إخواني إني أدعوكم للإبحار معي فوق سفينة القرآن لنعلم حقيقة ما وقع في ذلك العهد عهد عيسى بن مريم. قال تعالى((بل رفعهُ الله إليه وكان الله عزيزا حكيما))وكذلك قوله((وإنّ من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا)) نعم رفعه الله بعد موته في الدنيا بإنقضاء أجله الذي بلغ الكهولة لقوله تعالى: ((يكلم الناس في المهد وكهلا )) هذه المرحلة بين شبابه و كهولته قد غابت عنا وهي مرحلة محكمة بإتقان تام كقوله لموسى (( إصطنعتك لنفسي)) نعم لقد كان هذا التشبيه أساس نجاح هذه المرحلة، ولولاه لعاشها مطارد من طرف اليهود، وهنا تبرز الحكمة في أن يعيش عيسى بن مريم حياة هادئة مطمئنة بعد الإنقلاب اليهودي والتخطيط لقتله، فعلم سبحانه سرّهم فكان الذي وقع تخطيطا إلاهيا محكما، ترتب عنه بزوغ ذرية عيسى بن مريم من أبناء وحفدة لايعلمهم إلاّ الله مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران ((وإني سميتها مريم وإنيّ أعيدها بك وذريتها من الشيطان الرّجيم)) سيقول بعض الناس أن هذا دعاء معتاد من كل أم لإبنتها، ولكن لو علم الله عدم تًَحَقق هذا الدعاء المبارك بسبب هذا الرفع الوهمي لما أخبرنا به أصلا هذا من جهة كون عيسى طرف من ذرية مريم فوجب له الأبناء لإقرارهذه الذرية المؤكدة أما قوله سبحانه في سورة الرعد : (( ولقد أرسلنا رُسُلاَ من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرّية)) فهو تأكيد بوجود الزوجة والأبناء فعيسى بن مريم هوأب لذرية مباركة أقرتها كلمات الله ولامبدل لكلماته. لقد ظللنا الطريق بعدم تحقيق معنى قوله: ((رَفعناهُ)) فجاءت النتائج وخيمة بطمس الحكمة من التشبيه وإقرار نزول عيسى بن مريم قبل القيامة. قال تعالى في سورة مريم:((وآذكر في الكتاب إدريس إنّه كان صدّيقا نبيّا[56] و رفعناه مكانا عليّاً)) أي أنّ العلي القديرقد رفعه إلى السماوات العلى بعد وفاته كباقي الأنبياء والشّهداء والصدّيقين والصّالحين فالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، والعمل الصالح ذي الكلام الطيب يرفع صاحبه إلى السماء مصداقا لقوله: (من كان يريد الِعزّة فِلله العِزةُ جميعا إليه يصعدالكلمُ الطيب والعمل الصالح َيْرفَعُهُ). وأمّا الذي أخدته العِزّة وإنْسلخ من آيات الله بعد ثبوتها فله الخلود في ظلمات القبر إلى يوم القيامة مصداقا لقوله تعالى:((وآتلُ عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا فآنسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين [175] ولو ِشئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض وآتبعَ هَوَاهُ)) لقد أعطىجمهورالعلماء لهذا الرفع صفة خيالية لا يقبله العقل، والواقع هو رفع الروح الطيبة بعد وفاتها مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران:((إذ قال الله ياعيسىإنيّ متوفيك ورافعك إليّ و مطهرك من الذين كفروا)) وكذلك قالها عيسى بن مريم مجيبا لسؤال الله يوم القيامة:((ما قلت لهم إلاّ ماأمرتني به أِن آعبدوا الله ربيّ وربّكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم)).ليختم الله هذه الحقيقة بقوله:((وإنّ من أهل الكتاب إلاّ ليؤمننّ به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا) أي أنّ هناك أناسا من بني إسرائيل شهدوا كهولته وموته وآمنوا به نبيا وهم شهداء بما علموا ورأوا على الذين ضنّوا أنهم قتلوا عيسى بن مريم يوم القيامة. لقد أصبحت حكمة التشبيه واضحة للعيان ليبقى نزول عيسى بن مريم شيء خيالي بني على قصة خيالية خالفة القرآن الكريم، لكن وجب تأكيدعدم حدوثه بالقرآن والسنة قال تعالى:((إنْ هو إلاّعبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل[59] ولو شئنا لجعلنا منكم ملائكة في