يبدأ الحج تاريخيا بدعوة النبي الكريم إبراهيم إليه. و رأى الناس منذ أن غابت عنهم أصوات الأنبياء أنّ الحج مجموعة من الطقوس "التعبدية" تمثل بتتابعها مفهوم الحج الذي دعا إليه إبراهيم. و تحولت الطقوس إلى طلاسم و تشابكت قواعدها من تقديم لقرابين إلى إله ظنّ الناس أنّه وثنا متعطشا إلى دماء البهائم و عاشقا لطقوسهم الطلسمية و كان الكهنوت .كهنوت يقرّ الطقوس و يوجبها بإختلاقها مدعيّا تنزيلها، ها هو يقنن قواعدها من وحي وظيفته و ها هو في الحج، يضع قواعد أداء طقوسه و يسيّج حول مفهوم الحج مكانا و زمانا و يحصره في منطقة جغرافية قال عنها أنّها حرام مانعا دخولها على من أسماهم "مشركين" ممن لم يشتركوا لا في حمل سلاح و لا في عدوان على أحد ، ذنبهم الوحيد ان اختلف تصوّرهم للوجود عن تصوره.
سنرى في الموضوع عمق التحريف الذي أصاب الفكرة الأساسية للحج التي دعا إليها أبونا إبراهيم أقصد أبا من اتخذ الحنيفية ملّته يميل إلى الدليل و يترك الخطأ و الباطل كلّما عنّ في الوجود جديد. إنّ منطق تحريف الرسالة واحد في كل حين و هو إخراج مفاهيم رسالة السماء من الحياة بتحنيطها و تكليسها و جعلها مومياء لا حياة فيها بتحويلها إلى طقوس و إغراق هذه الطقوس في تفاصيل "فقهية" يصعب بعدها إخراج الفكرة الأساسية من الطقس ذاته. و قد كنّا عالجنا هذه الظاهرة في موضوع "الصلواة شعيرة أو مفهوم" المنشور في هذا المنتدى ورأينا أن فعل التجمع و التفاعل و التلاقح مع الأخر دون تعد عليه و لا تجاوزهو عين الصلواة و يمكن لهذا المفهوم أن يأخذ شكله المناسب في كل عصر و قد يمكن أن يكون التجمع الطقوسي معبرّا عن فعل للصلواة في عصر النبي الكريم أو من أتى بعده وهذا الأسلوب ليس حاصرا للصلواة إطلاقا ولا يمكنه حصرها فيه إلاّ بهدم الصلواة الحق و الأدهى أن يتم "تكفير" من لم يقم بالطقوس و الإمتناع عن الصلواة معه و عليه ليتم قبر الرسالة نهائيا و تصويرها لمن يعقل بصورة الهمجية و التوحش.
لا يستطيع الكهنوت تعمية حقائق الرسالة و إقامة سلطانه على الناس دون تخويفهم بالعقاب إن هم امتنعوا عن أداء الطقوس و يمعن الكهنوت في تعقيد "فقهيات" الطقوس من واجبات إلزامية و مستحبات و مكروهات و محرمّات ويغرق أتباعه في بحور الخلافات الفقهية ليقوم "الفقيه" بعدها بالهيمنة لمعرفته بالخلافات و أولى الأقوال.
هو المنطق نفسه، سواءا تعلّق الأمر بالصلواة أو الصيام أو الحج أو الإنفاق فأسلوب تبعيض الرسالة المتبّع في كل كهنوت واحد، هو نفسه المنطق في تبعيض الرسالة بجعلها شريعة و عقيدة أو أصولا للدين و أحكاما و من يقرأ القرءان يرى أن لا وجود لشيء إسمه أركان الإسلام و لا لشيء إسمه عقيدة و أحكام بل سيجد الرسالة نَفَسا واحدا من الفاتحة إلى الناس.
هذه المقدّمة ضرورية في نظري للدخول في موضوع الحج القرءاني بتوضيح فكرته المرسّخة في عقول الناس و ليرى الناس أن بناء العقل الإنساني الحالي في فهم الرسالة ملّوث عمقا بأقاويل الكهنوت و لم تنتبه الإنسانية بعد إلى خطورة ما أقدمت عليه بإمتناعها من التفاعل مع الرسالة تفاعلا معرفيا بدل تكليس الرسالة في أقاويل الأسلاف التي يرددها الناس بعد قرون. و لحد الأن يرفض الإنسان إعتبار الرسالة توراة و قرءانا متشابهة يخضع فهمها و إستقرار أنباءها للتراكم المعرفي بعلم الكون و كشوفه ليتم عقل ءايات القرءان و إخراج قروءه بل يعتبر البعض أنّ أسلافهم أحاطوا الرسالة فهما و أنّ تجاوز فهومهم خروج عن "الإسلام" و يصف البعض الأخر الرسالة بالحصر لعجزها عن مواكبة عجلة التطور الإنساني .
نبدأ موضوعنا بالحديث عن بعض " الحج الطقوسي" الذي أرساه الأسلاف لندخل بعدها في عالم القرءان الفسيح الهادي للإنسان لنرى الفرق بين الصورتين، صورة من جعل الرسالة خطابا لجنس و قوم و عقيدة و بين خطاب الإنفتاح على العالمين.
رتبّ الكهنوت طقوس الحج حسب القائمة أسفله :
ـ الإحرام
ـ إستلام الحجر الأسود و تقبيله أو إستلام الركنين اليمانيين
ـ الطواف بالبيت العتيق
ـ السعي بين الصفا و المروة
ـ المبيت بمنى
ـ الوقوف بعرفة
ـ النزول إلى المزدلفة
ـ رمي الجمرات
ـ طواف الوداع
ـ الإحلال
ـ ذبح الهدي
و أقام الكهنوت سياجا تحريميا بعد الإحرام وقبل نهاية الطقوس بالإحلال حول البنود التالية :
ـ معاشرة الأنثى جنسيا و عبّر عنها الكهنوت بقوله بتحريم قرب "النساء"
ـ لبس المخيط و المحيط
ـ أن لا يستر الحاج "الذكر" رأسه و لا يمس طيبا و لا يحلق شعرا و لا يقص ظفرا
ـ أن لا يتعرض الحاج لصيد البر
ـ لا يجوز للحائض و للنفساء في قول الكهنوت أن تطوف بالبيت ولا أن تسير بين الصفا و المروة.
لا أريد مهاجمة نسكا أيّا كان خاصة و أنّ في هذا النسك إحساس عميق بالإنتماء لعالم الإنسان بثياب متواضعة و بعبارات ترقى إلى عمق نفخ الروح :
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد و النّعمة لك و الملك، لا شريك لك"
و كما ركزت في موضوع الصلواة عن هدف هذه المواضيع فسأعيد تأكيده هنا. فالهدف ليس في مهاجمة النسك و لكن في محاولة إخراج مفهوم الحج القرءاني المتوّجه للإنسان، مفهوم الحج الواسع الشامل الذي لا ينحصر في جنس و لا في عقيدة كما هو فهمنا لرسالة السماء و لحاميلها من الأنبياء، رسالة للعالمين و دعوة للناس جميعا لهدايتهم لمهتمهم الأساسية، مهمة الخلافة و بعدها فليفعل كل مايشاء ما لم يتداخل مع غيره.
