لا يجوز السكن في الأماكن التي تختل فيها العبادة
هناك أماكن على الكرة الأرضية لا تتماشى والعبادة ، فالقطبين الشمالي والجنوبي خير مثال على ذلك ، وفيهما
يبقى النهار لعدة أشهر ثم يعقبه الليل ليبقى هو أيضا عدة أشهر ، والعبادات التي شرعها الله للناس لها ارتباط كبير بالليل والنهار .
ــ نأخذ الصلاة والصيام مثلا
يقول الله سبحانه ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) ويقول في الصيام ( فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فالتوقيت الذي ذكره الله في هاتين الآيتين لا يوجد في القطبين وما يماثلهما ، أي بمعنى لو أراد شخص أن يصوم في القطبين تبعا للآية فعليه أن يصوم ستة أشهر متتابعة دون انقطاع ما دام النهار موجودا حتى يأتي الليل ، وهذا مستحيل ، إذن فالتشريع الذي أنزله الله هو موجه لغالبية الأرض ، ولا يأخذ بعين الاعتبار القطبين وما يماثلهما ، فلو أخذنا الصلاة مثلا ، نرى أن الله قد أنزل تشريعا كبيرا فيها ، وذكر الجوانب التي قد تطرأ للبشرية ، فبين كيف يتصرف المرء في حالة عدم وجود الماء ، وكيف يصلي المريض الذي لا يستطيع استعمال الماء ، وكيف يصلي إذا كان هناك خوف ، وكيف يصلي إذا كان في حالة حرب ، وتكلم عن صيام المريض والمسافر وغير ذلك من التشريعات التفصيلية الطارئة والحالات الخاصة والتي تخرج عن الإطار العام ، بينما لم يتكلم أبدا عن الأماكن التي يختل فيها التشريع .
ــ الليل على الدوام والنهار على الدوام لا خير فيهما
يقول سبحانه وتعالى ( .. . قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ، قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إلاه غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ، ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ومن هذه الآيات يتبين لنا أن الله لم يجعل القطبين وغيرهما ليسكن فيهما البشر ، فالذي جعله الله لنا هي الأماكن التي فيها الليل والنهار طبيعيان كما أوضح ذلك في قوله ( ... ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله.. ) أي في شكلهما الطبيعي ، الليل لنسكن فيه والنهار لنبتغي من فضله ، وهذا يبين أن الله خلقنا لنعيش في المناطق العادية والتي تشكل غالبية الأرض ، ومن ثم أنزل التشريع لهذه البشرية التي من المفروض أن تعيش في ما جعل الله لها ، وليس في ما لم يجعل لها ، فالقطبين وما يماثلهما لم يجعلهما الله للبشرية لتعيش فيهما .
ــ هل يجوز لنا أن نسكن في القطبين
علمنا من الآيات السابقة أن الله لم يجعل لنا العيش على القطبين ، وبقي لنا أن نعرف هل يجوز لنا أن نسكن هناك .
يقول الله سبحانه ( ... يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ... ) فالنداء الموجه بقوله
( يا عبادي ) ثم توضيح الهدف من النداء بقوله ( فإياي فاعبدون ) فيه دلالة واضحة على أن المقصود من الآية هو العبادة ، وربط ذلك بقوله ( إن أرضي واسعة ) فيه إشارة واضحة على أن العبادة يجب أن تقام كما أمر الله ، وإن تعسرت في أرض وجب الهجرة لأرض أخرى بحثا عن أرض تتمكن فيها العبادة ، فالله جعل الأرض واسعة للبحث فيها ، وجعلها واسعة لوجود أماكن أحسن للقيام فيها بالعبادة دون إعاقة ، ونفس الشيء بالنسبة لقوله ( قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ، للذين أحسنوا في هذه حسنة ، وأرض الله واسعة ، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ...) فالنداء بقوله ( قل يا عباد ) ثم توضيح الهدف من النداء بقوله
( اتقوا ربكم ) ثم ربط ذلك بقوله ( وأرض الله واسعة ) يبين ما قلناه في الآية السابقة ، والذي ألفت إليه الانتباه في هذه الآية هو قوله ( اتقوا ربكم ) والذي يبين أنه يستوجب الحذر من أن تعاق العبادة وقد جعل الله الحل في الهجرة إلى أرض أخرى ، ثم أنزل الله قولا فيه تحذير شديد جدا من أن يتكاسل المرء في الهجرة فيموت دون أن يقيم العبادة كما أمر الله ، وذلك قوله سبحانه ( ... إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ، قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا .... ) ومن خلال هذه الآيات يتبين أنه لا يجوز للمؤمن أن يقيم في الأراضي التي لا يمكن أن يقيم فيها العبادة ، ناهيك على أن يفعل العكس كأن يبحث أن يهاجر إلى الأراضي التي تضيع فيها العبادة ، وبالتالي فلا يجوز الإقامة في القطبين وما يماثلهما ، ولا فتوى في هذا الشأن لمن أراد أن يقيم فيهما ، وذلك مثله مثل الذي يملك سجنا فيسجن نفسه فيه ثم يدخل في زنزانة لا تعرف الضوء ، ثم يقول للناس كيف أصلي وكيف أصوم فإني أعيش في الظلام ، فلا نفتيه إلا بأن نقول له أخرج نفسك مما أنت فيه .
وإذا احتجنا معلومات عن المكان استأجرنا غيرنا من لا يؤمن إيماننا ، فالعجز تقومه الإمكانيات المتوفرة ، فنبي الله سليمان بقدرته البشرية لا يمكنه أن يقوم بتلك الإنجازات العظيمة التي ذكرها الله في قوله
( ... ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ، ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ، يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات ... ) فقوله ( يعملون له ) يعني أن تلك الإنجازات تعود له رغم أنه لم يعملها بيده ، فقد أمده الله بإمكانيات ومخلوقات أخرى لها قدرة تتناسب وتلك الإنجازات ، وكل ما كان ينجز كان لسليمان وليس لتلك المخلوقات ، وكذلك في قوله سبحانه
( ... قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين ، قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ... ) فقد جاءه العرش عن طريق مخلوقات أخرى ليضعوه بين يديه ويفعل به ما يريد ، وكل ذلك كان في خدمته ، وحتى الجبابرة وما كانوا ينجزون كان كل ذلك لهم وليس للعاملين ، فلو أخذنا أحد الفراعنة مثلا وما أنجزه في حياته ، فإنه لم يفعل ذلك بيده ومع ذلك ينسب كل ذلك له وليس للعاملين ، وكل ذلك كان في خدمته ، فما يعجز الإنسان عن فعله لأي سبب من الأسباب كأن يريد الحفاظ على جسده أو يريد أن يقوم بذلك بدون عناء أو غير ذلك من الأسباب يمكنه الوصول إليه بإمكانيات أخرى ، وإذا كان هذا مع الأمور الدنيوية والإنسان يريد الحفاظ على بدنه فما بالك مع التشريع الذي أنزله الله ، وكيف له أن يتلاعب به وقد أمرنا الله أن نضحي بأموالنا وأنفسنا من أجله ، فلا بد أن يأخذ التشريع أولى الأولويات ، فلا نجازف به لإشباع رغباتنا ، فعلينا أن نستعمل إمكانيات أخرى ولا نضحي بالتشريع الذي فيه فلاحنا ونجاتنا وغدا نسأل عنه يوم القيامة ، فلا نقيم في هذه الأماكن ولا نسافر إليها ، وكل من كان فيها فعليه أن يهاجر منها .