المسيحية والإسلام... دين واحد وشرائع شتى
بقلم: الدكتورة لينه الحمصي
الله أرسل رسله وأنبيائه إلى الناس مبشرين ومنذرين ، يدعونهم إلى عبادة الإله الواحد الأحد ، ومكارم الأخلاق ..
فالرسالات السماوية ، وخاصة منها " المسيحية والإسلام " هي المنهج الذي ارتضاه الله تعالى للإنسان من أجل سعادته في دنياه وآخرته ، وهي جميعها إخوة لأب ، دين واحد وشرائع شتى ( أحكام تشريعية تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص ) ، فجميع الأنبياء دعوا إلى عقيدة واحدة ( دين واحد ) ومضمون هذه العقيدة هو الإيمان بالله ووحدانيته ، وباليوم الآخروالخيانة والجنة والنار ، بالإضافة إلى دعوتهم إلى الالتزام الخلقي من عمل الخير ، والابتعاد عن الشر ، فجميع رسالات السماء تستنكر القسوة والظلم والكذب والخيانة والغدر والنفاق والأنانية ، وتحض على الإحسان والعطف والرحمة .
قال تعالى في كتابه الكريم : } شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ { [ الشورى : 42 / 13]
وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً الصلة بينه وبين الأنبياء والرسل قبله ، جاعلاً العلاقة بينهم علاقة تتميم وتحسين ، لاتقويض ولا تهديم : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فحسّنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ، ويقولون : هلاّ وضعت هذه اللبنة ؟ قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " – أخرجه البخاري –
وقال أيضاً : " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلات ( إخوة لأب ) أمهاتهم شتى ودينهم واحد " - أخرجه البخاري –
وهاهو ذا المسيح عليه السلام يؤكد على وحدانية الله تعالى وإرساله إيّاه برسالة المسيحية ، فقد ورد في الأناجيل الرسمية المعتمدة من قبل المسيحيين مايلي :
فقد قال مخاطباً ربّه : " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي ، ويسوع المسيح الذي أرسلته " [ إنجيل يوحنا 17 / 3 ]
" وإذا واحد تقدم وقال له : أيها المعلم الصالح ، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ، فقال له : لماذا تدعوني صالحاً ، ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله " [ إنجيل متى19/16 ، 17 ]
وقال المسيح أيضاً : " أنا لاأقدر أن أفعل من نفسي شيئاً ، كما أسمع أدين ، ودينونتي عادلة ، لأني لاأطلب مشيئتي ، بل مشيئة الذي أرسلني " [ إنجيل يوحنا 5/ 30 ]
أما اشتراك المساحية والإسلام في الالتزام الخلقي ، والدعوة إليه ، فنراه جلياً واضحاً في آيات القرآن الكريم ، والأناجيل المعتمدة .
فكلا الرسالتين تدعوان إلى السلام والمحبة والعطف والرحمة والرأفة والعفو والمغفرة .
قال تعالى في القرآن الكريم : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ { [ البقرة : 2/ 208 ]
وورد في الإنجيل على لسان المسيح عليه السلام : " طوبلى للمساكين بالروح ، لأن لهم ملكوت السموات ، طوبى للرحماء لأنهم يرحمون ، طوبلى لصانعي السلام ، لأنهم أبناء الله يدعون " [ إنجيل متى 5/ 2 - 9 ]
وقال محمد صلى الله عليه وسلم : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " – أخرجه مسلم –
وقال تعالى في كتابه الكريم : } إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ { [ الحجرات 49 / 10 ]
وقال أيضاً : } وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ { [ البقرة 2 / 195 ]
وقال محمد صلى الله عليه وسلم : " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" – أخرجه البخاري –
وقال أيضاً : الخلق كلهم عيال الله ، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله " – أخرجه الطبراني-
وورد على لسان المسيح عليه السلام في الإنجيل : " وصية جديدة أعطيكم إياها ، أن تحبوا بعضكم بعضاً ، كما أحببتكم ، ولسوف يحب الواحد منكم الآخر ، وبهذا سيعرف كل الناس أنكم تلاميذي ، إذا ما أحب الواحد منكم الآخر " [ إنجيل يوحنا 13 / 34 ، 35 ]
وقال أيضاً : " سمعتم أنه قيل تحب قريبك ونبغض عدوك ، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ، ويطردونكم ، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات " . [ إنجيل متى 5 / 43 ، 45 ]
إن الرسالات السماوية بما فيها المسيحية والإسلام هي خير خالص مرسل من رب السماء إلى عباده ، كما يرسل اليث إلى الأرض الجدباء فتهتز وتثمر ، وتنبت من كل زوج بهيج ، وحيث أتت رسالات السماوات مكمّلة بعضها بعضاً ، كان لابد لرسالة الإسلام الخاتمة لجميع الرسالات السماوية من أن تستوعب أصول هذه الرسالات جميعها ، وتتحدث عن قدسية أنبيائها ورسلها أجمعين ، وتعدّ الإيمان بهم أصلاً من أصول الإيمان بها ، إذ إنهم جميعاً يأخذون من مشكاة واحدة .