تعلّق الحج بالنبي الكريم إبراهيم فهو من دعا إليه و هو من ركزّ أساسه ، فما هو الحج و ما هي أسسه الفكرية ؟
كالعادة نبدأ البحث بالتعرّف على مفهوم اللفظ القرءاني "حج" و ترتيل أقرب مشتقاته فيه و هي :
حجّ
حآج / حآجك / حآجه / حآجوك
حاججتم
تحآجون / يحآجوكم / يحآجون
يتحآجون
الحَج
حِج
الحآج
حِجج
حجة / حجتّنا / حجتّهم
و كل هذه الألفاظ تصب في معنى الإتيان بالدليل لبيان الأمر و قطع سبل معارضته، فلا حج دون تقديم حجج فيما يريد المرء بيانه و لنقرأ بعض البلاغات القرءانية :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
البقرة:258
و نرى عرض الحجة القاطعة من إبراهيم في حصر ملك من ظنّ إتساع ملكه.
65. يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
66. هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
67. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
أل عمران
و من يتابع تاليا بلاغات القرءان يرى تعلق مشتقات الحج بتقديم الدليل و الحجة القاطعة لكل تعليق. و نرى ورود لفظ بنفس جذور الحج في القرءان و هو لفظ "حِج" بكسر الحاء لبيان خفاء الدليل في بيان حجج الأمر المقصود و أنّه ليس ظاهرا بيّنا بل ينبغي الغوص العميق بطريق غير مباشر لكشفه و سنقف لحظات مع هذا اللفظ للتمهيد لومضوعنا ، لنقرأ :
96. إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ
97. فِيهِ ءايَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمـَ ، وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا ، وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ؛ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ
98. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ
99. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
أل عمران
إنّ الأسماء في القرءان ليست ألقابا و مكّة و بكّة ليست وصفا للقب مكان بل وصفا لماهية نفس المكان و نفس هذا المكان يكون مكانا للصد و الكفر "مكّة" أو مكانا للحرية و الأخوة و العون "بكّة" فإختلاف بكّة و مكّة هو في الماهية و ليس في المكان ، فالجذر العربي (م ك) يدل في القرءان على الجذب الشديد و لنقرأ :
"و مكان صلاتهم بالبيت إلاّ مكاء و تصدية"
الأنفال:35
فغاية تفاعل هؤلاء القوم مع غيرهم من الناس غاية تجارية محضة فمن كان غنيّا امتصوا ماله "مكاء" و من كان فقيرا لا يقدر صدّوه عن البيت، فجعلوا البيت سببا للوصول إلى غايتهم .
أمّا الجذر (ب ك) يدل الفسحة و الطلاقة و الرحب فمكة مكان يحمل في داخله إمكان القهر و التسلط و الربط أمّا بكة فتحمل صفة الحرية و السعة ، فالبيت الذي وضعه إبراهيم التاريخي ليواصله إبراهيمـ إبنه اختار موضعه ليكون أرضا للبك فالأية تقول "للذي ببكة" و لم تقل "للذي في بكّة" و هنا نرى عمق الهندسة اللفظية في القرءان، فقد اختار إبراهيم مكان فيه السعة و الحرية و إحترام الأخر في إختياره دخولا أو مغادرة و في إختيار فكره و معتقده و منهجه و تحوّل المكان بفعل تقادم العهد و تحريف المفاهيم الإبراهيمية إلى مكّة :
"و هو الّذي كفّ أيديهم عنكم و أيديكم عنهم ببطن مكّة من بعد أن أظفركم عليهمـ ؛ و كان الله بما تعملون بصيرا (24)هم الذين كفروا و صدّوكــــــــــــم عن المسجد الحرامـ و الهدىَ معكوفا أن يبلغ محلّه؛ و لولا رجال مؤمنون و نسآء مؤمنات لمـ تعلموهم أن تطئوهم فتصبيكم منهمـ معرّة بغير علمـ ، ليدخل الله في رحمته من يشآء ؛ لو تزيّلوا لعذّبنا الّذين كفروا منهمـ عذابا أليما (25)"
الفتح
فاللقاء كان في بطن مكّة أين الكفر و الصد الذي بينت الأيات مفهوم مكّة فيه أمّا التعبير عن مكان إقامة هؤلاء في "مسجد حرامـ " بميم ناقصة فيعبر عن تاريخية المكان التي انطلقت منها دعوة إبراهيم ليتسع إذ القرءان ينفى أن يكون هؤلاء و سكنهم في مسجد حرام :
" و ما لهمـ ألاّ يعذبهم الله و هم يصدّون عن المسجد الحرامـ و ما كـــــــــانوا أولياءه؛ إن أولياؤه إلاّ المتقون و لكنّ أكــــثرهم لا يعلمون (34) و ما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكـــــــــــاء و تصدية ؛ فذوقوا العذاب بما كنتمـ تكفرون (35)"
الأنفال
هذه الأيات ترسم صورة الحدث التاريخي ثمّ تخرج الأيات من تاريخيتها لتعطيها بعدها الأزلي، فلا يمكن أن يسمّى مجتمعا كافرا رافضا للحرية أنّه يعيش في "مسجد حرامـ " و هكذا نأتي لنقطة هامة في القرءان و هو أنّ الأسماء فيه تخبر عن ماهية الأشياء و ليست ألقابا إصطلاحية تاريخية و نجد الأمر ينقلب في تسمية الأرض التي حلّ بها النبي الكريم رسولا، فمن قبل كانت "يثرب" رمز التثريب و الفقر و الإجهاد و العوز و الإنتحار الجماعي و تحولت بمجيئه إلى مدينة رمز الإستقرار و الدعة و الخير و الميثاق و الأخوّة. إنّ هذه الملاحظة من شأنها أن تفتح نوافذ في البحث القرءاني لمن يتتبع من جعله الأسلاف أسماء أعلام مختلفة و قد تكون تعبيرا عن نفس الشخص بماهيات مختلفة و نجد هذا الأمر واضحا في تسمية عاد التاريخية بـ "عاد الأولى" (النجم :50) ليدّل على أنّ أسماء القرءان ليست ألقابا. و عودا للأيات فقد يظن القارئ للأيات أعلاه أنّ إبراهيم هو أول إنسان بنى منزلا يسكن و الأية لم تقل هذا بل قالت أنّ ما أسسه إبراهيم "هو أول بيت وُضع للناس" فإبراهيم أسس هذا البيت للناس بخلاف الأبنية السابقة الحاصرة لأصحابها و مدعويّها. و لمنعن الأن في مفهوم لفظ "بيت" فالقرءان لم يسمّي ما أسسه إبراهيم منزلا و لا دارا و لا سكنا بل سمّاه بيتا و ووصفه محتواه :
ـ مبارك
ـ هدى للعالمين
المبارك هو من لا ينقطع عطاؤه و الهدى هو من ينقل إلى طريق الحل إشارة، فكيف تكون الأحجار حاملة لكل هذا و كيف ؟
إنّ المسألة تتجاوز الحجر فهي متعلقة بلفظ "البيت". فما هو البيت ؟
البيت هو مودع السر في مفهومه القرءاني و ليست الدار و المنزل و السكن الّذي يقطنه الإنسان إلاّ مثالا حسيّا للبيت من حيث حمل ساكنيه لأسرار بعضهم ممّا يُخشى كشفه. فما أسسه إبراهيم مكعبا في شكله المبسط السهل هو مودع السر في كوننا ، فهذا الشكل السداسي الوجوه يحمل عالم الحي و الميت في رمزيته و يكفي رؤية التناظر السداسي للبنات الأولية من كواركات و لبتونات في تناظرها السداسي في العالم الميت ليقف الإنسان متأملا في أن الكعبة حِج للنّاس من حيث شكلها و تكفي رؤية التناظر السداسي لجزيء الماء رمز الحياة في شكله الذري حين تصلّبه ليتم الربط بين هذا الشكل البسيط ووصفه بالبيت. هذا الشكل السداسي شعيرة إلهية تحمل سر العالم الميت و العام الحي و سيأتي يعض التفصيل في باقي البحث.