الارض يخلفون[60] وإنه لعلم الساعة فلا تمترنّ بها)) فقال شيوخنا أن عيسى بن مريم علامة من علامات الساعة لنزوله قبل وقوعها. هنا كذلك لم يتحدث القرآن على نزول عيسى بل تحدث على نزول الملائكة للأرض يوم القيامة وأنه مشهد من علم الساعة فكان قوله:((ولو شئنا لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون)) جوابا على قول الذين قالوا:((لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربّنا لقد آستكبروا في أنفسهم وعتو عُتوا كبيرا)) وكذلك قولهم في سورة الحجر((وقالوا ياأيها الذي نزّل عليه الذكر إنّك لمجنون(6)لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين)) فأجابهم الله بقوله:((يوم ترون الملائكة لابشرى يومئد للمجرمين ويقولون حجرا محجورا)) وكذلك أكّد سبحانه هذا المشهد العظيم بقوله:((ويوم تشقق السماء بالغمام وننزّل الملائكة تنزيلا)) وبقوله كذلك((ما ننزّل الملائكة إلاّ بالحق وما كانوا إذا منظرين)) فكان تنزيل الملائكة يوم القيامة حدث من علم الساعة وأمرا من أمورها مصداقا لقوله تعالى:(هل ينظرون إلاّ يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور)). لنعد لهذاالحوارالإلاهي سنجد قول عيسى بن مريم ينفي نهائيا هذاالنزول مجيبا على سؤال يوم القيامة:(( وكنتُ عليهم شهيدا مادمت فيهم فلما توفيتني كنتَ أنت الرقيب عليهم)) فكان جوابا صادقا على الذين إدّعواألوهيتًه بعد موته،هؤلاء النصارى ما كانوا أن يقولوا هذا وهو فيهم بل إفتروه بعد وفاته وإدّعوا ِلللّهِ صاحبة وولدا إلى يوم القيامة. إذن فعيسى لن ينزل لكي يجتمع ثانية مع قومه النصارى لأن آخرعهد له عليه السلام بقومه كان قبل موته، وهذه شهادة يشهد بها المسيح نفسه فلا مجادلة فيها أصلا، إذا كان المسيح يقر بشهادة تامةعلىعدم نزوله قبل يوم القيامة فكيف لنا نحن أن نُقِرّالعكس؟!!. لقد تطرق نبيُّنا محمدعليه الصلاة والسلام لهذاالإدّعاءالضال وإستنكره علىالنصارى بقوله عليه السلام:{والذي بنفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم عيسى بن مريم حكما مقسطا،فيكسرالصليب ويقتل الخنزير} أخرجه أبوداود والشيخان ومالك فظن الناس أن الحديث ذليل على نزول عيسى بن مريم، وكان عدم فهمه كماأراد الله ورسوله سببا في إنسياقنا وراء هذا الخطء ليومنا هذا.إذا تمعنا في الحديث النبوي الشريف وجدناه موجه لفئتة معينة وهم النصارىالذين يفترون الكذب علىالله ولتعظيم هذاالبهتان وتكبيره في أعين الناس كان قوله(ص):{يوشكن أن ينزل فيكم }وهذاإلاّ في سبيل تعظيم ذلك الإدّعاء الخاطىء عند النصارى مصداقا لقوله تعالى:((وقالوا آتخد الرحمن ولدا[88] لقد جئتم شيئا إذا[89] تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا[90] أن آدعوا للرحمن ولدا)) وهل تفطرت السموات وإنشقت الأرض وخرت الجبال؟ لا والله فهي باقية بإذن الله إلى يوم القيامة بل تكاد وتوشك على ذلك تعظيما للذنب والإثم الذي إقترفه النصارى بإدّعائهم الكاذب. ولاننسى أن محمد عليه الصلاة والسلام هو خاتم الأنياء ولا نبيا بعده ،ونزول عيسى بن مريم للدنيا قد خالف هذه القاعدة والقرآن مصداقا لقوله تعالى:((وما محمد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل)) أي أن محمد(ص) شأنُهُ شأن عيسى وموسى وإبراهيم وكُلُّ الرسل التي خلت وغادرت أرض الدنيا بعد أن أدّت الرسالة المنوطة بها،لقدحدثنا رسول الله عن المسيح الذجّال مما يدل على أن فكرة ظهورعيسى ثانية قدعشعشت في عقول الناس حتى يأتي زمن يخرج فيه من يدَّعي أنه عيسى بن مريم وماهو إلاّ مشعود كذاب ومسيخ ذجال كما ذكر رسول الله(ص) وحدّرنا من السقوط في شباكه،اللهم آشهد وأنت خير الشاهدين. ................................... هشام عبد الرحمان