الفصل الخامس والخمسون بعد المئة
حينئذ دعا رئيس الكهنة سرا كاهنين شيخين وأرسلهم الى يسوع الذي كان قد خرج من الهيكل وكان جالسا في رواق سليمان منتظرا ليصلي صلاة الظهيرة، وكان بجانبه تلاميذه مع جم غفير من الشعب، فاقترب الكاهنان من يسوع وقالا: لماذا أكل الانسان حنطة وثمرا؟، هل أراد الله أن يأكلهما أم لا؟، وإنما قالا هذا ليجرباه، لأنه لو قال: أن الله أراد ذلك لأجابا: لماذا نهى عنها؟، وإذا قال: أن الله لم يرد ذلك يقولان : ان للانسان قوة أعظم من الله لأنه يعمل ضد ارادة الله، أجاب يسوع: ان سؤالكما كطريق في جبل ذو جرف عن اليمين وعن اليسار ولكن أسير في الوسط، فلما سمع الكاهنان ذلك تحيرا لأنهما أدركا أن يسوع قد فهم قلبيهما، ثم قال يسوع: لما كان كل انسان محتاجا كان يعمل كل شيء لأجل منفعته، ولكن الله الذي لا يحتاج الى شيء عمل بحسب مشيئته، لذلك لما خلق الانسان خلقه حرا ليعلم أن ليس لله حاجة اليه، كما يفعل الملك الذي يعطى حرية لعبيده ليظهر ثروته وليكون عبيده أشد حبا له، اذا قد خلق الله الانسان حرا لكي يكون أشد حبا لخالقه وليعرف جوده، لأن الله وهو قادر على كل شيء غير محتاج الى الانسان فانه اذ خلقه بقدرته على كل شيء تركه حرا بجوده على طريقة يمكنه معها مقاومة الشر وفعل الخير، وان الله على قدرته على منع الخطيئة لم يرد أن يضاد جوده ( اذ ليس عند الله تضاد) فلما عملت قدرته على كل شيء وجوده (عملهما) في الانسان لم يقاوم الخطيئة في الانسان لكي تعمل في الانسان رحمة الله وبره، وآية صدقي هي أن أقول لكما أن رئيس الكهنة قد أرسلكما لتجرباني وهذا هو ثمر كهنوته، فانصرف الشيخان وقصا كل شيء على رئيس الكهنة الذي قال: ان وراء ظهر هذا الشخص الشيطان الذي يلقنه كل شيء، لأنه يطمح الى ملكية اسرائيل، ولكن الامر في ذلك لله.
الفصل السادس والخمسون بعد المئة
ولما اجتاز يسوع من الهيكل بعد ان صلى صلاة الظهيرة وجد أكمها، فسأله تلاميذه قائلين: أيها المعلم من أخطأ في هذا الانسان حتى ولد اعمى أبوه أم امه؟، أجاب يسوع: لا أبوه أخطأ فيه ولا امه، ولكن الله خلقه هكذا شهادة للانجيل، وبعد ان دعا الأكمة اليه تفل على الارض وصنع طينا ووضعه على عيني الاكمه، وقال له: اذهب الى بركة سلوام واغتسل، فذهب الاكمه ولما اغتسل أبصر، فبينما كان راجعا الى البيت قال كثيرون من الذين التقوا به: لو كان هذا الرجل أعمى لقلت بكل تأكيد انه هو الذي كان يجلس على الباب الجميل من الهيكل، وقال آخرون: انه هو ولكن كيف أبصر؟، فسألوه قائلين: هل أنت الاكمه الذي كان يجلس على الباب الجميل من الهيكل؟، أجاب: اني انا هو ولماذا؟، قالوا: كيف نلت بصرك؟، أجاب: ان رجلا صنع طينا تافلا على الارض ووضع هذا الطين على عيني؟، وقال لي: اذهب واغتسل في بركة سلوام، فذهبت واغتسلت فصرت الان أبصر، تبارك إله إسرائيل، ولما عاد الرجل الذي كان أكمه إلى الباب الجميل من الهيكل امتلأت اورشليم كلها بالخبر، لذلك احضر الى رئيس الكهنة الذي كان يأتمر مع الكهنة والفريسيين على يسوع فسأله رئيس الكهنة قائلا: هل ولدت أعمى أيها الرجل؟، أجاب: نعم، فقال رئيس الكهنة: الا فأعط مجدا لله واخبرنا أي نبي ظهر لك في الحلم وأنالك نورا؟، أهو أبونا ابراهيم أم موسى خادم الله أم نبي آخر؟، لأن غيرهم لا يقدر أن يفعل شيئا نظير هذا؟ فأجاب الرجل الذي ولد أعمى: اني لم أر في حلم ولم يشفني لا ابراهيم ولا موسى ولانبي آخر؟، ولكن بينا أنا جالس على باب الهيكل ادناني رجل اليه، وبعد ان صنع طينا من تراب بتفله وضع بعضا من ذلك الطين على عيني وأرسلني الى بركة سلوام لأغتسل، فذهبت واغتسلت وعدت بنور عيني، فسأله رئيس الكهنة عن اسم ذلك الرجل، فأجاب الرجل الذي ولد أعمى: انه لم يذكر لي اسمه، ولكن رجلا رآه ناداني وقال: اذهب واغتسل كما قال ذلك الرجل، لأن يسوع الناصري نبي إله اسرائيل وقدوسه، فقال حينئذ رئيس الكهنة: لعله أبرأك اليوم أي السبت ؟ ، أجاب الأعمى: انه أبرأني اليوم، فقال رئيس الكهنة : انظروا الآن كيف ان هذا الرجل خاطئ لأنه لا يحفظ السبت!
الفصل السابع والخمسون بعد المئة
أجاب الأعمى: لست أعلم أخاطئ هو أم لا، إنما اعلم هذا هو أني أعمى فأراني ، فلم يصدق الفريسيون هذا ، لذلك قالوا لرئيس الكهنة : أرسل وادع أباه وامه لأنهما يقولان لنا الصدق ، فدعوا أبا الرجل الأكمه وامه ، فلما حضرا سألهما رئيس الكهنة قائلا: هل هذا الرجل ابنكما ؟ ، أجابا: انه ابننا حقا، فقال حينئذ رئيس الكهنة: يقول انه ولد أعمى والآن يبصر فكيف حدث هذا الشيء؟، أجاب أبو الرجل الذي ولد أعمى وامه: انه ولد حقا أعمى ولكن لا نعلم كيف نال النور، هو كامل السن اسألوه يقل لكم الصدق، فصرفوهما وعاد الرئيس فقال للرجل الذي ولد أعمى: أعط مجد لله وقل الصدق ـ وكان أبو الرجل وأمه خائفين أن يتكلما، لانه صدر أمر من مجلس الشيوخ الروماني انه لا يجوز لانسان أن يتحزب ليسوع نبي اليهود والا فالعقاب الموت، وهو أمر استصدره الوالي، لذلك قالا: هو كامل السن اسألوه ـ فقال حينئذ رئيس الكهنة للرجل الذي ولد أعمى أعط مجدا لله قل الصدق لأننا نعلم ان هذا الرجل الذي تقول انه شفاك خاطئ، أجاب الرجل الذي ولد أعمى: لست أعلم أخاطئ هو إنما أعلم هذا اني كنت لا أبصر فأناراني، ومن المؤكد انه منذ ابتداء العالم حتى هذه الساعة لم ينر أكمه، والله لا يصيخ السمع الى الخطأة، قال الفريسيون: ماذا فعل لما أنارك، حينئذ تعجب الرجل الذي ولد أعمى من عدم ايمانهم وقال: لقد أخبرتكم فلماذا تسألونني أيضا، أتريدون أنتم أن تصيروا تلاميذ له؟، فوبخه حينئذ رئيس الكهنة قائلا: انك ولدت بجملتك في الخطيئة أفتريد أن تعلمنا؟، أغرب وصر أنت تلميذا لهذا الرجل، أما نحن فاننا تلاميذ موسى ونعلم ان الله كلم موسى، أما هذا الرجل فلا نعلم من أين هو، فأخرجوه من المجمع والهيكل ونهوه عن الصلاة مع الطاهرين بين اسرائيل .
