أعوذ باله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمان الرحيم
هل أنا حقا مؤمن بآيات الله ؟؟؟
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته القائل في محكمه : [ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ] [الزخرف : 44] ويقول أيضا: [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ] [البقرة : 159]؛ ويقول أيضا : [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] [القمر : 17]
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد؛
في هذا الموضوع سوف نطرح هذا السؤال ونحاول الإجابة عنه إنشاء الله وهو: هل أنا حقا مؤمن بكتاب الله ؟؟؟ وهل الإيمان يكون فقط باللسان ؟؟؟ وهل الإيمان هو عبارة عن معلومة أوافق عليها فأخزنها في ذاكرتي ثم أسترجعها حين يطرح علي هذا السؤال فأجدها حاضرة وأطمإن نفسي بأنني أعتبر من المؤمنين بكتابه ؟؟؟ وإلى ماذا نحتكم لمعرفة الجواب ؟؟؟
فيجيبك القرآن الكريم بكل بساطة عن سؤالك الأخير بقوله: [ أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ] [الأنعام : 114].
فتعالى معي أخي الكريم نتلو بعض الآيات البينات المتعلق بالموضوع ونحاول تدبرها. فنجد الآية العظيمة التي تعتبر بمثابة المصفاة التي تنزع عنا الشوائب لمعرفة الحق وهي قوله عزوجل : [ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ] [البقرة : 121]، في هذه الآية يبين لنا الله سبحانه وتعالى من هم الذين يستحقون أن يسمو بالمؤمنين بكتابه فيربط بين التلاوة التي عبر عنها بـ التلاوة الحق (وليست التلاوة السطحية طبعًا) و الإيمان بالكتاب فبين أن الذين يتلون الكتاب حق التلاوة هم الذين يستحقون صفة الإيمان به. ومن هذه الآية نفهم بوضوح المعنى الآخر الخطير الذي بينه في نفس الآية، وهو أن هناك فريقان مؤمن بكتابه أوكافر به أي لا يوجد هناك فريق بين الفريقين فعبر عنه عزوجل بقوله [ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ] فنلاحظ هنا الوعيد الذي ينتظر من لا ينتمي إلى الفريق الأول أي الذين لا يتلو الكتاب حق تلاوته. ونستطيع تبيان معنى الخاسرون والوعيد الذي ينتظرهم في آية أخرى وهي قول المولى عز وجل : [مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ] [آل عمران : 4] وقوله أيضا : [ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النحل : 104]. فنلاحظ الوعيد الذي ينتظر المتهاون مع القرآن الكريم أو الكافر به حسب التعبير القرآني، فما أكثر الآيات التي تندرنا بهذا الوعيد فلك أخي الكريم أن تتدبر الآيات التالية : آل عمران 19، النساء 40، الأنعام 157، الأنفال 52، التوبة 9، يونس 95، النحل 105، القصص 87، العنكبوت 23، الزمر 63، غافر 4، غافر 35، غافر 56، غافر 63، غافر 69، الجاثية 6، الجاثية 8، الجاثية 35، الأحقاف 26، الجمعة 5،... وهذه إلا جزء صغير من هذا الكتاب النبراس. وآيات الله هنا تكون بمعنى الآيات القرآنية بدليل قوله تعالى : [ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ] [البقرة : 252]، وتفيد المعاني الأخرى للآية كمعنى آيات النعم في قوله تعالى : [ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ] [الجاثية : 3]. والآيات الكبرى أو المعجزات في قوله تعالى : [ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى] [النازعات : 15-20]. أو بمعنى العذاب في قوله تعالى : [ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] [الأنعام : 65].
بعد تدبر هذه الآيات العظام يخطر على بالي سؤال آخر وهل أنا مِن مَن يتلوا القرآن حق تلاوته ؟؟؟ لأنني إذا كنت عكس ذلك فسوف أكون من الفريق الثاني أي من الفريق الذي يكفر بآيات الله. للإجابة عن هذا السؤال أستمر مع الداعي الحق الذي قالت عنه الجن : [ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] [الأحقاف : 31]، ألا وهو القرآن الكريم والذي يبين لنا الله تعالى شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم من هجران قومه له حيث قال تعالى: [ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ] [الفرقان : 30]. وما سبب كل هذه المصائب التي تحل بنا من كل جانب إلا نتائج مباشرة عن الهجران، وتدبر معي أخي هذه الآيات التي يوبخ الله تعالى فيها عباده عن الإعراض عن القرآن فيقول المولى عز وجل : [ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ ] [الأنبياء : 1] فنتساءل ما هذه الغفلة؟ وهل أنا من الغافلين ؟ وما هو هذا الإعراض ؟ والإعراض عن ماذا ؟ فيجيبك المولى عزوجل : [ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ] [الأنبياء : 2] أي هنا الإعراض عن الذكر، وما هو هذا الذكر؟ فيجيبك : [ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ] [صـ : 1] أي يقصد به القرآن الكريم، وما معنى[ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ]وهل أنا ألعب عند استماعي للقرآن ؟ طبعا لا، بل أنا أسمع القرآن وأنا جالس ولا أتحرك أو أسمعه وأنا في معملي أو في متجري أي في أوقات العمل ولا أسمعه عندما أكون ألعب. فأجيبك اصبر قليل مع القرآن وسوف تعرف الجواب بحول الله حيث يقول المولى : [ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ] [الأنبياء : 3] أي ممكن أنك ساكن الجوارح ولا تتحرك ولكن عقلك ليس مع القرآن أي أنك لا تتدبره ففي هذه الحالة فإن هذه الآية سوف تنطبق عليك لا شك.