قال تعالى في كتابه الكريم : } قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{ [ البقرة : 2 / 136 ]
وهاهي ذي رسالة الإسلام تشيد أيضاً بالمسيح عليه السلام ، نبي الرحمة والمكرمة ، مقدسة له ولأمه العذراء البتول الطاهرة ، بل ولعائلته جمعاء ، وذلك في أماكن عديدة من القرآن الكريم ، كما خصصت سورتين كاملتين ، أسمتهما باسم عائلة المسيح عليه السلام ، وهي سورة مريم ، وسورة آل عمران .
وهاهو ذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم يذكر المسيح بالاحترام والتبجيل ، ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام : " من شهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق والنار حق ، أدخله الله الجنة على ماكان من العمل " – أخرجه البخاري –
إن هدف الرسالات السماوية هو ربط الناس بعضهم ببعض برباط المودة والأخوّة، مادامت وجهتهم جميعاً إلى رب واحد ، وأن أي تصور لأية رسالة سماوية يقوم على غير هذا المفهوم ، هو تصور خاطئ يضلل الناس عن حقيقة تلك الدعوة السمحة .
ولذلك فإن أكثر ما وقع بين أصحاب الرسالات السماوية من شقاق ونزاع وقتال ؛ إنما مردّه إلى سوء فهم أتباع هذه الرسالات السماوية لحقيقة رسالتهم ، والتي هي في الحقيقة تصديق للرسالة الأخرى وإكمالها .
وربما يكون هذا نتيجة لتسلط الأهواء والشهوات ، التي يجد أصحابها في الدين سلطاناً متمكناً على الناس ، فيدعونهم باسم الدين ، إلى ماللدين منه براء .
ولدلك فإن على المسلمين – انطلاقاً من مفهوم قرآنهم وسنة نبيهم – أن يمدّوا يد الإخاء والتعاون للمسيحية والمسيحيين ، يخاطبونهم طبقاً لما جاء به قرآنهم الكريم :
} وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ { [ العنكبوت 29 / 46 ]
وقوله تعالى : } ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {[ النحل :16 / 125 ]
وهذا ماكان من حاطب بن بلتعة ، عندما أرسله النبي r إلى المقوقس ملك مصر داعياً إياه إلى الإسلام ، قائلاً له : " ولسنا ننهاك عن دين المسيح ، ولكننا نأمرك به ".
وهذا ماتنبه له الشاعر المسيحي العربي حليم دموس :
لعمرك ما للأديانُ إلا نوافذٌ ترى اللهَ منها مقلة المتعبدِ
وألمسُ في القرآن عيسى بنَ مريم وألمح في الإنجيل روحَ محمدِ
وانطلاقاً من هذا، علينا نحن المسلمين أن نتصدى للمسيحية بالدراسة ، إذ يعدُّ واجباً إيمانياً على كل مسلم ، أن يدرس حياة المسيح ورسالته ودعوته ، مادام أحد الرسل الذين يجب عليه أن يؤمن بهم ، لاسيما وأن القرآن الكريم قد أشار إليه ( عليه السلام ) وإلى جماعته الكرام بأنهم الأقربون مودة للذين آمنوا .
بيد أن الدراسة العلمية الدقيقة والنزيهة المحايدة لمعتقدات المسيحية والمسيحيين في أيامنا هذه ؛ تظهر أن بعض الشوائب قد دخلت صلب هذه المعتقدات ، مما أدى إلى تغيير ملموس في وضعها ووصفها ، فنقلها من دين كامل التوحيد إلى دين لبّه التثليث وتأليه المسيح ، وبهذا نفي المسحة التوحيدية السماوية المميزة عنها ، التي تشترك فيها مع إخوتها من رسالات السماء .
ونحن إذ خرجنا بهذه النتيجة لن نأتي بدعاً من القول ، بل إن هذه النتيجة هي خلاصة اعترافات علماء المسيحية في القرن العشرين ، وهم من ألمع مفكري الغرب ، وأساتذة اللاهوت في جامعاتهم .