الفصل الثامن والخمسون بعد المئة
وذهب الرجل الذي ولد أعمى ليجد يسوع، فعزاه قائلا: انك لم تبارك في زمن ما كما أنت الآن، لأنك مبارك من إلهنا الذي تكلم على لسان داود أبينا ونبيه في اخلاء العالم قائلا: (هم يلعنون وأنا ابارك)، وقال على لسان ميخا النبي: ( اني ألعن بركتك)، لأن التراب لا يضاد الهواء ولا الماء النار ولا النور الظلام ولا البرد الحرارة ولا المحبة البغضاء كما تضاد ارادة الله ارادة العالم، فسأله لذلك التلاميذ قائلين: ما أعظم كلامك أيها السيد، فقل لنا المعنى لأننا حتى الآن لم نفهم، أجاب يسوع: متى عرفتم العالم ترون أني قلت الحق، وهكذا ستعرفون الحق في كل نبي، فاعلموا اذا أن هناك ثلاثة أنواع من العوالم متضمنة في اسم واحد، الاول يشير الى السموات والارض مع الماء والهواء والنار وكل الأشياء التي هي دون الانسان فيتبع هذا العالم في كل شيء ارادة الله كما يقول داود: ( لقد أعطاها الله امرا لا تتعداه)، الثاني يشير الى كل بشر كما ان بيت فلان لا يشير الى الجدران بل الى الاسرة، فهذا العالم يحب الله أيضا، لأنهم بالطبيعة يتوقون الى الله قدر ما يستطيع كل أحد بحسب الطبيعة الى الله وان ضلوا في طلب الله، أفتعلمون لماذا يتوق الجميع الى الله؟، لأنهم لا يتوقون جميعا الى صلاح غير متناه بدون أدنى شر، وهذا هو الله وحده، لذلك أرسل الله الرحيم أنبياءه الى هذا العالم لخلاصه، أما الثالث فهو حال سقوط الانسان في الخطيئة التي تحولت الى شريعة مضادة خالق العالم، فهذا يصيِّر الانسان نظير الشياطين أعداء الله، فماذا تظنون ـ وهذا العالم يكرهه الله كرها شديدا ـ فما مصير الانبياء لو أحبوا هذا العالم؟، حقا ان الله ليأخذ منهم نبوتهم، وماذا أقول؟، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو خامر رسول الله حب هذا العالم الشرير متى جاء اليه لأخذ الله منه بالتأكيد كل ما وهبه عند خلقه وجعله منبوذا، لأن الله بهذا المقدار مضاد للعالم.
الفصل التاسع والخمسون بعد المئة
أجاب التلاميذ: يا معلم ان كلامك لعظيم جدا فارحمنا لأننا لا نفهمه، قال يسوع: أيخيل لكم أن الله قد خلق رسوله ليكون ندا له يريد أن يجعل نفسه مساويا لله؟، كلا ثم كلا، بل عبده الصالح الذي لا يريد مالا يريده الله، انكم لا تقدرون أن تفقهوا هذا لانكم لا تعرفون ما هي الخطيئة، فأصيخوا السمع لكلامي، الحق الحق أقول لكم ان الخطيئة لا يمكن أن تنشأ في إنسان إلا مضادة لله، إذ ليست الخطيئة الا ما لا يريده الله، فإن كل ما يريده اجنبي عن الخطيئة، فلو اضطهدني رؤساء الكهنة والكهنة مع الفريسيين لأن شعب اسرائيل دعاني إلها لفعلوا شيئا يرضى به الله ولكافأهم الله، ولكن الله مقتهم لأنهم يضطهدونني لسبب مضاد وهو انهم لا يريدون أن أقول الحق، وكم قد افسدوا بتقليدهم كتاب موسى وكتاب داود نبي الله وخليليه وانهم لهذا يكرهونني ويودون موتي، ان موسى قتل ناسا وأخاب قتل ناسا قولوا لي أيعد هذا قتلا من كليهما؟، لا البتة، لأن موسى قتل الناس ليبيد عبادة الاصنام وليبقي على عبادة الإله الحقيقي، ولكن أخاب قتل ناسا ليبيد عبادة الإله الحقيقي وليبقى على عبادة الأصنام، لذلك تحول قتل موسى للناس ضحية على حين تحول قتل أخاب تدنيسا، فان ذات العمل الواحد أحدث نتيجتين متضادتين، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو كلم الشيطان الملائكة ليرى كيف أحبوا الله لما رذله الله، ولكنه منبوذ لأنه حاول أن يبعدهم عن الله ، حينئذ أجاب الذي يكتب: فكيف يجب اذا أن يفهم ما قيل في ميخا النبي بشأن الكذب الذي أمر الله الانبياء الكذبة أن يتفوهوا به كما هو مكتوب في كتاب ملوك اسرائيل؟، أجاب يسوع: اتل يا برنابا بالاختصار كل ما حدث لترى الحق جليا.