إنّ عبارة "و من دخله كان ءامنا" إشارة أنّ من كشف سر البيت سيدخل إلى بيت ءامن لا يمسه سوء و لا يلحقه فمن دخل البيت أمكنه المرور بين نقطتين من كوننا الفسيح دون أن يتفسخ جسمه عبر الأنفاق الجاذبية التي تنبأت بها نظرية الكم، و لا شك أنّ تجربة BELL تقول الكثير عن هذا الحدث و هي تسير بنا لتؤكد أنّ إنتقالنا في الكون الفسيح سيتم بعد تحكمنا في قوانين اللبنات الأساسية للوجود من كواركات و لبتونات و بوزونات و تأتي بقية الأية لتركز على هذا المعنى :
"ولله على الناس حِج البيت من استطاع إليه سبيلا ؛ و من كفر فإنّ الله غني عن العالمين"
إنّ إستقاء الحجج الخفية من البيت مودع السر ليست لكل أحد فهي غاية البحوث و كشف السنن التي تعبر عنه أداة "لـ " في لفظ "لله" الدالة على الغاية ، و هذا الكشف للخفاء السنني سبيل ، أي سير مستقيم كل خطوة فيه تؤدي إلى التي تليها، و بعد أن تصل الإنسانية إلى كشف السر فلتكفر إن شاءت و لتعلن الكفر و لتصح برفض الحقيقة القرءانية فلتعلم الإنسانية بعدها أنّ هذا الكشف ليس معناه إنهاء "الله" في الوجود فالله "غني عن العالمين". هذه العبارة تصوّر عظمة هذا الكشف الذي ستصل إليه الإنسانية.
لقد فهم الأسلاف أنّ الحج بكسر الحاء هو الحج بفتح الحاء و فهموا أنّ السبيل هو الطريق المؤدي إلى الحجاز و كل هذا لا حرج فيه و لكنّهم لم يستطيعوا فهم هذا المقطع :
"و من دخله كان ءامنا"
إنّ هذا المقطع لا يدل على الأمر بـتأمين المكان بل هو إخبار أن من دخل البيت فهوءامن، و التاريخ يشهد أن المكعب الحجري في الحجاز قد تعرّض إلى القصف و أنّ سكانه عرفوا الويل من سلطات متعاقبة و أشهرها هجوم جيوش عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير و هو متحصن بالحرم تم فيه قتله و قتل أتباعه و تدمير المكعب بالمنجنيق. فليس صحيحا أن من دخل إلى حارة المكعب كان ءامنا و المخابرات الفرنسة بعسكرها دخلته للقضاء على معتصم به مع أصحابه أسمته السلطة السعودية بالمهدي و الأحداث في لا أمن المكان معروفة.
هنا نرى تشابه ءايات القرءان من جهّة بمحدودية السقف المعرفي للقارئ و إن كانت الأيات نفسها تعطي في محتواها إشارات تجاوز قراءاتها في نصّها ، فما لم يجد القارئ إحكام الأية و تفصيل الأيات فقراءته لا تعدو أن تكون فرضية خاطئة تحتاج إلى تدقيق.
مقام إبراهيم استحقه بأن وضع بيتا لكل الناس. فإبراهيم التاريخي وضع لهم بناءا يحمل في طيّاته السر دون علمه بما يحوي و إنّما قاده حبّه للناس، كل الناس إلى وضع الحجر الأول الذي يجمعهم جميعا ليتحاجوا فيه قضاياهم كما سنرى. و إبراهيمـ الإبن بميمه الناقصة سيواصل وضع البيت ليتم بناء مقام إبراهيم منطلقا من شكل حجري مكعب إلى بحوث علمية لا تنبض ليتصل التأريخ بالتاريخ و يتصل إبراهيم بإبراهيمـ .
الحِج ينتظرنا و كل من تبع ملّة إبراهيم مضطر للدخول فيه فليس إتباع الأب إبراهيم إلا دخولا في محراب العلم و البحث و التساؤل و الرضا بالدليل و نكران الذات و التنازل عن القناعات حينما يظهر عوارها و بطلانها و هذا ما تصوره لفظة "حنيف"، و إتباع الأب إبراهيم هو إمتناع عن التصفيق دون قناعة "نصرانيا" و ليس رضا بما خلّفه الأسلاف دون النظر في بينّاته "يهوديا"، فمنهج الأب إبراهيم سبيل لا ينقطع يتجمع حوله الناس ليرتقوا و ذلك هو مقام إبراهيم ، فلفظ المقام يعبرّ عن الرفعة و العلو المستحقة بعد إقامة و قيام "عسى ربّك أن يرفعك مقاما محمودا".
و سنترك الحِج لندخل في الشق الثاني من جذر (ح ج) و أقصد به الحَج.
ما هي الحجج التي يدعو الحج لتقديمها و من هم المدعوون إلى الحج لتقديمها و ما هي آليات بيان هذه الحجج و من يتلقّاها؟ كل هذه الأسئلة من أس الحج و أساسه و دونها لا معنى لتسمية هذا التجمع بالحج و إذا عدنا إلى القرءان فسنجد سورة عنوانها "سورة الحج" و موضوعها الحج و يخطئ من يتصوّر أنّ إسم السورة عنوان إعتباطي بل العنوان هو موضوع السورة نفسها و كل جزء في السورة خادم لهذا الموضوع و سورة الحج ليس موضوعها النسك و لا الطقوس بل موضوعها آليات تقديم الحجج و بيان ماهية الحج ، لنقرأ :
25. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
26. وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
27. وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ
28. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ
29. ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ
30. ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ
31. حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ
32. ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ
33. لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
34. وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ
35.الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ
الحج
كل ءاية في القرءان برنامج بحث بحد ذاتها و تفصيل ءايات السورة برنامج أعسر منه عسر إخراج قروء القرءان، فالقرءان كتاب الإنسانية الدراسي في سيرها الكوني، و ما لم نصل إلى رؤية ءايات القرءان بمنظار مستقبلي فلن يفتح لنا القرءان أبوابه و سنبقى في عزلة الماضي نراوح الأطلال .