هؤلاء المفكرون الذين تناولوا ديانتهم المسيحية ؛ وخرجوا بتلك النتيجة ، هم في الأصل مسيحيون ، ولدوا في أسر مسيحية ، ونشؤوا في مجتمع مسيحي وتعلموا في مدارس ومعاهد وجامعات مسيحية لاهوتية ، إلا أنهم استطاعوا أن يتحرروا من التعصب الأعمى ، ويبحثوا بكل جدّ وإخلاص ولم يكن هدفهم إلا الوصول إلى الحق والحقيقة التي يقرّها العلم والمنطق .
هذه العقول التي حرّرها العلم من الانقياد لغير العقل ، ومن الاستجابة لغير منطقه ، تخرج بنتيجة تلتقي مع ماقرره القرآن الكريم ، من أن رسالة المسيح لم تكن يوماً من الأيام تدعو إلى التثليث وتأليه المسيح ..
بل إن المسيح لم يدّع يوماً من الأيام أنه ابن الله بالمعنى الحقيقي للبنوّة ، التي تقتضي كونه إلهاً مع الله .. بل هم يقرّون بأن القول بألوهية المسيح لم يكن هو السائد في عهده ، بل على العكس تماماً ، حيث كان تلامذته والناس في عهده يعتقدونه عبداً نبياً .
وقد نما القول بألوهيته بعد ذلك في أذهان المسيحيين على أزمان متعاقبة ، وبذلك فإن عقيدة المسيح عليه السلام بريئة من هذه الأفكار ، التي دخلت على المسيحية بالتدريج حتى وصلت إلى ماهي عليه الآن ، ولايسعنا في هذا المجال إلا أن نذكر بعضاً من هؤلاء العلماء ، وهم غيض من فيض :
1- انعقد مؤتمر من رجال الدين المسيحي في كمبردج سنة 1917م ، وفي هذا المؤتمر أعلن أحد الأساقفة واسمه ( أنج ) Dean Inge ، أن عيسى لم يكن إلا نبياً كما بدا لمعاصريه ، وقد وافقه على هذا الرأي جميع المؤتمرين ، ما عدا كبير الشمامسة واسمه فورد .
2- اجتمع سنة 1921م عدد كبير من رجال الدين في أكسفورد ، وقد ترأس هذا الاجتماع الدكتور راشدل Dr. Rashdall ، أسقف مدينة كاريليل ، وقد أعلن هذا الأسقف أن قراءته للكتاب المقدس لاتجعله يعتقد أن عيسى إله ، بل هو إنسان بكل مايحتمل هذا اللفظ من معان .
3- في عام 1977م أصدر سبعة من رجال الدين في أوروبا كتاباً أعلنوا فيه بشرية المسيح عليه السلام وأنكروا ألوهيته ، وكان في طليعة هؤلاء العلماء ، القس موريس ويلز ، رئيس لجنة المعتقدات في كنيسة إنجلترا ، وأستاذ الإلهيات في جامعة أكسفورد، وقد ترجم هذا الكتاب إللى اللغة العربية ، وطبع تحت اسم " أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح "
4- أعلن البروفسور هاني كونج ، من أشهر رجال الكنيسة الكاثوليكية ، وأستاذ كرسي توحيد الديانات بجامعة توبنجن بألمانيا ، أن القرأن وحي من عند الله ، وأن محمداً هو رسول الله ، كما انتثد عقيدة التثليث ، التي أرجعها إلى تأثير هيلليني ( يوناني ) غريب عن المسيحية الحقة ، كما أشار إلى تحرفات وإضافات بشرية في الإنجيل ، كل هذا جاء في الكتاب الذي صدر بالألمانية تحت عنوان : " المسيحية وديانات العالم " لمجموعة من الأساتذة المتخصصين في الديانات ، بإشراف البرفسور هاني كونج .
وإضافة إلى من ذكرناهم ، يمكننا أن ندرج معهم البرفسور " شارل جينيبير " أستاذ تاريخ الأديان في باريس ، في كتابه المترجم إلى العربية : " المسيحية تاريخها ونشأتها " ، والبرفسور " أندريه نايتون " مدرس علم الأديان المقارنة في جامعات فرنسا ، في الكتاب المترجم إلى العربية أيضاً : " الأصول الوثنية للمسيحية " الذي هو من تأليف عدد من علماء الدين المسيحي ، يعدّ من أشهرهم البرفسور نايتون .