الفصل الستون بعد المئة
حينئذ قال الذي يكتب: ان دانيال النبي لما وصف تاريخ ملوك اسرائيل وطغاتهم كتب هكذا: ( اتحد ملك اسرائيل مع ملك يهوذا ليحاربا بني بلعال (أي المنبوذين) الذين كانوا العمونيين، ولما كان يهوشافاط ملك يهوذا وأخاب ملك اسرائيل جالسين كلاهما على عرش في السامرة وقف أمامهم أربع مئة نبي كذاب، فقالوا لملك اسرائيل: (اصعد ضد العمونيين لأن الله سيدفعهم الى يديك وستبدد عمون)، حينئذ قال يهوشافاط: ( هل يوجد نبي هنا لإله ابائنا؟)، أجاب أخاب: (يوجد واحد فقط وهو شرير لأنه دائما يتنبأ بالشر عليّ، ولقد وضعته في السجن) ـ وهو إنما قال ((يوجد واحد فقط)) لان كل الذين وجدوا قتلوا بأمر أخاب، حتى ان الانبياء كما قلت يا معلم هربوا الى رؤوس الجبال حيث لا يسكن بشر ـ ، حينئذ قال يهوشافاط: (احضره الى هنا ولنر ما يقول)، لذلك أمر أخاب أن يحضر ميخا الى هنا، فأتى بقود في رجليه ووجهه مضطرب كشخص يعيش بين الموت والحياة، فسأله قائلا: (تكلم يا ميخا باسم الله أنصعد ضد العمونيين أيدفع الله مدنهم الى أيدينا؟)، أجاب ميخا: (اصعد اصعد لأنك ستصعد مفلحا وتنزل أشد فرحا!)، حينئذ أطرى الانبياء الكذبة ميخا قائلين: ( انه نبي صادق لله) وكسروا القيود من رجليه، أما يهوشافاط الذي يخاف إلهنا ولم يحن ركبتيه قط للأصنام فسأل ميخا قائلا: (قل الحق يا ميخا اكراما لاله آبائنا كما رأيت عقبى هذه الحرب)، أجاب ميخا: ( إني لأخشى وجهك يا يهوشافاط لذلك أقول لك إني رأيت شعب اسرائيل كغنم لا راعي لها)، حينئذ قال أخاب مبتسما ليهوشافاط: (لقد اخبرتك إن هذا الرجل لا يتنبأ الا بسوء ولكنك لم تصدق ذلك)، فقال حينئذ كلاهما: (كيف تعلم هذا يا ميخا؟)، أجاب ميخا: ((خيل لي أن قد التأمت ندوة من الملائكة في حضرة الله، وسمعت الله يقول هكذا: (من يغوى أخاب ليصعد ضد عمون ويقتل)، فقال واحد شيئا وقال آخر شيئا آخر، ثم أتى ملاك فقال: (يا رب أنا أحارب أخاب فاذهب الى أنبيائه الكذبة والقي كذبا في أفواههم وهكذا يصعد ويقتل)، فلما سمع الله هذا قال: (اذهب وافعل هكذا فانك تفلح) ))، فحنق حينئذ الانبياء الكذبة، فصفع رئيسهم خد ميخا قائلا: (يا منبوذ الله متى عبر لك ملاك الحق من عندنا وجاء اليك، قل لنا متى جاء الينا الملاك الذي حمل الكذب؟)، أجاب ميخا: (انك ستعرف متى هربت من بيت الى بيت خوفا من القتل انك قد أغويت ملكك)، فتغيظ حينئذ أخاب وقال: (امسكوا ميخا وضعوا القيود التي كانت في رجليه على عنقه واقتصروه على خبز الشعير والماء الى حين عودتي، لأني لا أعرف الآن بأية ميتة انكل به)، فصعدوا وتم الامر حسب كلمة ميخا، لأن ملك العمونيين قال لخدمه: ( احذروا أن تحاربوا ملك يهوذا أو عظماء اسرائيل بل اقتلوا عدوي أخاب ملك اسرائيل))، حينئذ قال يسوع قف هنا لأنه يكفي هذا لغرضنا.
الفصل الحادي والستون بعد المئة
فقال يسوع: أسمعتم كل شيء؟، أجاب التلاميذ: نعم يا سيد، فقال من ثم يسوع: ان الكذب خطيئة ولكن القتل خطيئة أعظم، لأن الكذب خطيئة تختص بالذي يتكلم، ولكن القتل على كونه يختص بالذي يرتكبه هو يهلك أيضا أعز شيء لله هنا على الارض أي الانسان، ويمكن مداواة الكذب بقول ضد ما قد قيل على حين لا دواء للقتل لأنه ليس بممكن منح الميت حياة، قولوا لي اذا هل أخطأ موسى عبد الله بقتل كل الذين قتلهم؟، أجاب التلاميذ: حاش لله حاش لله أن يكون موسى قد أخطأ بطاعته لله الذي أمره، فقال حينئذ يسوع: وأنا أقول حاش لله أن يكون قد أخطأ ذلك الملاك الذي خدع أنبياء أخاب الكذبة بالكذب، لأنه كما ان الله يقبل قتل الناس ذبيحة فهكذا قبل الكذب حمدا، الحق أقول لكم كما يغلط الطفل الذي يصنع حذاءه بقياس(رجلي) جبار هكذا يغلط من يجعل الله خاضعا للشريعة كما انه هو نفسه خاضع لها من حيث هو انسان، فمتى اعتقدتم أن الخطيئة أنما هي ما لا يريده الله تجدون حينئذ الحق كما قلت لكم، وعليه لما كان الله غير مركب وغير متغير فهو أيضا غير قادر أن يريد وأن لا يريد الشيء الواحد، لأنه بذلك يصير تضاد في نفسه يترتب عليه ألم ولا يكون مباركا الى ما لا نهاية له، أجاب فيلبس: ولكن كيف يجب فهم قول النبي عاموس انه لا يوجد شر في المدينة لم يصنعه الله؟، أجاب يسوع: انظر الآن يا فيلبس ما أشد خطر الاعتماد على الحرف كما يفعل الفريسيون الذين قد انتحلوا لأنفسهم اصطفاء الله للمختارين على طريقة يستنتجون منها فعلا ان الله غير بار وانه خادع وكاذب ومبغض للدينونة (التي ستحل بهم)، لذلك أقول ان عاموس نبي الله يتكلم هنا عن الشر الذي يسميه العالم شرا، لأنه لو استعمل لغة الابرار لما فهمه العالم لأن كل البلايا حسنة اما حسنة لأنها تظهر الشر الذي فعلناه، واما حسنة لأنها تمنعنا عن ارتكاب الشر، واما حسنة لأنها تعرف الانسان حال هذه الحياة لكي نحب ونتوق الى الحياة الأبدية، فلو قال النبي عاموس: (ليس في المدينة من خير الا كان الله صانعه) لكان ذلك وسيلة لقنوط المصابين متى رأوا أنفسهم في المحن والخطأة في سعة من العيش، وأنكى من ذلك انه متى صدق كثيرون أن للشيطان سلطة على الانسان خافوا الشيطان وخدموه تخلصا من البلايا، فلذلك فعل عاموس مايفعله الترجمان الروماني الذي لا ينظر في كلامه كأنه يتكلم في حضرة رئيس الكهنة بل ينظر الى ارادة مصلحة اليهودي الذي لا يعرف التكلم باللسان العبراني.
الفصل الثاني والستون بعد المئة
لو قال عاموس: ((ليس في المدينة من خير الا كان الله صانعه)) لكان لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته قد ارتكب خطأ فاحشا، لأن العالم لا يرى خيرا سوى الظلم والخطايا التي تصنع في سبيل الباطل، وعليه يكون الناس أشد توغلا في الاثم لأنهم يعتقدون انه لا يوجد خطيئة أو شر لم يصنعه الله وهو أمر تتزلزل لسماعه الارض، وبعد ان قال يسوع هذا حصل توا زلزال عظيم الى حد سقط معه كل أحد كأنه ميت، فأنهضهم يسوع قائلا: انظروا الآن اذا كنت قد قلت لكم الحق، فليكفكم هذا اذا، انه لما قال عاموس((ان الله صنع شرا في المدينة)) مكلما العالم فهو إنما تكلم عن البلايا التي لا يسميها شر الا الخطأة، ولنأت الآن على ذكر ما سبق الاصطفاء الذين تريدون أن تعرفوه والذي سأكلمكم عنه غدا على مقربة من الاردن على الجانب الآخر ان شاء الله.
