فقـالوا له: ما أعذبَ كلامكَ يا هـذا ولكنّنا لا نفـهم ما تقول.
قال: ألستُ عـربيًّا مثـلكم منـكُم و إليكُم .
- صحيح أنـّك عـربيٌّ منّـَا وإلـينَا وإنـما نحنُ نريدُ أن تكون إمامنا في المساجدِ لا غير.
- لا بأسَ أنا إمامكم ولا بـدَّ أن تفهمونيِ وتسمعوُا كلاميِ.
قـالوا: نعم. وأتوا إلـيه يهرعـون من كلّ حـدبٍ وصوبٍ.
فقال لـهم: يا أيّها العربُ أريدُ أن أدُلّـكم على كنزٍ في هذا المسجدِ الّذي تصلونَ فـيه، كـنزٌ لا يفنى أبدًا.
قالـوا: أحقا ما تقولُ؟ !
فقـال: نعم واللّه إنّه لكـنزٌ عـظيمٌ. أدخلوا هذا المسجد و أنظروا مـاذا فـيهِ.
فأخذوا معَـاولهم وهَـدموُا المَسجدَ وهُـو يَصيحُ عَـليهم: لَيس هذا هُـو الكـنزُ أيـّها العربُ إنـّما الكـنزً أنْ تفهموُا ما أقـولُ لكم.
فقَـالوا لـه: أنتَ تكذبُ علينا، أيـنَ الكـنزُ يا رجـلُ ؟
فقـال: أنَـا هـُو الكَـنز الّـذِي لا يَفني أبَـدًا.
فقـالوا: لا نَفهمُ مـا تَقـولُ، أنتَ لستَ كـنزًا ولكِـنّنَا نَتبرّكُ بِك فَقطْ.
فقـال: أنَـا البـركةُ و أنَـا الكـنزُ.
وجعلـوُا يَأتـونَ عـِندَهُ أيـامًا ويمسحُون علـى جُبّـَتِه
ويقـولُون: أنتَ رجـلٌ طيّـبٌ، مَـا أحلَي النّـظرَ إليـكَ ! و مـا أرطـبَ يـدكَ حيـن نُقـبلها ! وهـو يَصيحُ ويقـولُ: أنـا مـا أتيتُ لهـذا فقطْ، بل جئتُ لـما هـو أعْـظمُ. وكُلَّما نَـاداهُم أعْـرضـوُا عـنهُ بِعقُولهُم وهُـو يُـحدثهم حـديثًا عـذبًا بلـسانٍ عرّبـيٍ مُبيـنٍ يَطلبُ منـهُم تفهّـم مَـا يَـقُولُ دُون جَـدوَى.
ومكـثَ فيـهم طويـلا حتّـى مرضَ و شُلـتْ أعْضاؤُه ولَـزِمَ المسجدَ ولـم يتحرّكْ سنـواتٍ وهـو يُعـانيِ ألـمَ الَمرضِ.
ذات يومٍ أتَـاه نداءٌ: أيُّـها الرّجُـلُ اذهبْ وابحثْ عن طبِيبٍ يَفْـهمُ مـا تقولً.
جَعل يَطوفُ البِـلدانَ والأقطـارَ الشرقيّـةَ والجنوبيـّةَ طـولا وعرضًا يَنشُدُ ضَـالّتَهُ دُون جَـدوى وحين لم يَضفرْ بطائلٍ اتجه غربـًا وطَفِق يبحثُ في أقْـطارهِ عـن دواء لِعـّلتِه ومَخرجٍ مـنْ سُقمهِ. لقِيَ فِـي الغَـرب اهْـتمامًا ورعايةً.
وسُئِـل: من أيْـن جِئـتَ ومـاذا تُريـدُ ؟ فأخْـبَرهُم خُـبُرهُ وقَـصّ قِصّـتَهُ
وقَـال: أنَـا رجـلٌ عربّـي أتَكلم بِلـسانٍ عربّـيٍ مبينٍ تفجّـرتُ بالحِكمةِ في مَـوطنِي وأعْـلمتُ القَـاصِيِ والدّانيِ أنَ فيَّ كـنزٌ ثمـينٌ فلم يَعبـأْ بمَـا أقُـولُ أحدٌ حتّى مَرضتُ و لـم أجـدْ مُداويـًا.
قـالوا: نَحن نأخـذُك إلي ذلـكَ الطّبيبِ الّذيِ تبحثُ عنهُ.
صَدّقـوا مَقـاله وصَحبُوه إلَـي دُكـتورٍ اختصاصي شَـقََّ عـلى قَـلبهِ فانبهرَ بـما وجـدَ، كنـوز لا تحـصي وعُلـوم لا تَنـفذُ.
قـبلُوه قـبولا حسنًا ورحـبوُا بكـلامِهِ.
قـالوا: نحن عَبيـدُك وخُـدَّامُكَ إلي يوم القيامةِ وأنتَ سيّـدنَا و إمـامنَا وبـك ازدهرنَا وسُـدنَـا العالم وأنتَ هـو العالمُ ومـن يفرط فيـك مجْـنونٌ ببـطاقَةٍ.
أحسّ أنّـه بينهم في الحقـيقةِ غريبٌ، نَـادى وقال إنِِّـني عـربِيٌّ.
قـالوا: أسكتْ لست عـربيّا إنّما أنتَ لمـن عالجَـك وسَـاد بـك الكـونَ.
وطُمسَ اسمهُ وطُبعَ عليـهِ بطـابع غـربيٍّ لا عربـيٍّ.هـاهُـو اليـومَ يـصولُ ويـجولُ. اشتُهِرَ اسْـمُه فـي العالم فسمع بـه العَـربُ وذهـبُوا إليـه قَصـد شـرائِه ليَرُدّوه إلي بِلادهِم
فقـال أمـا كنتُ بيْـنكم وزهِتُهم فـيَّ بِعتُموني بيـعَ الحقيرِ.
السّاعةَ تريـدون شـرائيِ بأغلىَ الأثمـانِ، أوَلـوْ وعَـيتُم كـلاميِ لفُزتـم بيِ دُنـيا وآخرة
الآن سبَـقَ السّيفُ العـَذل فـأنتُم اليوم فـي قـَبضتيِ وكنتم قـد طـرَدتُمونيِ من وطـنيِ الّـذيِ وُلدت فـيهِ. أنـا رجـلٌ أُنـبئُكم إذا مُـزقْتم كل مُمَـزقٍ إنِـكُم فـي خَلق جَـديد.
خَـاطبتُكم بلِـسانٍ عـربيٍّ مبـينٍ لِـم لمْ تَستـفيدُوا بكـلاميِ وتصنعُـونَ منهُ قوّةً تُـرهبُون بـها عَـدوّكم. ضـاع الكـلام وهَـاجرتْ الحِكْمة وتحَوّل العِـلمُ وتغَربَ الأدبُ. وهـا نحن في حـَالةِ شـللٍ لا حول ولا قوّةَ نَـدعو فلا يُستجاب لـنا، قَـطّعتم الجِـباهَ وتَـركْتم الشَرابَ العـذبَ.وأَذّن مؤذّنٌ أيتُهـا العِـير إنّكم لسَـارقون.اذهبُوا وتحَسّسوا من هـذا الرجـلُ المجْـهولُ الغـريبْ لَعلكم تجِـدونهُ ونَحفظ أخَـانا و نَـزداد كَـيل بَعيرٍ.