وبذلك فإن المسيحية هي دين توحيدي خالص ، حُرّف مع الزمن عن مفهومه الأصلي ، ومنبعه الحقيقي ، وقد ساهمت في تحريفه عوامل عديدة ؛ من بينها الاضطهادات التي توالت تترى على المسيحيين من قبل الرومانيين الوثنيين ؛ أصحاب السلطة آنذاك ، والتي امتدت عبر ثلاثة قرون ؛ منذ منتصف القرن الأول إلى بداية القرن الرابع الميلادي ، وما صاحب هذه الاضطهادات من استشهاد لرسل المسيح وتلاميذهم ، أو سجنهم ، واختفاء من تبقى منهم على قيد الحياة هرباً بدينهم ، مما أثر في طريقة نقل الديانة الصحيحة الحقيقية إلى الأجيال التي تليهم ، وساهم في نمو أفكار جديدة لم تكن من المسيحية .
زد على ذلك دور بولس الرسول الأساسي في هذا التحريف ؛ حيث يتفق الباحثون في المسيحية وتاريخها من مسيحيين وغير مسيحيين ، على أن لبولس هذا ؛ الذي لم ير المسيح عليه السلام قط مع أنه كان معاصراً له ، ولم يتتلمذ على أيدي تلامذته ولم يسمع منهم تعاليم المسيح ، أجمعوا على أن له دوراً هاماً في تكوين المسيحية الحالية ؛ حيث اعتمدت على مقولاته في تصوير العقيدة على النحو الذي تشكلت به في المجامع المسكونية منذ القرن الرابع الميلادي .
وإن بولس هذا قد اعتمد في تحريفه للمسيحية على الوثنية السائدة في المجتمع الروماني آنذاك ، والوثنيات المنتشرة حوله ، وهذا مايعترف به المسيحيون الذين بحثوا في الموضوع بشكل عقلاني دون تعصب إلا للحق والحقيقة .
وهاهو ذا المؤرخ المسيحي ول ديورانت يقول : " هذه الأديان الخفية – الوثنية – هي التي أعدّت اليونان لاستقبال بولس ، وأعدّت بولس لدعوة اليونان " .
ويقول بيري في كتابه " الأديان العالمية " : " لقد كوّن شاول ( بولس ) المسيحية على حساب عيسى ، فهو في الحقيقة مؤسس المسيحية .. وقد أدخل على ديانته بعض تعاليم اليهود ، ليجذب إليه العامة منهم ، وأدخل صوراً من فلسفة الإغريق ليجذب إليه أتباعاً من اليونان ، وعيسى أصبح ابن الله ، حملت به أمه العذراء حملاً غير طبيعي ، واحتلت صورة العذراء والمسيح مكاناً مقدساً احتلته قديماً صورتا ( حورس ) و ( أوزيريس ) – آلهة وثنية – ووضعتا في الكنائس كلها " .
بل وحتى المتعصبون المسيحيون لم يستطيعوا أن ينكروا استعارة بولس من الأديان الوثنية بعض اصطلاحاتها ، وهاهو المؤلف جوزيف هولزتز يقول في معرض مدحه لبولس : " وضع الشريعة في مصافّ العبادات الطبيعية الوثنية ، مع عبادات إله القمر وآلهة الأرض كيفالي " .
وإذا ما أمعنا النظر في الوثنية السائدة آنذاك ، ورأينا فيها عقيدة التثليث ، ونزول الابن الإله من السماء وتجسده في شكل بشري ، ثم صلبه وبعثه ونزوله إلى الجحيم ، ومن ثم صعوده إلى السماء ، كل ذلك من أجل فداء الإنسان ؛ أدركنا مالهذه الوثنية من أثر بارز في تطوير العقيدة المسيحية ، من التوحيد الخالص إلى التثليث والتجسد ..
ولذلك فإنه لايسعنا أخيراً إلا أن نناشد إخوتنا المسيحيين أن يضعوا التحيز والتعصب جانباً ، وأن يحكموا العقل والمنطق ، اللذين أتت شرائع السماء بتأييدها ، فيرجعوا بالدراسة إلى أصول عقيدتهم ، فيروا بأم أعينهم كيف تطورت هذه العقيدة عبر العصور ، فيزيلوا عنها هذه التحريفات والتأويلات ، وعندها يلتقون مع الإسلام والمسلمين حول مائدة سماوية واحدة ، منبعها وحي الله تعالى ، وروّادها كل مؤمن يؤمن بوحدة الله تعالى ، ويؤمن برسله أجمعين ، إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل تحية وأكمل صلاة وسلام ، آمين .
ملاحظة :
لمزيد من التفصيلات ، انظر كتابنا حول هذا الموضوع ، والذي صدر تحت عنوان " المسيحية والإسلام ، دين واحد وشرائع شتى "
بقلم: الدكتورة لينه الحمصي
الله أرسل رسله وأنبيائه إلى الناس مبشرين ومنذرين ، يدعونهم إلى عبادة الإله الواحد الأحد ، ومكارم الأخلاق ..