الفصل الثالث والستون بعد المئة
وذهب يسوع مع تلاميذه الى البرية وراء الاردن، فلما انقضت صلاة الظهيرة جلس بجانب نخلة وجلس تلاميذه تحت ظل النخلة، حينئذ قال يسوع: أيها الاخوة ان سبق الاصطفاء لسر عظيم حتى اني أقول لكم الحق انه لا يعلمه جليا الا انسان واحد فقط، وهو الذي تتطلع اليه الامم الذي تتجلى له اسرار الله تجليا فطوبى للذين سيصيخون السمع الى كلامه متى جاء الى العالم، لأن الله سيظللهم كما تظللنا هذه النخلة، بلى انه كما تقينا هذه الشجرة حرارة الشمس المتلظية هكذا تقي رحمة الله المؤمنين بذلك الاسم من الشيطان، أجاب التلاميذ: يا معلم من عسى ان يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي الى العالم؟، أجاب يسوع بابتهاج قلب: انه محمد رسول الله، ومتى جاء الى العالم فسيكون ذريعة للاعمال الصالحة بين البشر بالرحمة الغزيرة التي يأتي بها ،كما يجعل المطر الارض تعطي ثمرا بعد انقطاع المطر زمنا طويلا، فهو غمامة بيضاء ملأى برحمة الله وهي رحمة ينثرها الله رذاذا على المؤمنين كالغيث.
الفصل الرابع والستون بعد المئة
اني أشرح لكم الان ذلك النزر القليل الذي وهبني الله معرفته بشأن سبق هذا الاصطفاء نفسه، يزعم الفريسيون ان كل شيء قدر على طريقة لا يمكن معها لمن كان مختارا أن يصير منبوذا، ومن كان منبوذا لا يتسنى له بأية وسيلة كانت أن يصير مختارا، وانه كما أن الله قدّر أن يكون عمل الصلاح هو الصراط الذي يسير فيه المختارون الى الخلاص هكذا قدر أن تكون الخطيئة هي الطريق الذي يسير فيه المنبوذون إلى الهلاك، لعن اللسان الذي نطق بهذا واليد التي سطرته لأن هذا إنما هو اعتقاد الشيطان، فيمكن للمرء على هذا أن يعرف شاكلة فريسيي هذا العصر لانهم خدمة الشيطان الامناء، فماذا يمكن أن يكون معنى سبق اصطفاء سوى انه ارادة مطلقة تجعل للشيء غاية وسيلة الوصول اليها في يد المرء، فانه بدون وسيلة لا يمكن لأحد تعيين غاية، فكيف يتسنى لأحد تقدير بناء بيت وهو لا يعوزه الحجر والنقود ليصرفها فقط بل يعوزه موطئ القدم من الارض، لا أحد البته، فسبق الاصطفاء لا يكون شريعة الله بالاولى اذا استلزم سلب حرية الارادة التي وهبها الله للانسان بمحض جوده فمن المؤكد اننا نكون اذ ذاك آخذين في اثبات مكرهة لا سبق اصطفاء، أما كون الانسان حرا فواضح من كتاب موسى لأن إلهنا عندما أعطى الشريعة على جبل سينا قال هكذا: ( ليست وصيتي في السماء لكي تتخذ لك عذرا قائلا: من يذهب ليحضر لنا وصية الله؟، ومن يا ترى يعطينا قوة لنحفظها؟، ولا هي وراء البحر لكي تعد نفسك كما تقدم، بل وصيتي قريبة من قلبك حتى أنك تحفظها متى شئت)، قولوا لي لو أمر هيرودس شيخا أن يعود يافعا ومريضا أن يعود صحيحا ثم اذا هما لم يفعلا ذلك أمر بقتلهما أفيكون هذا عدلا؟، أجاب التلاميذ: لو أمر هيرودس بهذا لكان أعظم ظالم وكافر، حينئذ تنهد يسوع وقال: أيها الاخوة ما هذه إلا ثمار التقاليد البشرية، لأنه بقولهما أن الله قدّر فقضى على المنبوذ بطريقة لا يمكن معها أن يصير مختارا يجدفون على الله كأنه طاغ وظالم، لأنه يأمر الخاطئ أن يخطئ واذا أخطأ أن يتوب، على ان هذا القدر ينزع من الخاطئ القدرة على ترك الخطيئة فيسلبه التوبة بالمرة.
الفصل الخامس والستون بعد المئة
ولكن اسمعوا ما يقول الله على لسان يوئيل النبي : ( لعمري ( يقول ) إلهكم لا أريد موت الخاطئ بل أود أن يتحول الى التوبة)، أيقدر الله اذا ما لا يريده؟، تأملوا ما يقول الله وما يقول فريسيو الزمن الحاضر، يقول الله أيضا على لسان النبي أشعيا: (دعوت فلم تصغوا إلي)، وما أكثر ما دعا الله، فاسمعوا ما يقول على لسان هذا النبي نفسه: (بسطت يدي طول النهار الى شعب لا يصدقني بل يناقضني)، فاذا قال فريسيونا ان المنبوذ لا يقدر أن يصير مختارا فهل يقولون سوى ان الله يستهزئ بالبشر كما لو استهزأ بأعمى يريه شيئا أبيض وكما لو استهزأ بأصم يكلمه في اذنيه؟، أما كون المختار يمكن أن ينبذ فتأملوا ما يقول إلهنا على لسان حزقيال النبي : ( يقول الله لعمري اذا رجع البار عن بره وارتكب الفواحش فانه يهلك ولا أذكر فيما بعد شيئا من بره فان بره سيخذله أمامي فلا ينجيه وهو متكل عليه، أما نداء المنبوذين فماذا يقول الله فيه على لسان هوشع سوى هذا: (انى ادعوا شعبا غير مختار فادعوهم مختارين)،ان الله صادق ولا يمكن أن يكذب وان الله لما كان هو الحق فهو يقول الحق، ولكن فريسيي الوقت الحاضر يناقضون الله كل المناقضة بتعليمهم.