ولكي نجيب عن السؤال العالق نعود إلى سورة البقرة وما أعظمها من سورة حيث يقول المولى عز وجل : [ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ] [البقرة : 44] فنلاحظ هنا توبيخا من الله عز وجل لبني إسرائيل بسبب تلاوة الوحي التي لم تنتج التقوى والكف عن المعاصي وهذه التلاوة لا تنتمي إلى التلاوة الحق، إذا تنتمي إلى الفريق الثاني أي الكفر بآياته. فأتساءل هل أنا من هذا الصنف الذي تلاوته لا تتجاوز الأذن إلى القلب فتنعكس في تصرفاته ؟؟؟ إذا هل أنا من ... !!!، وقد يتبادر إلى ذهني سؤال شيطاني آخر : بما أن الآية تتحدث عن بنو إسرائيل فهي لا تعنيني، يجيبك المولى عزوجل في كتابه بعد القليل من الصبر حيث يقول : [ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ] [البقرة : 85]. فلاحظ معي أخي المسلم هذا الوعيد في من يأخذ بعض ما يتناسب معه ويترك الباقي. وقد تقول لي أيضا هذه الآية وردت في اليهود فأسألك هذا السؤال هل تعني أن هذه الآية تحكي لنا وفقط عن قوم عصوا الله بتطبيقهم بعض آيات وترك البعض الآخر ؟؟؟ إذًا إنك تصرح بأن هذه الآية هي جزئ من أساطير الأولين، ولَاِنْطَبَقَتْ عليك هذه الآية قال تعالى : [ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] [النحل : 24].
وتعالى وتدبر معي أخي الكريم آية أخرى يعاتب الله تعالى بها عباده بتلاوتهم للوحي التلاوة السطحية فيقول المولى عز وجل : [ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ] [البقرة : 113]. فنلاحظ أن الله تعالى يعاتب اليهود والنصارى على تلاوتهم للوحي التلاوة السطحية في قوله [ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ] معناه برغم تلاوتهم للوحي فإن كل طرف يدعي أن الطرف الآخر ليس على شيء وطبعا لا يمكن أن يكون الوحي هو المتناقض لأن الرسالة السموية كلها تدعو إلى شيء واحد ولا يمكن أن يوجد هناك تعارض بين الرسالات السموية. فبعد صبرنا مع الآيات الربانية يأتي الجواب الحاسم من المولى عز وجل في قوله : [ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ] [المائدة : 68] أي قل لهم يا محمد أنتم معشر اليهود والنصارى لستم على شيء أي لستم على الطريق الصحيح، ولاكن متى يكونون على شيء ؟؟؟ فيجيبهم المولى في نفس الآية : [ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] [المائدة : 68]. أي المطلوب منكم ليس تلاوة الوحي تلاوة سطحية وإنما إقامة الوحي كما أن الله تبارك وتعالى لم يأمرنا بالصلاة وإنما بإقامة الصلاة، أي نستطيع إسقاط هذه الآية علينا فنقول : قل يا أمة القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن. فهل نحن من مقيمي القرآن فنكون من من وصفهم المولى عز وجل بـ : [ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ] لنكون من المؤمنين به أم أننا من الفريق الآخر فيحق علينا الوعيد. وإلى موضوع آخر بحول الله، أشكركم عل حسن الاستماع والعمل به وإلى الملتقى.
أسأل الله لي ولكم بالتبات، وأن يعيننا على تدبر آياته وأن لا يكتبنا عنده من الكافرين بآياته، والحمد لله رب العالمين.