فالرسالات السماوية ، وخاصة منها " المسيحية والإسلام " هي المنهج الذي ارتضاه الله تعالى للإنسان من أجل سعادته في دنياه وآخرته ، وهي جميعها إخوة لأب ، دين واحد وشرائع شتى ( أحكام تشريعية تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص ) ، فجميع الأنبياء دعوا إلى عقيدة واحدة ( دين واحد ) ومضمون هذه العقيدة هو الإيمان بالله ووحدانيته ، وباليوم الآخروالخيانة والجنة والنار ، بالإضافة إلى دعوتهم إلى الالتزام الخلقي من عمل الخير ، والابتعاد عن الشر ، فجميع رسالات السماء تستنكر القسوة والظلم والكذب والخيانة والغدر والنفاق والأنانية ، وتحض على الإحسان والعطف والرحمة .
قال تعالى في كتابه الكريم : } شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ { [ الشورى : 42 / 13]
وقال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مبيناً الصلة بينه وبين الأنبياء والرسل قبله ، جاعلاً العلاقة بينهم علاقة تتميم وتحسين ، لاتقويض ولا تهديم : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فحسّنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية ، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ، ويقولون : هلاّ وضعت هذه اللبنة ؟ قال : فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين " – أخرجه البخاري –
وقال أيضاً : " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة ، والأنبياء إخوة لعلات ( إخوة لأب ) أمهاتهم شتى ودينهم واحد " - أخرجه البخاري –
وهاهو ذا المسيح عليه السلام يؤكد على وحدانية الله تعالى وإرساله إيّاه برسالة المسيحية ، فقد ورد في الأناجيل الرسمية المعتمدة من قبل المسيحيين مايلي :
فقد قال مخاطباً ربّه : " وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي ، ويسوع المسيح الذي أرسلته " [ إنجيل يوحنا 17 / 3 ]
" وإذا واحد تقدم وقال له : أيها المعلم الصالح ، أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية ، فقال له : لماذا تدعوني صالحاً ، ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله " [ إنجيل متى19/16 ، 17 ]
وقال المسيح أيضاً : " أنا لاأقدر أن أفعل من نفسي شيئاً ، كما أسمع أدين ، ودينونتي عادلة ، لأني لاأطلب مشيئتي ، بل مشيئة الذي أرسلني " [ إنجيل يوحنا 5/ 30 ]
أما اشتراك المساحية والإسلام في الالتزام الخلقي ، والدعوة إليه ، فنراه جلياً واضحاً في آيات القرآن الكريم ، والأناجيل المعتمدة .
فكلا الرسالتين تدعوان إلى السلام والمحبة والعطف والرحمة والرأفة والعفو والمغفرة .
قال تعالى في القرآن الكريم : } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ { [ البقرة : 2/ 208 ]
وورد في الإنجيل على لسان المسيح عليه السلام : " طوبلى للمساكين بالروح ، لأن لهم ملكوت السموات ، طوبى للرحماء لأنهم يرحمون ، طوبلى لصانعي السلام ، لأنهم أبناء الله يدعون " [ إنجيل متى 5/ 2 - 9 ]
وقال محمد صلى الله عليه وسلم : " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " – أخرجه مسلم –
وقال تعالى في كتابه الكريم : } إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ { [ الحجرات 49 / 10 ]
وقال أيضاً : } وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ { [ البقرة 2 / 195 ]
وقال محمد صلى الله عليه وسلم : " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" – أخرجه البخاري –
وقال أيضاً : الخلق كلهم عيال الله ، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله " – أخرجه الطبراني-
وورد على لسان المسيح عليه السلام في الإنجيل : " وصية جديدة أعطيكم إياها ، أن تحبوا بعضكم بعضاً ، كما أحببتكم ، ولسوف يحب الواحد منكم الآخر ، وبهذا سيعرف كل الناس أنكم تلاميذي ، إذا ما أحب الواحد منكم الآخر " [ إنجيل يوحنا 13 / 34 ، 35 ]
وقال أيضاً : " سمعتم أنه قيل تحب قريبك ونبغض عدوك ، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ، ويطردونكم ، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات " . [ إنجيل متى 5 / 43 ، 45 ]
إن الرسالات السماوية بما فيها المسيحية والإسلام هي خير خالص مرسل من رب السماء إلى عباده ، كما يرسل اليث إلى الأرض الجدباء فتهتز وتثمر ، وتنبت من كل زوج بهيج ، وحيث أتت رسالات السماوات مكمّلة بعضها بعضاً ، كان لابد لرسالة الإسلام الخاتمة لجميع الرسالات السماوية من أن تستوعب أصول هذه الرسالات جميعها ، وتتحدث عن قدسية أنبيائها ورسلها أجمعين ، وتعدّ الإيمان بهم أصلاً من أصول الإيمان بها ، إذ إنهم جميعاً يأخذون من مشكاة واحدة .