الفصل السادس والستون بعد المئة
أجاب اندراوس: ولكن كيف يجب أن يفهم ما قال الله لموسى من انه يرحم من يرحم ويقسِّي من يقسى؟، أجاب يسوع: إنما يقول الله هذا لكيلا يعتقد الانسان انه خلص بفضيلته، بل ليدرك ان الحياة ورحمة الله قد منحهما له الله من جوده، ويقوله ليتجنب البشر الذهاب إلى أنه يوجد آلهة أخرى سواه، فاذا هو قسِّى فرعون فإنما فعله لأنه نكل بشعبنا وحاول أن يبغى عليه بابادة كل الاطفال الذكور من اسرائيل حتى كاد موسى يخسر حياته، وعليه أقول لكم حقا ان أساس القدر إنما هو شريعة الله وحرية الارادة البشرية، بل لو قدّر الله أن يخلص العالم كله حتى لا يهلك أحد لما أراد أن يفعل ذلك، لكيلا يجرد الانسان من الحرية التي يحفظها له ليكبد الشيطان حتى يكون لهذه الطينة التي امتهنها الروح (الشيطان) ـ وان أخطأت كما فعل الروح ـ قدرة على التوبة والذهاب للسكن في ذلك الموضع الذي طرد منه الروح، فأقول إن إلهنا يريد أن يتبع برحمته حرية إرادة الإنسان ، ولا يريد أن يترك بقدرته غير المتناهية المخلوق ، هكذا لا يقدر أحد في يوم الدين أن يعتذر عن خطاياه، لأنه يتضح له حينئذ كم فعل الله لتجديده وكم وكم قد دعاه الى التوبة.
الفصل السابع والستون بعد المئة
وعليه فاذا كانت أفكاركم لا تطمئن لهذا ووددتم أن تقولوا أيضا : (( لماذا هكذا)) فاني أوضح لكم ((لماذا)) ، وهو هذا: قولوا لي لماذا لا يمكن الحجر أن يستقر على سطح الماء مع ان الارض برمتها مستقرة على سطح الماء؟، قولوا لي لماذا كان التراب والهواء والماء والنار متحدة بالإنسان ومحفوظة على وفاق؟ مع ان الماء يطفئ النار والتراب يهرب من الهواء حتى انه لا يقدر أحد أن يؤلف بينها، فإذ كنتم اذا لا تفقهون هذاـ بل ان كل البشر من حيث هم بشر لا يقدرون أن يفقهوه ـ فكيف يفقهون ان الله خلق الكون من لا شيء بكلمة واحدة؟، كيف يفقهون أزلية الله؟، حقا لا يتاح لهم أبدا أن يفقهوا هذا، لأنه لما كان الانسان محدودا ويدخل في تركيبه الجسد الذي هو كما يقول النبي سليمان قابل للفساد يضغط النفس ولما كانت أعمال الله مناسبة لله فكيف يمكن للانسان ادراكها؟، فلما رأى أشعيا نبي الله هذا صرخ قائلا : ( حقا إنك لإله محتجب ) ، ويقول عن رسول الله كيف خلقه الله : ( أما جيله فمن يصفه ؟ ) ، ويقول عن عمل الله : ( من كان مشيره فيه ) ، لذلك يقول الله للطبيعة البشرية: (كما تعلوا السماء عن الأرض هكذا تعلوا طرقي عن طريقكم وأفكاركم)، لذلك أقول لكم ان كيفية القدر غير واضحة للانسان وان كان ثبوته حقيقيا كما قلت لكم، أفيجب اذا على الانسان أن ينكر الواقع لأنه لا يقدر أن يعرف كيفيته؟، حقا اني لم أجد أحدا يرفض الصحة وان لم يمكن ادراك كيفيتها، لأني لا أدري حتى الآن كيف يشفي الله المرض بواسطة لمسي.
الفصل الثامن والستون بعد المئة
حينئذ قال التلاميذ: حقا ان الله تكلم على لسانك لأنه لم يتكلم انسان قط كما تتكلم، أجاب يسوع: صدقوني انه لما اختارني الله ليرسلني الى بيت اسرائيل اعطاني كتابا يشبه مرآة نقية نزلت الى قلبي حتى ان كل ما أقول يصدر عن ذلك الكتاب، ومتى انتهى صدور ذلك الكتاب من فمي أصعد عن العالم، أجاب بطرس: يا معلم هل ما تتكلم به مكتوب في ذلك الكتاب؟، أجاب يسوع: ان كل ما أقول لمعرفة الله ولخدمة الله ولمعرفة الانسان ولخلاص الجنس البشري إنما هو جميعه صار من ذلك الكتاب هو انجيلي، قال بطرس: أمكتوب فيه مجد الجنة ؟ .
الفصل التاسع والستون بعد المئة
أجاب يسوع: أصيخوا السمع أشرح لكم كيفية الجنة وكيف ان الاطهار والمؤمنين يقيمون هناك الى غير نهاية، وهذا بركة من أعظم بركات الجنة لأن كل شيء مهما كان عظيما اذا كان له نهاية يصير صغيرا بل لا شيء، فالجنة هي البيت الذي يخزن فيه الله مسراته التي هي عظيمة جدا، حتى ان الارض التي تدوسها أقدام الاطهار والمباركين ثمينة جدا بحيث ان درهما منها أثمن من ألف عالم ، ولقد رأى هذه المسرات أبونا داود نبي الله، فان الله أراه اياها اذ يسر له أن يبصر مجد الجنة، ولذلك لما عاد الى نفسه غطى عينيه بكلتا يديه وقال باكيا: (لا تنظري فيما بعد الى هذا العالم يا عيني لأن كل شيء فيه باطل وليس فيه شيء جيد)، ولقد قال عن هذه المسرات أشعيا النبي: ( لم تر عينا انسان ولم تسمع أذناه ولم يدرك قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه)، أتعلمون لماذا لم يروا ولم يسمعوا ولم يدركوا هذه المسرات؟ لأنهم ما داموا عائشين هنا في الاسفل فهم ليسوا أهلا لمشاهدة مثل هذه الاشياء، ولذلك اخبركم ان أبانا داود على كونه قد رآها حقا لم يرها بعينين بشريتين، لأن الله أخذ نفسه اليه وهكذا لما صار متحدا مع الله رآها بنور إلهي ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لما كانت مسرات الجنة غير متناهية وكان الإنسان متناهيا فلا يقدر الانسان أن يعيها كما ان جرة صغيرة لا تقدر أن تعي البحر، انظروا ما أجمل العالم في زمن الصيف حين تحمل كل الاشياء ثمرا؟، حتى ان الفلاح نفسه يثمل من الحبور بالحصاد الذي أتى فيجعل الاودية والجبال ترجع غناءه، لأنه يحب أعماله كل الحب، الا فارفعوا اذا قلبكم هكذا الى الجنة حيث تثمر كل الاشياء ثمارا على قدر الذي حرثها، لعمر الله ان هذا كاف لمعرفة الجنة من حيث ان الله خلق الجنة بيتا لمسراته، ألا تظنون انه يكون للجودة غير المحدودة بالقياس أشياء غير محدودة في الجودة؟، أو أنه يكون للجمال الذي يقاس أشياء جمالها يفوق القياس؟، احذروا فانكم تضلون كثيرا اذا كنتم تظنون انها ليست عنده.
الفصل السبعون بعد المئة
يقول الله هكذا للرجل الذي يعبده باخلاص: (اعرف أعمالك وانك تعمل لي، لعمري أنا الأبدي إن حبك لا يزيد على جودي، فإنك تعبدني إلها خالقا لك عالما أنك صنعي، ولا تطلب مني شيئا سوى النعمة والرحمة لإخلاصك في عبادتي لأنك لا تضع حدا لعبادتي إذ ترغب أن تعبدني أبدا ، هكذا أفعل أنا فاني اجزيك كأنك إله وند لي ، لأني لا أضع في يديك خيرات الجنة فقط بل أعطيك نفسي هبة، وكما انك تريد أن تكون عبدي دائما اجعل أجرتك الى الابد).