ملاحظة : في الموضوع آيات بينات يجب علي وعليكم تبليغها لكل الناس لكي لا نسقط في كتمان آيات الله ( لأننا مأمورون بتبليغ الآيات البينات وما أكثرها في القرآن) فيحق علينا وعيده الذي قال المولى فيه: [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ] [البقرة : 159]؛
صدق الله في محكم تنزيله بقوله:
[ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ] [القمر : 17]
بسم الله الرحمان الرحيم
هل أنا حقا مؤمن بآيات الله ؟؟؟
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته القائل في محكمه : [ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ] [الزخرف : 44] ويقول أيضا: [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ] [البقرة : 159]؛ ويقول أيضا : [وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ] [القمر : 17]
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد؛
في هذا الموضوع سوف نطرح هذا السؤال ونحاول الإجابة عنه إنشاء الله وهو: هل أنا حقا مؤمن بكتاب الله ؟؟؟ وهل الإيمان يكون فقط باللسان ؟؟؟ وهل الإيمان هو عبارة عن معلومة أوافق عليها فأخزنها في ذاكرتي ثم أسترجعها حين يطرح علي هذا السؤال فأجدها حاضرة وأطمإن نفسي بأنني أعتبر من المؤمنين بكتابه ؟؟؟ وإلى ماذا نحتكم لمعرفة الجواب ؟؟؟
فيجيبك القرآن الكريم بكل بساطة عن سؤالك الأخير بقوله: [ أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ] [الأنعام : 114].
فتعالى معي أخي الكريم نتلو بعض الآيات البينات المتعلق بالموضوع ونحاول تدبرها. فنجد الآية العظيمة التي تعتبر بمثابة المصفاة التي تنزع عنا الشوائب لمعرفة الحق وهي قوله عزوجل : [ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ] [البقرة : 121]، في هذه الآية يبين لنا الله سبحانه وتعالى من هم الذين يستحقون أن يسمو بالمؤمنين بكتابه فيربط بين التلاوة التي عبر عنها بـ التلاوة الحق (وليست التلاوة السطحية طبعًا) و الإيمان بالكتاب فبين أن الذين يتلون الكتاب حق التلاوة هم الذين يستحقون صفة الإيمان به. ومن هذه الآية نفهم بوضوح المعنى الآخر الخطير الذي بينه في نفس الآية، وهو أن هناك فريقان مؤمن بكتابه أوكافر به أي لا يوجد هناك فريق بين الفريقين فعبر عنه عزوجل بقوله [ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ] فنلاحظ هنا الوعيد الذي ينتظر من لا ينتمي إلى الفريق الأول أي الذين لا يتلو الكتاب حق تلاوته. ونستطيع تبيان معنى الخاسرون والوعيد الذي ينتظرهم في آية أخرى وهي قول المولى عز وجل : [مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ] [آل عمران : 4] وقوله أيضا : [ إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] [النحل : 104]. فنلاحظ الوعيد الذي ينتظر المتهاون مع القرآن الكريم أو الكافر به حسب التعبير القرآني، فما أكثر الآيات التي تندرنا بهذا الوعيد فلك أخي الكريم أن تتدبر الآيات التالية : آل عمران 19، النساء 40، الأنعام 157، الأنفال 52، التوبة 9، يونس 95، النحل 105، القصص 87، العنكبوت 23، الزمر 63، غافر 4، غافر 35، غافر 56، غافر 63، غافر 69، الجاثية 6، الجاثية 8، الجاثية 35، الأحقاف 26، الجمعة 5،... وهذه إلا جزء صغير من هذا الكتاب النبراس. وآيات الله هنا تكون بمعنى الآيات القرآنية بدليل قوله تعالى : [ تِلْكَ آيَاتُ اللّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ] [البقرة : 252]، وتفيد المعاني الأخرى للآية كمعنى آيات النعم في قوله تعالى : [ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ] [الجاثية : 3]. والآيات الكبرى أو المعجزات في قوله تعالى : [ هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى * فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى] [النازعات : 15-20]. أو بمعنى العذاب في قوله تعالى : [ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ] [الأنعام : 65].
بعد تدبر هذه الآيات العظام يخطر على بالي سؤال آخر وهل أنا مِن مَن يتلوا القرآن حق تلاوته ؟؟؟ لأنني إذا كنت عكس ذلك فسوف أكون من الفريق الثاني أي من الفريق الذي يكفر بآيات الله. للإجابة عن هذا السؤال أستمر مع الداعي الحق الذي قالت عنه الجن : [ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ] [الأحقاف : 31]، ألا وهو القرآن الكريم والذي يبين لنا الله تعالى شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم من هجران قومه له حيث قال تعالى: [ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ] [الفرقان : 30]. وما سبب كل هذه المصائب التي تحل بنا من كل جانب إلا نتائج مباشرة عن الهجران، وتدبر معي أخي هذه الآيات التي يوبخ الله تعالى فيها عباده عن الإعراض عن القرآن فيقول المولى عز وجل : [ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ ] [الأنبياء : 1] فنتساءل ما هذه الغفلة؟ وهل أنا من الغافلين ؟ وما هو هذا الإعراض ؟ والإعراض عن ماذا ؟ فيجيبك المولى عزوجل : [ مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ] [الأنبياء : 2] أي هنا الإعراض عن الذكر، وما هو هذا الذكر؟ فيجيبك : [ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ] [صـ : 1] أي يقصد به القرآن الكريم، وما معنى[ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ]وهل أنا ألعب عند استماعي للقرآن ؟ طبعا لا، بل أنا أسمع القرآن وأنا جالس ولا أتحرك أو أسمعه وأنا في معملي أو في متجري أي في أوقات العمل ولا أسمعه عندما أكون ألعب. فأجيبك اصبر قليل مع القرآن وسوف تعرف الجواب بحول الله حيث يقول المولى : [ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ] [الأنبياء : 3] أي ممكن أنك ساكن الجوارح ولا تتحرك ولكن عقلك ليس مع القرآن أي أنك لا تتدبره ففي هذه الحالة فإن هذه الآية سوف تنطبق عليك لا شك.