قال تعالى في كتابه الكريم : } قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ{ [ البقرة : 2 / 136 ]
وهاهي ذي رسالة الإسلام تشيد أيضاً بالمسيح عليه السلام ، نبي الرحمة والمكرمة ، مقدسة له ولأمه العذراء البتول الطاهرة ، بل ولعائلته جمعاء ، وذلك في أماكن عديدة من القرآن الكريم ، كما خصصت سورتين كاملتين ، أسمتهما باسم عائلة المسيح عليه السلام ، وهي سورة مريم ، وسورة آل عمران .
وهاهو ذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم يذكر المسيح بالاحترام والتبجيل ، ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام : " من شهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق والنار حق ، أدخله الله الجنة على ماكان من العمل " – أخرجه البخاري –
إن هدف الرسالات السماوية هو ربط الناس بعضهم ببعض برباط المودة والأخوّة، مادامت وجهتهم جميعاً إلى رب واحد ، وأن أي تصور لأية رسالة سماوية يقوم على غير هذا المفهوم ، هو تصور خاطئ يضلل الناس عن حقيقة تلك الدعوة السمحة .
ولذلك فإن أكثر ما وقع بين أصحاب الرسالات السماوية من شقاق ونزاع وقتال ؛ إنما مردّه إلى سوء فهم أتباع هذه الرسالات السماوية لحقيقة رسالتهم ، والتي هي في الحقيقة تصديق للرسالة الأخرى وإكمالها .
وربما يكون هذا نتيجة لتسلط الأهواء والشهوات ، التي يجد أصحابها في الدين سلطاناً متمكناً على الناس ، فيدعونهم باسم الدين ، إلى ماللدين منه براء .
ولدلك فإن على المسلمين – انطلاقاً من مفهوم قرآنهم وسنة نبيهم – أن يمدّوا يد الإخاء والتعاون للمسيحية والمسيحيين ، يخاطبونهم طبقاً لما جاء به قرآنهم الكريم :
} وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ { [ العنكبوت 29 / 46 ]
وقوله تعالى : } ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {[ النحل :16 / 125 ]
وهذا ماكان من حاطب بن بلتعة ، عندما أرسله النبي r إلى المقوقس ملك مصر داعياً إياه إلى الإسلام ، قائلاً له : " ولسنا ننهاك عن دين المسيح ، ولكننا نأمرك به ".
وهذا ماتنبه له الشاعر المسيحي العربي حليم دموس :
لعمرك ما للأديانُ إلا نوافذٌ ترى اللهَ منها مقلة المتعبدِ
وألمسُ في القرآن عيسى بنَ مريم وألمح في الإنجيل روحَ محمدِ
وانطلاقاً من هذا، علينا نحن المسلمين أن نتصدى للمسيحية بالدراسة ، إذ يعدُّ واجباً إيمانياً على كل مسلم ، أن يدرس حياة المسيح ورسالته ودعوته ، مادام أحد الرسل الذين يجب عليه أن يؤمن بهم ، لاسيما وأن القرآن الكريم قد أشار إليه ( عليه السلام ) وإلى جماعته الكرام بأنهم الأقربون مودة للذين آمنوا .
بيد أن الدراسة العلمية الدقيقة والنزيهة المحايدة لمعتقدات المسيحية والمسيحيين في أيامنا هذه ؛ تظهر أن بعض الشوائب قد دخلت صلب هذه المعتقدات ، مما أدى إلى تغيير ملموس في وضعها ووصفها ، فنقلها من دين كامل التوحيد إلى دين لبّه التثليث وتأليه المسيح ، وبهذا نفي المسحة التوحيدية السماوية المميزة عنها ، التي تشترك فيها مع إخوتها من رسالات السماء .
ونحن إذ خرجنا بهذه النتيجة لن نأتي بدعاً من القول ، بل إن هذه النتيجة هي خلاصة اعترافات علماء المسيحية في القرن العشرين ، وهم من ألمع مفكري الغرب ، وأساتذة اللاهوت في جامعاتهم .