الفصل الحادي والسبعون بعد المئة
قال يسوع لتلاميذه: ما هو ظنكم في الجنة؟، هل يوجد عقل يدرك مثل ذلك الغنى والمسرات؟، فعلى الانسان الذي يريد أن يعرف ما يريد الله أن يعطى لعبيده أن تكون معرفته عظيمة على قدر معرفة الله، اذا قدم هيرودس هدية لأحد شرفائه الاخصاء أتدرون بأية طريقة يقدمها؟، أجاب يوحنا: لقد رأيت ذلك مرتين وأؤكد ان عشر ما يعطيه يكون فيه الكفاية لفقير، قال يسوع: ولكن لو قدم فقير لهيرودس فماذا يعطيه؟، أجاب يوحنا: فلسا أو فلسين، قال يسوع: فليكن هذا كتابكم الذي تطالعون فيه لأجل معرفة الجنة، لأن كل ما أعطى الله للانسان في هذا العالم الحاضر لجسده هو كما لو أعطى هيرودس فلسا لفقير، ولكن ما يعطيه الله للجسد والنفس في الفردوس هو كما لو أعطى هيرودس كل ما عنده بل حياته لأحد خدمه.
الفصل الثاني والسبعون بعد المئة
يقول الله لمن يحبه ويعبده باخلاص هكذا: (يا عبدي اذهب وتأمل رمال البحر ما أكثرها، فاذا أعطاك البحر حبة رمل واحدة الا يظهر لك ان ذلك قليل؟، بلى البتة، لعمري انا خالقك ان كل ما أعطيت لكل عظماء وملوك الارض لأقل من حبة رمل يعطيك اياها البحر في جنب ما اعطيك اياه في الجنة).
الفصل الثالث والسبعون بعد المئة
قال يسوع: تأملوا اذا خيرات الجنة، انه لو أعطى الله للانسان في هذا العالم أوقية من سعة العيش فسيعطيه في الجنة ألف ألف حمل، تأملوا مقدار الثمار التي في هذا العالم ومقدار الازهار ومقدار الاشياء التي تخدم الانسان، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته كما يزيد رمل البحر على الحبة التي يأخذها منه آخذ يزيد تين الجنة في جودته ومقداره على نوع التين الذي نأكله هنا، وقس عليه كل شيء آخر في الجنة، ولكن أقول لكم أيضا أنه كما أن الجبل من ذهب واللآليء هو أثمن من ظل نملة هكذا تكون مسرات الجنة أعظم قيمة من مسرات العظماء والملوك التي كانت وستكون لهم دينونة الله حين ينقضي العالم، قال بطرس: أيذهب جسدنا الذي لنا الآن الى الجنة؟، أجاب يسوع: احذر يابطرس من أن تصير صدوقيا فان الصدوقيين يقولون أن الجسد لا يقوم أيضا وانه لا توجد ملائكة، لذلك حرم على جسدهم وروحهم الدخول في الجنة وهم محرومون من كل خدمة الملائكة في هذا العالم، أنسيتم أيوب النبي وخليل الله كيف يقول: (أعلم أن إلهي حي وأني سأقوم في اليوم الأخير بجسدي و سأرى بعيني الله مخلصي)؟، ولكن صدقوني أن جسدنا هذا يتطهر على كيفية لا يكون له معها خاصة واحدة من خصائصه الحاضرة، لأنه سيتطهر من كل شهوة شريرة، وسيعيده الله الى الحال التي كان عليها آدم قبل أن أخطأ، رجلان يخدمان سيدا واحدا في عمل واحد، أحدهما يقتصر على النظر في العمل واصدار الاوامر والثاني يقوم بكل ما يأمره به الأول، أقول أترون من العدل أن يخص السيد بالجزاء من ينظر و يأمر فقط ويطرد من بيته من أنهك نفسه في العمل؟، لا البتة، فكيف يحتمل عدل الله هذا؟، ان نفس الانسان وجسده وحسه تخدم الله، فالنفس تنظر وتأمر بالخدمة فقط لأن النفس لما كانت لا تأكل خبزا فهي لا تصوم ولا تمشي ولا تشعر بالبرد أو الحر ولا تمرض ولا تقتل لانها خالدة، وهي لا تكابد شيئا من الآلام الجسدية التي يكابدها الجسد بفعل العناصر، فأقول هل من العدل اذا أن تذهب النفس وحدها الى الجنة دون الجسد الذي أنهك نفسه بهذا المقدار في خدمة الله؟، قال بطرس: يا معلم لما كان الجسد هو الذي حمل النفس على الخطيئة فلا ينبغي أن يوضع في الجنة، أجاب يسوع: كيف يخطئ الجسد بدون النفس، حقا ان هذا محال، فاذا نزعت رحمة الله من الجسد قضيت على النفس بالجحيم.
الفصل الرابع والسبعون بعد المئة
لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته ان الله يعد الخاطئ برحمته قائلا: (أقسم بنفسي أن الساعة التي يندب فيها الخاطئ خطيئته هي التي أنسى فيها اثمه الى الابد)، فأي شيء يأكل اذا أطعمة الجنة اذا كان الجسد لا يذهب الى هناك؟، هل النفس؟ لا البتة لأنها روح، أجاب بطرس: أيأكل اذا المباركون في الفردوس؟. ولكن كيف يبرز الطعام دون نجاسة؟، أجاب يسوع: أي بركة ينالها الجسم اذا لم يأكل ولم يشرب؟، من المؤكد أنه من اللائق أن يكون التمجيد بالنسبة الى الشيء الممجد، ولكنك تخطئ يا بطرس في ظنك أن طعاما كهذا يبرز نجاسة، لأن الجسم في الوقت الحاضر يأكل أطعمة قابلة للفساد ولهذا يحصل الفساد، ولكن الجسم يكون في الجنة غير قابل للفساد وغير قابل للألم وخالدا وخاليا من كل شقاء، والأطعمة التي لا عيب فيها لا تحدث أدنى فساد.
الفصل الخامس والسبعون بعد المئة
هكذا يقول الله على لسان أشعياء النبي ساكبا ازدراء على المنبوذين: (يجلس خدمي على مائدتي في بيتي ويتلذذون بابتهاج مع حبور ومع صوت الأعواد والأراغن ولا أدعهم يحتاجون شيئا ما، أما أنتم أعدائي فتطرحون خارجا عني حيث تموتون في الشقاء وكل خادم لي يمتهنكم ) .
