جبريل, أو ميكال, أو إسرافيل, الذي جاء ذكره في التوراة(نفخة الصور). حتى أن الروح الذي تمثل لمريم, والذي لم يذكر الله اسمه لنا بل جعله مجهول الهوية :
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً) 16/2
(وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)2/87
(إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ) 5/110
الخلاصة :
يتبين لنا من استعراض الوحي والروح والملائكة أن الوحي هو كلام الله وأن الروح والملائكة هي مخلوقات الله, وأن الله يرسل الوحي بالروح على الملائكة ومن الملائكة للرسل الذين هم عباد الله والنبي يوصلها إلى الناس لينفذو الأمر, وأن الله أيضاً له طريقة أخرى في الخطاب للناس فإنه يرسل الروح مباشرة ليتمثل للبشر وكأنه منهم من البشر كما حصل لمريم, وكما حصل لعيسى, وهناك طريقة أخرى وهي الخطاب المباشر ولكن من وراء حجاب, لأنه ليس هناك أي أحد يستطيع أن يرى الله مباشرة والدليل على ذلك هو الآية التالية :
وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ )7/143
وعلى هذا الساس في القراءة والتفريق بين الخالق والمخلوقات يا عزيزي تلاحظ ان مصطلح المحيط والظاهر والباطن والتي هي من أسماء الله الحسنى أي صفاته, فليس لها أي علاقة بالآب والإبن والروح القدس على الإطلاق, وإنما المحيط يا عزيزي هو الأول والآخر, والظاهر هو ما نراه من حولنا من خلقه لنعلم عظمة الخالق, والباطن هو ما لا نراه ولا نعرفه عنه ونجهله لأن عقلنا محدود في إمكانية فهم الأشياء ما عذا الحواس الخمسة التي نمتلكها, فأما في الحياة التي ستأتي فيما بعد سيكون لنا طبيعة أخرى غير فانية وحياة أبدية, بجسم لا يفنى وسندخل إلى الجنة لنستلم الأمانة ولتسجد لنا الملائكة والجن والروح وهذه ثلاث طرق, والله قد وعدنا بسبع طرق في الخلق لا نعلم عنها شيء بعد وهي كلها ستطيع الإنسان الذي استطاع أن ينتصر على عدوه الشيطان الذي يحاول أن يضله في اليوم سبعين مرة (هذه للمبالغة فقط ولكنها حقيقة).
ولا يسعني إلا أن أتمنى للجميع أن يكتبنا الله من هؤلاء.
وشكراً
وسام الدين اسحق