هؤلاء المفكرون الذين تناولوا ديانتهم المسيحية ؛ وخرجوا بتلك النتيجة ، هم في الأصل مسيحيون ، ولدوا في أسر مسيحية ، ونشؤوا في مجتمع مسيحي وتعلموا في مدارس ومعاهد وجامعات مسيحية لاهوتية ، إلا أنهم استطاعوا أن يتحرروا من التعصب الأعمى ، ويبحثوا بكل جدّ وإخلاص ولم يكن هدفهم إلا الوصول إلى الحق والحقيقة التي يقرّها العلم والمنطق .
هذه العقول التي حرّرها العلم من الانقياد لغير العقل ، ومن الاستجابة لغير منطقه ، تخرج بنتيجة تلتقي مع ماقرره القرآن الكريم ، من أن رسالة المسيح لم تكن يوماً من الأيام تدعو إلى التثليث وتأليه المسيح ..
بل إن المسيح لم يدّع يوماً من الأيام أنه ابن الله بالمعنى الحقيقي للبنوّة ، التي تقتضي كونه إلهاً مع الله .. بل هم يقرّون بأن القول بألوهية المسيح لم يكن هو السائد في عهده ، بل على العكس تماماً ، حيث كان تلامذته والناس في عهده يعتقدونه عبداً نبياً .
وقد نما القول بألوهيته بعد ذلك في أذهان المسيحيين على أزمان متعاقبة ، وبذلك فإن عقيدة المسيح عليه السلام بريئة من هذه الأفكار ، التي دخلت على المسيحية بالتدريج حتى وصلت إلى ماهي عليه الآن ، ولايسعنا في هذا المجال إلا أن نذكر بعضاً من هؤلاء العلماء ، وهم غيض من فيض :
1- انعقد مؤتمر من رجال الدين المسيحي في كمبردج سنة 1917م ، وفي هذا المؤتمر أعلن أحد الأساقفة واسمه ( أنج ) Dean Inge ، أن عيسى لم يكن إلا نبياً كما بدا لمعاصريه ، وقد وافقه على هذا الرأي جميع المؤتمرين ، ما عدا كبير الشمامسة واسمه فورد .
2- اجتمع سنة 1921م عدد كبير من رجال الدين في أكسفورد ، وقد ترأس هذا الاجتماع الدكتور راشدل Dr. Rashdall ، أسقف مدينة كاريليل ، وقد أعلن هذا الأسقف أن قراءته للكتاب المقدس لاتجعله يعتقد أن عيسى إله ، بل هو إنسان بكل مايحتمل هذا اللفظ من معان .
3- في عام 1977م أصدر سبعة من رجال الدين في أوروبا كتاباً أعلنوا فيه بشرية المسيح عليه السلام وأنكروا ألوهيته ، وكان في طليعة هؤلاء العلماء ، القس موريس ويلز ، رئيس لجنة المعتقدات في كنيسة إنجلترا ، وأستاذ الإلهيات في جامعة أكسفورد، وقد ترجم هذا الكتاب إللى اللغة العربية ، وطبع تحت اسم " أسطورة تجسد الإله في السيد المسيح "
4- أعلن البروفسور هاني كونج ، من أشهر رجال الكنيسة الكاثوليكية ، وأستاذ كرسي توحيد الديانات بجامعة توبنجن بألمانيا ، أن القرأن وحي من عند الله ، وأن محمداً هو رسول الله ، كما انتثد عقيدة التثليث ، التي أرجعها إلى تأثير هيلليني ( يوناني ) غريب عن المسيحية الحقة ، كما أشار إلى تحرفات وإضافات بشرية في الإنجيل ، كل هذا جاء في الكتاب الذي صدر بالألمانية تحت عنوان : " المسيحية وديانات العالم " لمجموعة من الأساتذة المتخصصين في الديانات ، بإشراف البرفسور هاني كونج .
وإضافة إلى من ذكرناهم ، يمكننا أن ندرج معهم البرفسور " شارل جينيبير " أستاذ تاريخ الأديان في باريس ، في كتابه المترجم إلى العربية : " المسيحية تاريخها ونشأتها " ، والبرفسور " أندريه نايتون " مدرس علم الأديان المقارنة في جامعات فرنسا ، في الكتاب المترجم إلى العربية أيضاً : " الأصول الوثنية للمسيحية " الذي هو من تأليف عدد من علماء الدين المسيحي ، يعدّ من أشهرهم البرفسور نايتون .