الفصل السادس والسبعون بعد المئة
قال يسوع لتلاميذه: ماذا يجدي نفعا قوله يتلذذون، حقا ان الله يتكلم جليا، ولكن ما فائدة الأنهر الأربعة من السائل الثمين في الجنة مع ثمار وافرة جدا؟، فمن المؤكد أن الله لا يأكل والملائكة لا تأكل والنفس لا تأكل والحس لا يأكل بل الجسد الذي هو جسمنا، فمجد الجنة هو طعام الجسد، أما النفس والحس فلهما الله ومحادثة الملائكة والأرواح المباركة، وأما ذلك المجد فسيوضحه بأجلى بيان رسول الله الذي هو أدرى بالأشياء من كل مخلوق لأن الله قد خلق كل شيء حبا فيه، قال برتولوماوس: يا معلم أيكون مجد الجنة لكل واحد على السواء؟، فاذا كان على السواء فهو ليس من العدل، واذا لم يكن على السواء فالاصغر يحسد الاعظم، أجاب يسوع: لا يكون على السواء لان الله عادل، وسيكون كل أحد قنوعا اذ لا حسد هناك، قل لي يا برتولوماوس يوجد سيد عنده كثيرون من الخدمة ويلبس جميع خدمه هؤلاء لباسا واحدا، أيحزن اذا الغلمان اللابسون لباس الغلمان لأنه ليس لهم ثياب البالغين؟، بل بالعكس لو أراد البالغون أن يلبسوهم ثيابهم الكبيرة لتغيَّظوا لانه لما لم تكن الاثواب موافقة لحجمهم يزعمون أنهم سخرية، فارفع اذن يا برتولوماوس قلبك لله في الجنة فترى أن للجميع مجدا واحدا ومع أنه يكون كثيرا لواحد وقليلا للآخر فهو لا يولد شيئا من الحسد.
الفصل السابع والسبعون بعد المئة
حينئذ قال من يكتب: يا معلم أللجنة نور من الشمس كما لهذا العالم؟، أجاب يسوع: هكذا قال لي الله يا برنابا: (ان للعالم الذي تسكنون فيه أيها البشر الخطأة الشمس والقمر والنجوم تزينه لفائدتكم وحبوركم، لاني لأجل هذا خلقتها، أتحسبون اذا أن البيت الذي يسكن فيه المؤمنون بي لا يكون أفضل؟، حقا إنكم تخطئون في هذا الحسبان، لأني أنا إلهكم هو شمس الجنة ورسولي هو القمر الذي يستمد مني كل شيء، والنجوم أنبيائي الذين قد بشروكم بشيء، فكما أخذ المؤمنون بي كلمتي من أنبيائي (هنا) سينالون كذلك مسرة وحبورا بواسطتهم في جنة مسراتي ؟.
الفصل الثامن والسبعون بعد المئة
ثم قال يسوع: ليكفكم هذا في معرفة الجنة، فعاد من ثم برتولوماوس وقال: يا معلم كن طويل الأناة عليّ اذا سألتك مسألة، قال يسوع: قل ما تريد؟، قال برتولوماوس: حقا ان الجنة لواسعة لأنه اذا كان فيها خيرات عظيمة هذا مقدارها فلا بد أن تكون واسعة، أجاب يسوع: ان الجنة واسعة جداحتى أنه لا يقدر أحد أن يقيسها، الحق أقول لك أن السموات تسع موضوعة بينها السيارات التي تبعد إحداها عن الأخرى مسيرة رجل خمس مئة سنة، وكذلك الأرض على مسيرة خمس مئة سنة من السماء الأولى، ولكن قف عند قياس السماء الأولى التي تزيد عن الأرض برمتها كما تزيد الأرض عن حبة رمل، وهكذا تزيد السماء الثانية عن الأولى والثالثة عن الثانية وهلم جرا حتى السماء الأخيرة كل منها تزيد عما يليها، والحق أقول لكم أن الجنة أكبر من الأرض برمتها والسموات برمتها كما أن الأرض برمتها أكبر من حبة رمل، فقال حينئذ بطرس: يا معلم لا بد أن تكون الجنة أكبر من الله لان الله يرى داخلها، أجاب يسوع: صه يا بطرس لأنك تجدف على غير هدى.
الفصل التاسع والسبعون بعد المئة
حينئذ جاء الملاك جبريل ليسوع، وأراه مرآة براقة كالشمس، رأى فيها هذه الكلمات مكتوبة: (لعمري أنا الأبدي، كما أن الجنة أكبر من السموات برمتها والأرض وكما أن الأرض برمتها أكبر من حبة رمل هكذا أنا أكبر من الجنة، بل أكثر كثيرا من ذلك عدد حبوب رمل البحر وقطرات الماء في البحر وعشب الأرض وأوراق الأشجار وجلود الحيوانات، بل أكثر من ذلك كثيرا عدد حبوب الرمل التي تملأ السموات والجنة بل أكثر)، حينئذ قال يسوع: لنسجد لإلهنا المبارك إلى الأبد ، فطأطأوا من ثم رؤوسهم مئة مرة وعفَّروا الأرض بوجوههم في الصلاة، ولما انتهت الصلاة دعا يسوع بطرس وأخبره هو وكل التلاميذ بما رأى، وقال لبطرس: ان نفسك التي هي أعظم من الأرض برمتها ترى بعين واحدة الشمس التي هي أكبر من الأرض بألوف من المرار، فأجاب بطرس: ان ذلك لصحيح، فقال حينئذ يسوع: هكذا ترى الله خالقك بواسطة الجنة، وبعد أن قال يسوع هذا شكر الله ربنا مصليا لأجل بيت اسرائيل والمدينة المقدسة، فأجاب كل واحد: ليكن كذلك يا رب.
الفصل الثمانون بعد المئة
ولما كان يسوع ذات يوم في رواق سليمان دنا منه أحد(فرقة) الكتبة وهو احد الذين يخطبون في الشعب، وقال له: يا معلم لقد خطبت في هذا الشعب مرارا عديدة وفي خاطري آية من الكتاب اشكل علي فهمها، أجاب يسوع: وما هي؟، قال الكاتب: هي ما قاله الله لإبراهيم ابينا : ( إني أكون جزاءك العظيم ) فكيف يستحق الانسان(هذا الجزاء)، فتهلل حينئذ يسوع بالروح وقال: حقا انك لست بعيدا عن ملكوت الله، أصخ السمع الي لاني أفيدك معنى هذا التعليم، لما كان الله غير محدود والانسان محدودا لم يستحق الانسان الله فهل هذا موضوع ريبتك أيها الأخ؟، أجاب الكاتب باكيا: يا سيد انك تعرف قلبي، تكلم اذا لأن نفسي تروم أن تسمع صوتك، فقال حينئذ يسوع: لعمر الله ان الانسان لا يستحق النفس القليل الذي يأخذه كل دقيقة، فلما سمع الكاتب هذا كاد يجن وانذهل كذلك التلاميذ لأنهم ذكروا ما قال يسوع انهم مهما أعطوا في حب الله يأخذون مئة ضعف، حينئذ قال : لو أقرضكم أحد مئة قطعة من الذهب فصرفتم هذه القطع أفتقولون لذلك الانسان: اني أعطيك ورقة كرمة عفنة فاعطني بها بيتك لأني أستحقه؟، أجاب الكاتب: لا يا سيدي لأنه يجب عليه أن يدفع ما عليه ثم عليه اذا أراد شيئا أن يعطي أشياء جيدة ولكن ما نفع ورقة فاسدة؟
الفصل الحادي والثمانون بعد المئة
أجاب يسوع: لقد قلت حسنا أيها الأخ، فقل لي من خلق الانسان من لا شيء؟، من المؤكد أنه هو الله الذي وهبه العالم برمته لمنفعته، ولكن الانسان قد صرفه كله بارتكاب الخطيئة، لانه بسبب الخطيئة انقلب العالم ضدا للانسان، وليس للانسان في شقائه شيء يعطيه لله سوى أعمال أفسدتها الخطيئة، لأنه بارتكابه الخطيئة كل يوم يفسد عمله، لذلك يقول أشعيا النبي: (ان برنا هو كخرقة حائض)، فكيف يكون للانسان استحقاق وهو غير قادر على الترضية؟، لعل الانسان لا يخطئ؟، من المؤكد إن إلهنا يقول على لسان نبيه داود: ( إن الصدّيق يسقط سبع مرات في اليوم)، فكم يسقط الفاجر اذا؟، واذا كان برنا فاسدا فكم يكون فجورنا ممقوتا؟، لعمر الله انه لا يوجد شيء يجب على الانسان الاعراض عنه كهذا القول((اني استحق))، ليعرف الانسان أيها الأخ عمل يديه فيرى توا استحقاقه، حقا ان كل عمل صالح يصدر عن الانسان لا يفعله الانسان بل إنما يفعله الله فيه، لأن وجوده من الله الذي خلقه، أما ما يفعله الانسان فهو أن يخالف خالقه ويرتكب الخطيئة التي لا يستحق عليها جزاءا بل عذابا.