إنّ الأية 25 من سورة الحج تضع الإنسانية أمام ماهيتها الحقيقية فلا حدود جغرافية بينها و لا إكراه بينها في فكر أو معتقد :
"إنّ الّذين كفروا و يصدّون عن سبيل الله و المسجد الحرامـ الّذى جعلناه للنّاس سوآء العاكف فيه و الباد؛ و من يرد فيه بإلحاد بظلمـ نذقه من عذاب أليمـ"
الحج:25
فالّذين كفروا ممن بدءوا السير في طريق تعمية الحوار و تغطية الحقائق و طمسها إن أضافوا إلى سجلّهم الكفري الصد عن سبيل الله بالمشاركة في منع الأخرين من تحقيق سبيل الله الذي هو في القرءان سبيل حرية الفكر و المعتقد و النسك، و أضاف هؤلاء الذين كفروا إلى سجلّهم الصد عن "المسجد الحرامـ " بميمه الناقصة التي تدل على إتساعه و أنّه غير محصور بحد جغرافي، فالمسجد الحرامـ مرتبط بسبيل الله و أنّ كل أرض و شبر شاعت فيها الحرية فهي من المسجد الحرامـ ، فالمسجد الحرامـ كما سبق بيانه في بحوث أخرى مفهوم متعلق في المكان الذي يمتنع فيه الناس عن سفك دم غيرهم و الإفساد في الأرض و إن كان الناس اعتبروا المسجد الحرام مكانا محدودا جغرافيا فالقرءان وسعّه إلى كل بقعة ظهرت فيها الحياة و البشرية تسعد برؤية هذه الميم الناقصة في "المسجد الحرامـ ". فهذا المسجد الحرامـ مفتوح للجميع ممن قطن في حدوده "العاكف" أو جاءه ليقطن فيه مدّة ليغادره بعدها "الباد" ، و هو لا يقبل الصد عنه و لا الكفر فيه و لا يقبل أن يأوي من أتى إليه ظالما ليحتمي من ظالميه ، ففي معاني الإلحاد في القرءان معنى الإيواء و الإحتماء و الإختفاء و كل هذه الأطراف ممن يصد أو يكفر أو يحتمي من ظلمه فيه يطالب القرءان بعقابه "ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليمـ ".
إنّ الإنسانية في مفهومها القرءاني لا تحدّ سيرها الحدود الجغرافية و ما يحدها هي الحدود الأخلاقية من كفر و صد عن سبيل الله و صد عن المسجد الحرامـ و الظلمـ و حمايته أو إيواءه .
و يضعنا القرءان مع صورة تاريخية و لا يوقفنا القرءان في صورة التاريخية بل يجعلها متصلة بالميم الناقصة في إسم "إبراهيمـ "، و لا شك أنّ الشخص التاريخي الأول الذي تبوأ مكان البيت إسمه القرءاني إبراهيم و ليس إبراهيم لقبه، وهو من بدأ إعطاء الإنسانية مبادئ سيرها المستقبلي لتنفتح على منهج نفخ الروح فتبوأ إبراهيم للمكان جاء لسير إبراهيم في حنيفيته و أنّه لا يلتزم إلاّ بقناعته الآتية و لا يجعل الرب سببا في إشراك غيره في قناعته "أن لا تشرك بى شيئا" و ليس المكان في مفهومه القرءاني مختصا بالفضاء الجغرافي المتاح حصرا بل هو متعلق بالمرتبة و نقرأ في القرءان :
مكانا عليّا (مريم:57)
شر مكانا (مريم:75)
"و أصبح الّذين تمنوا مكانه بالأمس" القصص:82
فإبراهيم ينقل البيت من مرحلة إلى أخرى أعلى و أرفع "طهر بيتى" و هذا التطهير ليس غسلا إذ التطهير إنتقال من حالة إلى حالة أحسن و أعلى منها و تطهير البيت للآتية أسمآؤهم :
ـ الطآئفين : ممن أتى للحج فالطواف مفهوم متعلق بتتابع سير الأجزاء و من مشتقاته "طائفة" المعبرة عن جزء يسير و منه "الطوفان" المعبر بواوه عن تتابع سير الأمواج تتابعا مردفا و متاظما فالطآئفين هم الأتين من خارج البيت في مقابلة مع القآئمين
ـ القائمين : ممن يهتم بالأمر و يحرص عليه ممن يستقبل الطآئفين وهم بتعبيرنا المنظمّين
ـ الركع السجود : مفهوم الركوع متعلق بالخضوع عن طواعية و هو ما نعبر عنه اليوم بالتواضع فليس هناك في القرءان كائن يركع إلاّ الإنسان و الكائنات الأخرى تسجد خاضعة، و لمّا كان الركع في الأية مقابلا للسجد كان مفهومهم متعلق بالتشريع إذ السجد هم منفذي قرارات الحج فالسجود مفهوم متعلق بالخضوع و التنفيذ.
إنّ الأيات هنا تضع للحج أطيافه المشاركة :
ـ منظم المعبر عنه بالقآئم
ـ مشارك آت إلى البيت حاجا المعبر عنه بلفظ طآئف
ـ لجان نقاش و تشريع و هم الركع من الطائفين و القآئمين
ـ لجان تنفيذية تحرص على تنفيذ قرارات الحج المعبر عنهم بلفظ السجود
فما هي أفكار إبراهيم التأريخي و المتصل "إبراهيمـ "؟
"و أذّن فى النّاس بالحج يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27)
ليشهدوا منافع لهم و يذكـــــروا اسم الله فى أيامـ معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعامـ ، فكلوا منها و أطعموا البآئس الفقير (28)
ثمـ ليقضوا تفثهم و ليوفوا نذورهم و ليطوّفوا بالبيت العتيق (29) "
الحج
الإذن يعني السماح للناس لجميع الناس بالحج، فالحج هو سبب الإذن لتسريع الحركة و نرى المرور من "يأتوك" و "يأتين" لتدل الأولى على الإحاطة الزمانية و المكانية و لتدل الثانية على كل الأطياف من كل "ضامر". و هذا الإتيان غايته :
ـ أن يشهد الناس منافع لهم فيما يخص علاقتهم الإقتصادية الخاصة بالطعام و الرزق و توسيع مباحثه العلمية "ذكـــــر اسم الله" فذكر إسم الله هو إستحضار للسنن الكونية التي كُشفت من قبل و هذا النوع من الحج يمكن تسميته بالحج الغذائي الطبّي المختص في إيجاد التوازنات الغذائية على مستوى الإنسانية كلّها و تبادل الخبرات الطبيّة فعبارة "بهيمة الأنعامـ " تعبر ميمها المتصلة عن إتصال أجزاء الأنعام الثمانية :
ـ بروتينات
ـ ليبيدات
ـ فيتامينات
ـ سكريات
وصولا من تجمعها الذري إلى بلوغها أنعاما ظاهرة بتجمعها و إتصالها ببعضها من ضأن و بقر و خضار و فاكهة و غيرها مما تحفظ وجود الإنسان في الحيواة الدنيا، فما نراه أنعاما ظاهرة عيانا و ما نأكله ليس إلاّ أنعاما أولّية في علاقتها بنا.
هذا هو أساس فكرة الحج القرءاني في شقه الغذائي الطبّي وهو العمل على إتزان موارد العالم و البحث عن سبل تصفية المجاعة و الأوبئة الجماعية.