ولكي نجيب عن السؤال العالق نعود إلى سورة البقرة وما أعظمها من سورة حيث يقول المولى عز وجل : [ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ] [البقرة : 44] فنلاحظ هنا توبيخا من الله عز وجل لبني إسرائيل بسبب تلاوة الوحي التي لم تنتج التقوى والكف عن المعاصي وهذه التلاوة لا تنتمي إلى التلاوة الحق، إذا تنتمي إلى الفريق الثاني أي الكفر بآياته. فأتساءل هل أنا من هذا الصنف الذي تلاوته لا تتجاوز الأذن إلى القلب فتنعكس في تصرفاته ؟؟؟ إذا هل أنا من ... !!!، وقد يتبادر إلى ذهني سؤال شيطاني آخر : بما أن الآية تتحدث عن بنو إسرائيل فهي لا تعنيني، يجيبك المولى عزوجل في كتابه بعد القليل من الصبر حيث يقول : [ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ] [البقرة : 85]. فلاحظ معي أخي المسلم هذا الوعيد في من يأخذ بعض ما يتناسب معه ويترك الباقي. وقد تقول لي أيضا هذه الآية وردت في اليهود فأسألك هذا السؤال هل تعني أن هذه الآية تحكي لنا وفقط عن قوم عصوا الله بتطبيقهم بعض آيات وترك البعض الآخر ؟؟؟ إذًا إنك تصرح بأن هذه الآية هي جزئ من أساطير الأولين، ولَاِنْطَبَقَتْ عليك هذه الآية قال تعالى : [ وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ] [النحل : 24].
وتعالى وتدبر معي أخي الكريم آية أخرى يعاتب الله تعالى بها عباده بتلاوتهم للوحي التلاوة السطحية فيقول المولى عز وجل : [ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ] [البقرة : 113]. فنلاحظ أن الله تعالى يعاتب اليهود والنصارى على تلاوتهم للوحي التلاوة السطحية في قوله [ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ] معناه برغم تلاوتهم للوحي فإن كل طرف يدعي أن الطرف الآخر ليس على شيء وطبعا لا يمكن أن يكون الوحي هو المتناقض لأن الرسالة السموية كلها تدعو إلى شيء واحد ولا يمكن أن يوجد هناك تعارض بين الرسالات السموية. فبعد صبرنا مع الآيات الربانية يأتي الجواب الحاسم من المولى عز وجل في قوله : [ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ] [المائدة : 68] أي قل لهم يا محمد أنتم معشر اليهود والنصارى لستم على شيء أي لستم على الطريق الصحيح، ولاكن متى يكونون على شيء ؟؟؟ فيجيبهم المولى في نفس الآية : [ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ] [المائدة : 68]. أي المطلوب منكم ليس تلاوة الوحي تلاوة سطحية وإنما إقامة الوحي كما أن الله تبارك وتعالى لم يأمرنا بالصلاة وإنما بإقامة الصلاة، أي نستطيع إسقاط هذه الآية علينا فنقول : قل يا أمة القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن. فهل نحن من مقيمي القرآن فنكون من من وصفهم المولى عز وجل بـ : [ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ] لنكون من المؤمنين به أم أننا من الفريق الآخر فيحق علينا الوعيد. وإلى موضوع آخر بحول الله، أشكركم عل حسن الاستماع والعمل به وإلى الملتقى.
أسأل الله لي ولكم بالتبات، وأن يعيننا على تدبر آياته وأن لا يكتبنا عنده من الكافرين بآياته، والحمد لله رب العالمين.
ملاحظة : في الموضوع آيات بينات يجب علي وعليكم تبليغها لكل الناس لكي لا نسقط في كتمان آيات الله ( لأننا مأمورون بتبليغ الآيات البينات وما أكثرها في القرآن) فيحق علينا وعيده الذي قال المولى فيه: [ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ] [البقرة : 159]؛
صدق الله في محكم تنزيله بقوله:
[ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ] [القمر : 17]