وبذلك فإن المسيحية هي دين توحيدي خالص ، حُرّف مع الزمن عن مفهومه الأصلي ، ومنبعه الحقيقي ، وقد ساهمت في تحريفه عوامل عديدة ؛ من بينها الاضطهادات التي توالت تترى على المسيحيين من قبل الرومانيين الوثنيين ؛ أصحاب السلطة آنذاك ، والتي امتدت عبر ثلاثة قرون ؛ منذ منتصف القرن الأول إلى بداية القرن الرابع الميلادي ، وما صاحب هذه الاضطهادات من استشهاد لرسل المسيح وتلاميذهم ، أو سجنهم ، واختفاء من تبقى منهم على قيد الحياة هرباً بدينهم ، مما أثر في طريقة نقل الديانة الصحيحة الحقيقية إلى الأجيال التي تليهم ، وساهم في نمو أفكار جديدة لم تكن من المسيحية .
زد على ذلك دور بولس الرسول الأساسي في هذا التحريف ؛ حيث يتفق الباحثون في المسيحية وتاريخها من مسيحيين وغير مسيحيين ، على أن لبولس هذا ؛ الذي لم ير المسيح عليه السلام قط مع أنه كان معاصراً له ، ولم يتتلمذ على أيدي تلامذته ولم يسمع منهم تعاليم المسيح ، أجمعوا على أن له دوراً هاماً في تكوين المسيحية الحالية ؛ حيث اعتمدت على مقولاته في تصوير العقيدة على النحو الذي تشكلت به في المجامع المسكونية منذ القرن الرابع الميلادي .
وإن بولس هذا قد اعتمد في تحريفه للمسيحية على الوثنية السائدة في المجتمع الروماني آنذاك ، والوثنيات المنتشرة حوله ، وهذا مايعترف به المسيحيون الذين بحثوا في الموضوع بشكل عقلاني دون تعصب إلا للحق والحقيقة .
وهاهو ذا المؤرخ المسيحي ول ديورانت يقول : " هذه الأديان الخفية – الوثنية – هي التي أعدّت اليونان لاستقبال بولس ، وأعدّت بولس لدعوة اليونان " .
ويقول بيري في كتابه " الأديان العالمية " : " لقد كوّن شاول ( بولس ) المسيحية على حساب عيسى ، فهو في الحقيقة مؤسس المسيحية .. وقد أدخل على ديانته بعض تعاليم اليهود ، ليجذب إليه العامة منهم ، وأدخل صوراً من فلسفة الإغريق ليجذب إليه أتباعاً من اليونان ، وعيسى أصبح ابن الله ، حملت به أمه العذراء حملاً غير طبيعي ، واحتلت صورة العذراء والمسيح مكاناً مقدساً احتلته قديماً صورتا ( حورس ) و ( أوزيريس ) – آلهة وثنية – ووضعتا في الكنائس كلها " .
بل وحتى المتعصبون المسيحيون لم يستطيعوا أن ينكروا استعارة بولس من الأديان الوثنية بعض اصطلاحاتها ، وهاهو المؤلف جوزيف هولزتز يقول في معرض مدحه لبولس : " وضع الشريعة في مصافّ العبادات الطبيعية الوثنية ، مع عبادات إله القمر وآلهة الأرض كيفالي " .
وإذا ما أمعنا النظر في الوثنية السائدة آنذاك ، ورأينا فيها عقيدة التثليث ، ونزول الابن الإله من السماء وتجسده في شكل بشري ، ثم صلبه وبعثه ونزوله إلى الجحيم ، ومن ثم صعوده إلى السماء ، كل ذلك من أجل فداء الإنسان ؛ أدركنا مالهذه الوثنية من أثر بارز في تطوير العقيدة المسيحية ، من التوحيد الخالص إلى التثليث والتجسد ..
ولذلك فإنه لايسعنا أخيراً إلا أن نناشد إخوتنا المسيحيين أن يضعوا التحيز والتعصب جانباً ، وأن يحكموا العقل والمنطق ، اللذين أتت شرائع السماء بتأييدها ، فيرجعوا بالدراسة إلى أصول عقيدتهم ، فيروا بأم أعينهم كيف تطورت هذه العقيدة عبر العصور ، فيزيلوا عنها هذه التحريفات والتأويلات ، وعندها يلتقون مع الإسلام والمسلمين حول مائدة سماوية واحدة ، منبعها وحي الله تعالى ، وروّادها كل مؤمن يؤمن بوحدة الله تعالى ، ويؤمن برسله أجمعين ، إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم أفضل تحية وأكمل صلاة وسلام ، آمين .
ملاحظة :
لمزيد من التفصيلات ، انظر كتابنا حول هذا الموضوع ، والذي صدر تحت عنوان " المسيحية والإسلام ، دين واحد وشرائع شتى "