هذا هو محور هذا الحج الغذائي الطبّي و تتم فيه كذلك :
ـ قضاء التفث : حل الإشكالات العالقة
ـ وفاء النذر: الوفاء بالإتفاقيات السابقة المبرمة
و ليس هذا الحج إجتماعا ينقضي دون مراقبة بل يحتاج متابعة البرنامج ذهابا و إيابا و تحديد مواعيد مراقبة تطبيقه "وليطوّفوا بالبيت العتيق" ففي معنى الطواف كما سبق الإشارة إليه تتابع سير الأجزاء و ليس الحج مؤتمرا ينفض بقرارات دون متابعة بل إن شدّة "وليطوّفوا" تشير إلى تثبيت هذا الطواف فالأية لم تقل "ليطوفوا" و لو كان الأمر بالطواف لُفهم منه تتابع مراقبة البرنامج كيف و الأمر مشدد مركز مثبت. فالحج الغذائي الطبّي قرارات تُتابع و يراقب تنفيذها و تضبط مواعيد العودة لوضع النقاط على الحروف و يترك القرءان للناس سبل تشريعهم و يهديهم كي ينتبهوا إلى سبيل الحج لكي لا تنفرك حباله و يضيع الجهد و يتلاعب به المتلاعبون و أصحاب اللوبيهات. وجعل القرءان من يشترك في هذا الحج داخلا في سر من يشترك معه و أورد إسم البيت لفعل الطواف ليعبر أنّ المشتركين أصبحوا عائلة واحدة تجمعهم أواصر حفظ السر ممن يُخشى إذاعته من هيئة كشفت عوزها للملأ و أبانت ضعفها ، و غيره ممّا يعلم أهل البيت من الطوّافين عرفا أن لا يجوز إذاعته ، و زاد القرءان هذا التجمع وصفا بإرتباط أعضاءه بلفظ "العتيق" الدال على الإلتصاق. و نجد في القرءان العبارات التالية مع لفظ البيت من قبيل :
عند بيتك (إبراهيم:37)
في بيتها (يوسف :23)
و نرى أنّ المقصود بعبارة "وليطوّفوا بالبيت العتيق" لا يدل على الحركة الدائرية حول الشكل المكعب إذ لو كان القصد هو هذا لأتت أداة "حول" بدل أدة "بـ " للتعبير عن هذه الحركة و لكن أداة "بـ " تعبر عن سبب الطواف المكرر المثبت، إنّ هذا الطواف ذهابا و إيابا و تكرارا لمناقشة تفاصيل التنفيذ و تبادل وجهات النظر حول سير التنفيذ و عراقيله سببه أنّ الطآئفين أصبحوا عناصر في البيت بما يحملون من متابعة لتفاصيل الأحداث و تفاصيل التنفيذ. و من باب الإعتراف بالجميل للنبي الكريم إبراهيم لمن يصدّق بوجوده التاريخي الوقوف أمام الكعبة الحجرية التي بناها ليرسموا أحدية السير الإنساني في أهدافه السامية و ليعترفوا للأب ليدخلوا في إسم إبراهيمـ ، و ليس عيبا و لا إثما أن يدور المرء على الكعبة رافعا صوته إن كان مصدّقا بيوم الحساب بعبارة :
"لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد و النّعمة لك و الملك، لا شريك لك"
و يرسموا بحركتهم الدائرية أحدية السير الإنساني مهما اتسعت الدائرة.
و يأتي القرءان ليرسم الحدود الأخلاقية لهذا التجمع الإنساني :
ـ تعظيم حرمات الله : هي تعظيم قضايا سفك الدماء و الإفساد في الأرض في بيت حرامـ و أنّ جميع المحادثات ينبغي أن تسيج ضمن هاته الحرمات ، و تؤكد الأية أنّ هدف الحج في الحوار حول مصادر الرزق و الطب لا ينبغي أن يحدد وفق مبادئ عقائدية لكل طرف بفرض ما يجوز له تناوله أو لا يجوز فالقرءان ينيبه أنّ المحرم تناوله هو ما ذُكر و تلي في القرءان و هو أربعة أصناف :
ـ ما لم يذكر إسم الله عليه : أي ما أثبت التجربة و العلم ضرره
ـ الميتة : ما سقط ميتا لوحده دون أن يُذكى وهو ليس الميتّة بشد التاء الذي يعني من أُميت
ـ الدم المسفوح : فهو شعاع نقل للمرض
ـ لحم الخنزير : و هو كل لحم بهيمة قسى و اختلط في داخل البهيمة و كثرت أوكسيداته بهرمه أو طبيعة فيه و ليس الخنزير بهيمة بعينها.
فالحوار في إيجاد ميكانيزمات توزيع الغذاء و الدواء على المحتاجين و منع إنتشار المجاعة لا ينبغي أن يكون وفق عقيدة أحد بل وفق أدلة واضحة و لذلك فالقرءان يكرر التنبيه :
ـ إجتناب الرجس من الأوثان : و هو الكلام المختلط الذي لا دليل عليه و لا حجة في تحريم نوع طعام و الأوثان هنا هي المؤسسات التي تفرض رؤيتها بقوّتها الإعلامية و الولائية بل علينا أمام هذه الولبيهات :
ـ إجتناب قولــــــــ الزور : هذا القول الصيرورة في تلفيق الأخبار و الأحداث و الأزمات لتمرير مشروعات معيّنة.
و هنا يأتي القرءان ليرسم أليات الحج و المحاججة فهي :
ـ حنيفية من دون شرك: فلا ينبغي في الحج أن يخضع لغير قناعته و ليس له أن يتبع مؤسسة بعينها إلاّ إن كانت تمثله و أنّ حرية كل فرد مضمونة سننيا فليس هناك إشراك بين إرادة الإنسان و مشيئته أي عائق و تمّ بحث هذا الأمر بتفصيل في موضوع "الشرك و أنشودة الحرية في القرءان" فليرجع إليه من شاء.
بل إنّ القرءان يطالبنا بالتنازل عن قناعاتنا العقائدية إن ثبت بطلانها بالدليل الدقيق فتعظيم شعآئر الله هو جعلها حاوية لقناعتنا و ليست محتواة فيها و كعادة القرءان يأمرنا بإحترام قناعات الأخرين العقائدية و إن لم نوافق عليها فمن جهة يدعو كل طرف أن لا يفرض عقيدته في تناول الغذاء و الدواء على الأخرين ينبه كل الأطراف أن تحترم قناعات بعضها :
"لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعامـ "
فرض قانون يسري على الجميع و سعة صدر في إحترام خصوصية الأخر وهذا هو مفهوم النسك فهو يدل على خاصية الأمر ، فلكل أمّة نسكها في تناول الطعام فلا يُفرض على سكان أرض الجزيرة الحزيران أو ما نسميه "الخنزير" و لا يُفرض على سكان الشام ما يتاوله سكان الصين من حشرات و غيرها في حال أُريد مساعدتهم. و مع ذلك يقول القرءان :
" فإلهكمـ إله واحد فله أسلموا ، و بشر المخبتين"
فالسنن واحدة على الجميع و ما لا يقتل الصيني من المفروض أن لا يقتل الشامي و الأذواق مهما تنوعت فليس هناك أمثل من التنازل فيما لا ضرر فيه " وبشر المخبتين"
و هذه خصائصهم :
"الّذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و الصّابرين على مآ أصابهم و المقيمى الصّلواة و ممّا رزقناهم ينفقون "
الإذعان للدليل السنني "إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم"
و الصبر على ما حلّ بهم و القبول بالحلول و إن رأوا أنّ ما حلّ بهم بفعل فاعل
و إقامة الصلواة مع غيرهم بالتفاعل دون تعد و لا تجاوز
و المنفقين في حال الرخاء
هذه أفكار الحج الغذائي الدوائي الأساسية و أهمها البحث في توازن غذائي عالمي و حوار حول آلياته و كل ضامر في هذا الكون له حق الغذاء و من واجب الأمم أن تجد وسيلة لإعانته و أن يقدّم كل واحد حججه لإحداث هذا التوازن.
و أساس سورة الحج هو آليات عرض الحجج ، فهو بوتقة عرض الحجة و كيفيتها و سورة الحج فيها كل هذه المعاني . و فيها آليات الحج الفكري:
ـ "و من الناس من يجادل في الله بغير علمـ و يتبع كل شيطان مريد" الحج:3
ـ "و من الناس من يجادل في الله بغير علمـ و لا هدى و لا كتاب منير" الحج:8
ـ "و من الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، و إن أصابته فتنة انقلب على وجهه" الحج:11
و سندخل الأن تفاصيل الحج الفكري و لنقرأ :
"و إذ ابتلى إبراهمـ ربّه بكلمات فأتمهنّ، قال إنّي جاعلك للناس إماما، قال و من ذريتّى ؟؟؟ قال لا ينال عهدى الظالمين (124) و إذ جعلنا البيت مثابة للناس و أمنا واتخذوا من مقام إبراهمـ مصلّى، و عهدنا إلى إبراهمـ و إسماعيل أن طهرّا بيتى للطآئفين و العاكفين و الركــــــــــــع السجود (125) و إذ قال إبراهمـ ربّ اجعل هذا بلدا ءامنا وارزق أهله من الثمرات من ءامن منهم بالله و اليومـ الأخر، قال و من كفر فأمتعه قليلا ثمّ أضطره إلى عذاب النّار، و بئس المصير (126) و إذ يرفع إبراهمـ القواعد من البيت و إسماعيل ربّنا تقبل منّا، إنّك أنت السميع العليمـ (127) ربّنا و اجعلنا مسلمين لك و من ذريتّنا أمة مسلمة لك و أرنا مناسكنا و تب علينا، إنّك أنت التوّاب الرّحيمـ (128) ربّنا و ابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءاياتك و يعلّمهمـ الكتاب و الحكمة و يزّكيهم؛ إنّك أنت العزيز الحكيمـ (129) و من يرغب عن ملّة إبراهمـ إلاّ من سفه نفسه؛ و لقد اصطفيناه في الدّنيا وإنّه في الأخرة لمن الصالحين (130) إذ قال ربّه أسلم؛ قال أسلمت لرب العالمين (131)"
البقرة
إمامة إبراهيم أتت بعد مطالبته بإتساع معرفته بكلمات، و الكلمة في القرءان هي الموجود و الكلام هو Information و هذه الكلمات هي الموجودات التي منها حاول إبراهيم فهم سر الحيواة . إنّ إبراهيمـ بميمه الناقصة يدل على جزء الإنسان الباحث عن سر الحيواة و همزته الخفية "إ" بكسرتها تعبر عن خفاء هذه الجزء الباحث فينا سواء كان في "أرني كيف تحيي الموتى" أو في "فنظر نظرة في النجوم" ففي كلا السبيلين هدف البحث عن الحيواة و سرّها و نجد معاني الحيواة في إسم "مريمـ " و "بن مريمـ " في ءايات القرءان راسمة سر نشوء اللولب من لولب واحد دون تزاوج جزئي الذكر و الأنثى و كنّا بحثنا عن ماهية كتاب الميم في موضوع "حفريات في كتاب الميم القرءاني" و هناك خلصنا إلى تعلّق الميم بمفهوم الحيواة.
إبراهيم الأب هو من بدأ تجريبيا في البحث و سير إبراهيمـ لفهم سر الحيواة جاء بتعدد كلمات الوجود التي لاحظها و إلى الأن يلاحظها إبراهيمـ وسيبقى يلاحظها إذ لفظة "كلمات" ترسم إنفتاح اللفظ على المجهول ففي كل طور ستظهر كلمات جديدة و يخرج الخفاء الذي يخفي الخفاء بكسرتين من نفس الكلمات الأولى و نسأل الأن حسب سياق الأية :
ما معنى إتمام الكلمات ؟ و من أتمّ الكلمات ؛ إبراهيم أم الرب ؟
إنّ الرب هو من أتمّ الكلمات فمهما ظنّ إبراهيم و إبراهيمـ أنّ في الكون نقص أو زيادة أو فوضى فظنّه سيخيب و سيصل إلى قناعة كمال الخلق في هذا الكون ليدرك أن لا شيء وُضع عبثا و كل شيء وُضع لتخرج الحيواة في هذا الكون و يولد هذا الإنسان، و لكن التساؤل بالبحث التجريبي هو من جعل إبراهيم إماما ، فالإبتلاْء هو وقوف أمام حاجز تقابلا قد ينجح المرء في إجتيازه أو يرجع القهقهري ليعاود الكرّة و لذلك قلت أنّ البحث التجريبي بدأ من هنا من إسم إبراهيم التاريخي الذي ينتظرنا لكشف لقبه بالبحث الأركيولوجي أو البحث الوثائقي في ذاكرة من احتفظ باللقب على أنّ من شرط هذا البحث أن يُخرج لقب شخصية اهتمت بالبحث التجريبي.
و لنسأل الأن ما هي الكلمات التي تخرج الحيواة و التي ابتلي بها إبراهيمـ ليصل إلى القناعة بالإتمام ، لنقرأ :
"و إذ قال إبراهمـ ربّ أرنى كيف تحى الموتى ؟
قال أو لم تؤمن؟
قال بلى و لكن ليطمئنّ قلبى،
قال فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إليك ثمـ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا ثمّـ ادعهنّ يأتينك سعيا؛
واعلم أنّ الله عزيز حكيم"
البقرة:260
عجيب أمر هذه الأية، و أعجب منها أن لا يقف القارئ متسائلا، لماذا أربعة من الطير و ليس خمسة ؟ لماذا لم يحدد عدد الجبال، ثم لماذا تفريق الأجزاء إلى أجزاء ووضعهن على كل جبل ؟
القرءان هو إسقاط الكون و دون دراسة الكون لا يمكن أبدا أن تستقر أنباء القرءان بل جدلية الكون و القرءان هي وحدها التي ستسمح لنا بمواصلة الرحلة في توازن و تناسق لا تغيب فيه إنسانيتنا، فماذا قال الراسخون في العلم في الطيور الأربعة ؟
لحسن حظّنا أن بلغنا مشارف القرن العشرين لنسمع واتسون و كريك في كشفهما للبنات الجينوم الإنساني بكلماتها الأربعة :
AGCT
و هذا هو الشكل الذي يوّضحها و أترك للقارئ الرجوع إلى الدراسات البيولوجية المختصة ليرى التفاصيل بنفسه :
و نرى أن الطيور الأربعة لا تجتمع عفويا :
A – T
C – G
إنّ ظهور الحي بتزواج لولب ذكري و أنثوي يحدث بأعجوبة كبيرة تحتاج إلى وقفة. فلو أخذنا جزء لولب ذكري يحوي هذه السلسلة :
ACGTTATACCA
و نعلم أنّ مقابل هذه السلسلة في الجبل المقابل هو :
TGCAATATGGT
و يكفي أن نعرف سلسلة جبل لنعرف سلسلة الجبل المقابل لكن كيف يجتمع جزء لولب ذكري مع لولب أنثوي ؟
كيف يجتمع :
ACGTTATACCA
مع :
ATTGGCATAAT
مثلا ؟
إنّ ما سيخلق اللولب الجديد الحامل لسلسلة المخلوق الجديد الناتج عن تزواج هذين الجزئية يرسمها لفظ "صرهن" الدال على تصوير الأجزاء لتركيب كل سلسلة تركيبا جديدا ليتواءم اللولبان و يخرج اللولب الجديد، أليس هذا ما يقوله البلغ القرءاني :
"قال فخذ أربعة من الطير فصرهنّ إليك ثمـ اجعل على كلّ جبل منهنّ جزءا ثمّـ ادعهنّ يأتينك سعيا"
الدعوة هي تحضير لشروط التقابل بزرع
RNAm
إذ الدعوة ليست إقامة، فالإنسان لا و لن يستطيع التدخل في البناء البيكومتري للجزئيات الجينية و لكنّه يستطيع توفير شروط إحداث التقابل دون أن يتدخل بعدها، و نرى أنّ هذا العمل يحتاج سيرا طويلا لتصل إليه الإنسانية بدليل أداة "ثمّـ " ، و نرى أنّ الأجزاء هي التي تأتي سعيا لوجود آلية إحداث إعادة التركيب في كل جبل.
و قبل الذهاب بعيدا علينا أن نقف قليلا لنبرر إختيارنا لدليل الطير و الجبل.
الطير في القرءان مفهوم متعلق بمن له القدرة على الإنفصال من مراكز جذبه، و ليس الطير الذي يعرفه الناس إلاّ مظهرا من مظاهر هذا المفهوم الشامل و نقرأ في البلاغ القرءاني :
"و ما من دآبة فى الأرض و لا طآئر يطير بجناحيه إلاّ أمم أمثالكم؛ ما فرطنا في الكتاب من شيء؛ ثمّـ إلى ربّهم يحشرون"
الأنعام :38
فعبارة "بجناحيه" تشير إلى معنى خاص للطائر لا يرسمه لفظ "طآئر" لوحده، فليس لكل طائر جناحين. و لنقرأ :
"فإذا جاءتهمـ الحسنة قالوا لنا هذه، و إن تصبهم سيئة يطيرّوا بموسى و من مّعه، ألا إنّما طآئرهم عند الله و لكنّ أكـــــــــثرهم لا يعلمون"
الأعراف:131
و أمّا الجبل فمفهومه متعلق بثباث ماهية الشيء ظنّا ممن يراه ، و أقرب مشتقات الجبل في القرءان :
جِبِّلاّ (يس :62)
الجِبّلّة (الشعراء :184)
و كلّها تدل على تصور ثباث الشيء مع أنّه لم يكن أزلا بصورته بل مرّ بأطوار و مراحل، و المعنى المعروف للناس في لفظ جبل بصخوره و قممه يصب في هذا المفهوم فمن يراه يظنّ أنّه هنا من الأزل و الأمر ليس كذلك بل قد مرّ بأطوار جيولوجية حتّى استقر على وضعه و سينقلب إلى شيء أخر عندما تتغير الشروط.
الطيور الأربعة هي لبنات الحينوم الإنساني و بهذا أقرأ القرءان إذ قروء الكون هي بيان قروء القرءان و بهدى القرءان يتم البدء قلما في البحث الكوني فأحدهما وقود الأخر، و ليس الأمر متعلقا بحدث تاريخي انتهى يقص القرءان تفاصيل أحداثه من تبعيض لطير السنونو مثلا و جعله أجزاءاه على جبل أور ثم الصياح لتجتمع الأجزاء و ينقلب الطير حيّا يُرزق !!!!!!
إنّ من يفهم القرءان بهذه الصيغة لم يدرك بعد أن ليس في القرءان معجزات بل ءايات و سنن كونية و يستحيل أن يحدث خرق لسنن الكون فالله هو المهيمن على الكون سننا جارية على الجميع و بنفس الأسلوب .
إنّ القرءان يصيغ الأحداث التاريخية قولا فإبراهيم التاريخي سأل و بدء البحث التجريبي و إبراهيمـ سيواصل الطريق و ها هو قد وصل إلى كشف الطيور الأربعة و هو الأن يسير نحو "صرهن إليك" فأسماء الأنبياء كما سبق الإشارة إليه في بحث كتاب الميم القرءاني هي تلبسات تاريخية لأجزاءنا الجينية فالقرءان لا يؤرخ لشخص لقبه إبراهيم بل يؤرخ لجدلية الإنسان و الكون و ليست أسماء الأنبياء ألقابا بل حوامل لكل أجزاءنا الروحية و هذا الكلام لا ينفي وجود إبراهيم التاريخي الذي نجهل لقبه و لا وجود غيره من الأنبياء.
و كما اجتمعت لبنات الجينوم الإنساني لصنع الإنسان ستجتمع لبنات أخرى لتتشكل ثانية بماهيته الدنيوية و الأخروية و قراءة هذه الأية إبتداءا بالباحث الأول إبراهم مرورا بإبراهمـ في التاريخ الإنساني كلّه هو من يعطي إرتفاع القرءان عن الزمن ، و هو من يضع من يريد الإقتناع أنّ "كما خلقناكم تعودون". فالبحث في خروجنا للحساب ليس بحثا لاهوتيا بل بحثا في سنن الكون الدالة قولا على رجوعنا و هذا القرءان لا يتحدث مطلقا بمنطق اللاهوت و المسلمات بل بمنطق البحث الكوني . فليس الدين في القرءان THEOLOGY بل الدين هي مجموعة الشروط بين مدين و مدان، و معرفة بنود الشروط تبدأ بالبحث الكوني و تننهي به. فالإيمان "أو لم تؤمن" متعلق بالإطمئنان الذاتي العميق و الشعور بالأمن التام في هذا الكون الفسيح، أمن نابع من أنّ النهاية بداية و أن زوال الجسد سيعقبه عالم أفسح و تصور عبارة " بلى و لكن ليطمئن قلبى" إستحالة الإيمان و تسليم الذات لحقيقة دون رؤية الدليل الموضوعي و هذا هو القرءان يوضح لمن يقتنع بمسلماته دون بحث أن لا شيء إسمه مسلمات.
و لنعد الأن لموضوع الأيات بعد هذه الفسحة القرءانية.
مقام إبراهمـ مرتبة بلغها من منطلق بحثه و ليس النسب شرطا لمواصلة حمل المشعل :
" قال و من ذريتّى ؟؟؟ قال لا ينال عهدى الظالمين "
عهد إمامة الناس لا يكون لظالمين إذ يستحيل أن يجتمع الناس حول من ظلمهم .
"و إذ جعلنا البيت مثابة للناس و أمنا واتخذوا من مقام إبراهمـ مصلّى، و عهدنا إلى إبراهمـ و إسماعيل أن طهرّا بيتى للطآئفين و العاكفين و الركــــــــــــع السجود"
التطهير مفهوم متعلق بالإنتقال من حال إلى حال أرفع و أعلى فكيف يطهر البيت ظالم و هو فاقد لصفة القدرة على التطهير و كيف سيستقبل الطآئفين ممن ظلمهم و العاكفين ممن سكنوا البيت و هو جائر في حقّهم و كيف سيستطيع تجميع المتحاجين و هو فاقد للحياد و علّو النظر.
بداية جعل البيت مودع السر مثابة للناس و أمنا بدأ في صرف القوى الظالمة عنه بجعله في وسط صحراء قاحلة لا يأتيها إلاّ المظلومون ليبدأ السير و التفاعل بين الناس دون أن منع أو إجبار من القوى الكبرى الظالمة ، و هي دعوة لإتخاذ مستوى إبراهيم "مقاما" الذي بلغه بمبادرته للحج أذانا و تنظيما أن تنطلق منه الإنسانية لتتفاعل و تبنى "مصلّى". فمقام إبراهم الذي بلغه هو أرضية صلاتنا و منه المنطلق.
و ها هو إبراهيمـ يصيغ أمال إبراهيم قولا و إن لم يفكر بها إبراهيم التاريخي الأول :
ـ إقامة البلد الأمن لكل الناس بمختلف مشاربهم
ـ توحيدهم في مشروع مشترك لتحريك القواعد منهم، فالقواعد هنا ليست أساس بناء المكعب بل هم القواعد ممن قعد عن الحركة و العمل و تكاسل و ارتخى ليرفع همتّه فالأية تقول "القواعد من البيت" و ليس "قواعد البيت" حتى لا يلتبس الفهم فإقامة البيت مشروع بذاته لتحريك القواعد و الكسالى في مشروع الإنسان المرتقي نحو عون أخيه و تأمينه و إقامة الصلواة معه.
ـ تلاوة الأيات الكونية والصحفية و تعليم الكتاب لإقامة العلاقة بين الكتابين بإكتساب الحكمة و هي وسائل الحكم على الأشياء. فهذه الدعوة تتجاوز دعوة إبراهيم التأريخي و لكنّها تصب في دعوة إبراهيم المفهومي.
و سيبقى تأسيس البيت في شكل سداسي محيرّا لكل ذي بال مع بساطته المعمارية.
إن من يسير في حج إبراهيمـ بصلاته مع الأخر و عليه و إقامة الصلواة معه يستحق أن يكون صالحا لنسخه ثانية يوم الحساب ليواصل رحلة الحج في جو أرحب و أوسع "و إنّه في الأخرة لمن الصالحين". و هذا الحج الفكري الذي دعا إليه إبراهيم الناس هو سبيل الإنسانية التي تريد أن ترتفع مكانا و مقاما و ندخل الأن في الفرع الأخير من الحج و هو الحج المالي الإقتصادي فيما ظنّه الناس طقوسا و حصروا فيه الحج لنغوص في بلاغات القرءان ، لنقرأ :
"و لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل و تدلوا بها إلى الحكّامـ لتأكـــــــلوا فريقا من أموال النّاس بالإثمـ و أنتمـ تعلمون (188) يسألونك عن الأهلّة، قل هي مواقيت للنّاس و الحج، و ليس البرّ أن تأتوا البيوت من ظهورها و لكنّ البرّ من اتّقى، وأتوا البيوت من أبوابها؛ واتّقوا الله لعلكـــــــــــــــم تفلحون (189) و قاتلوا فى سبيل الله الّذين يقاتلونكمـ و لا تعتدوا؛ إنّ الله لا يحب المعتدين (190) و اقتلوهم حيث ثقفتموهم و أخرجوهم من حيث أخرجوكم؛ و الفتنة أشد من القتل؛ و لا تقاتلوهم عند المسجد الحرامـ حتّى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم، كذلك جزآء الكافرين (191) فإن انتهوا فإنّ الله غفور رحيم (192) و قاتلوهم حتّى لا تكون فتنة و يكون الدّين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين (193) الشهر الحرام بالشهر الحرامـ و الحرمات قصاص؛ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم؛ و اتقوا الله و اعلموا أنّ الله مع المتّقين (194) و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة و أحسنوا إنّ الله يحب المحسنين (195) و أتمّوا الحج و العمرة لله؛ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى؛ و لا تحلقوا رءوسكمـ حتّى يبلغ الهدى محلّه، فمن كان منكم مّريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صّيامـ أو صدقة أو نسك؛ فإذا أمنتم فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى؛ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيامـ في الحج و سبعة إذا رجعتم، تلك عشرة كاملة، ذلك لمن يكن أهله حاضرى المسجد الحرامـ ؛ و اتقوا الله و اعلموا أنّ الله شديد العقاب (196) الحج أشهر معلومات؛ فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفث و لا فسوق و جدال في الحج، و ما تفعلوا من خير يعلمه الله، و تزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى، و اتّقون يا أولى الألباب (197) ليس عليكـــــــــــــم جناح أن تبتغوا فضلا من ربّكــــــــــــــم؛ فإذا أفضتم من عرفات فاذكــــــــــروا الله عند المشعر الحرامـ ، و اذكـــــــــــروه كما هداكــــــــم و إن كـــــــــــــنتمـ من قبله لمن الضّالين (198) ثمّـ أفيضوا من حيث أفاض النّاس و استغفروا الله؛ إنّ الله غفور رحيمـ (199) فإذا قضيتمـ مناسككــــــــــم فاذكروا الله كذكركمـ ءابآءكم أو أشد ذكـــــــــــرا، فمن النّاس من يقول ربّنا ءاتنا في الدّنيا و ما له في الأخرة من خلاق (200) و منهمـ من يقول ربّنا ءاتنا في الدنيا حسنة و فى الأخرة حسنة و قنا عذاب النّار(201) أولئك لهمـ نصيب ممّا كسبوا؛ و الله سريع الحساب (202) واذكــــــــــــروا الله فى أيامـ معدودات؛ فمن تعجّل فى يومين فلا إثم عليه و من تأخر فلا إثم عليه؛ لمن اتّقى، و اتّقوا الله واعلموا أنّكــــــــم إليه تحشرون (203) ومن الناس من يعجبك قوله في الحيواة الدنيا و يُشهد الله على ما فى قلبه و هو ألدّ الخصامـ (204) و إذا توّلى سعى فى الأرض ليفسد فيها و يهلك الحرث و النسل و الله لا يحب الفساد (205) و إذا قيل له اتّق الله أخذته العزّة بالإثمـ ، فحسبه جهنّم؛ و لبئس المهاد (206) و من الناس من يشرى نفسه إبتغآء مرضات الله، و الله رءوف بالعباد (207) يأيها الناس ادخلوا في السلم كآفة و لا تتّبعوا خطوات الشيطان؛ إنّه لكم عدو مبين (208)"
البقرة
أنصح القارئ أن يمعن النظر لوحده في الأيات قبل أن يواصل قراءة الموضوع و أن يغوص فيها بمفرده.
يتبع
إبراهيم بن نبي--------------------------------------------------------------------------------