الفصل الثاني والثمانون بعد المئة
لم يخلق الله الانسان كما قلت فقط بل خلقه كاملا، ولقد أعطاه ملاكين ليحرساه، وبعث له الانبياء، ومنحه الشريعة، ومنحه الايمان، وينقذه كل دقيقة من الشيطان، ويريد أن يهبه الجنة، بل أكثر من ذلك فإن الله يريد ان يعطى نفسه للانسان، فتأملوا اذا كان الدين عظيما، فلمحو هذه وجب عليكم أن تكونوا أنتم قد خلقتم الانسان من العدم، وأن تكونوا قد خلقتم أنبياء بعدد ما بعث الله مع ( خلق ) عالم وجنة، بل أكثر من ذلك مع خلق إله عظيم وجواد كإلهنا ، وأن تهبوها برمتها لله، فبهذا يمحى الدين ويبقى عليكم فرض تقديم الشكر لله فقط، ولكن لما كنتم غير قادرين على خلق ذبابة واحدة ولما كان لا يوجد إلا إله واحد وهو سيد كل الاشياء فكيف تقدرون أن تمحوا دينكم؟، حقا ان أقرضكم أحد مئة قطعة من الذهب وجب عليكم أن تردوا مئة قطعة من الذهب، وعليه فان معنى هذا أيها الاخ هو أنه لما كان الله سيد الجنة وكل شيء يقدر أن يقول كل ما يشاء ويهب كل ما يشاء، لذلك لما قال لابراهيم: (اني أكون جزاءك العظيم) لم يقدر ابراهيم أن يقول(الله جزائي)بل(الله هبتي وديني)، لذلك يجب عليك أيها الاخ عندما تخطب في الشعب أن تفسر هذه الآية هكذا: (ان الله يهب الانسان كذا وكذا من الاشياء اذا عمل الانسان حسنا، متى كلمك الله أيها الانسان وقال: (انك يا عبدي قد عملت حسنا حبا فيّ فأي جزاء تطلبه مني أنا إلهك ؟ ) ، فأجب أنت : ( لما كنت يا رب عمل يديك فلا يليق أن يكون فيّ خطيئة وهو ما يحبه الشيطان ، فارحم يا رب لأجل مجدك أعمال يديك، فاذا قال الله: (قد عفوت عنك وأريد الآن أن أجزيك) فأجب: (يا رب أنا أستحق العقوبة لما فعلته وأنت تستحق لما فعلته أن تمجد فعاقبني يا رب على ما فعلت وخلِّص ما قد صنعت)، فاذا قال الله: (ما هو العقاب الذي تراه معادلا لخطيئتك؟) فأجب أنت: (يا رب بقدر ما سيكابده كل المنبوذين)، فاذا قال الله: (لما تطلب يا عبدي الأمين عقوبة عظيمة كهذه؟) فأجب أنت: (لو أخذ كل منهم على قدر ما أخذت لكانوا أشد اخلاصا مني في خدمتك)، فاذا قال الله: (متى تريد أن تصيبك هذه العقوبة وكم تكون مدتها؟) فأجب أنت: (الآن والى غير نهاية)، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن رجلا كهذا يكون مرضيا لله أكثر من كل ملائكتة الأطهار، لأن الله يحب الاتضاع الحقيقي ويكره الكبرياء؟، حينئذ شكر الكاتب يسوع وقال له: يا سيدي لنذهب الى بيت خادمك لأن خادمك يقدم لك وللتلاميذ طعاما، فأجاب يسوع: اني أذهب الآن الى هناك متى وعدتني أن تدعوني أخا لا سيدا وتقول أنك أخي لا خادمي فوعد الرجل وذهب يسوع الى بيته.
الفصل الثالث والثمانون بعد المئة
وبينما كانوا جالسين على الطعام قال الكاتب: يا معلم قلت أن الله يحب الاتضاع الحقيقي، فقل لنا ماهو وكيف يكون حقيقيا أو كذبا أجاب يسوع: الحق أقول لكم أن من لا يصير كطفل صغير لا يدخل ملكوت السماء، تعجب كل أحد لسماع هذا، وقال كل للاخر: كيف يمكن لمن كان ابن ثلاثين وأربعين سنة أن يصير ولدا؟ حقا ان هذا لقول عويص، أجاب يسوع: لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن كلامي لحق، اني قلت لكم أنه يجب على الانسان أن يصير كطفل صغير لأن هذا هو الاتضاع الحقيقي، فانكم لو سألتم ولدا صغيرا : (من صنع ثيابك) يجيب(أبي)، واذا سألتموه(لمن البيت الذي هو فيه؟) يقول(بيت أبي)، واذا سألتموه(من يعطيك لتأكل؟) يجيب: (أبي)، واذا قلتم: (من علمك المشي والتكلم؟) يجيب: (أبي)، ولكن اذا قلتم له: (من شجّ جبهتك فإن جبهتك معصوبه؟) يجيب: (سقطت فشججت رأسي)، واذا قلتم له: (فلماذا وقعت؟) يجيب: (ألا ترون أني صغير حتى لا قوة لي على المشي والاسراع كالبالغ حتى أنه يجب أن يأخذ أبي بيدي اذا كنت أمشي بثبات قدم، ولكن تركني أبي هنيهة لأتعلم المشي جيدا فأحببت أن أسرع فسقطت)، واذا قلتم: (وماذا قال أبوك؟) يجيب: (لماذا لم تمش ببطء أنظر أن لا تترك في المستقبل جانبي).
الفصل الرابع والثمانون بعد المئة
قال يسوع: قولوا لي أهذا صحيح؟، فأجاب التلاميذ والكاتب: انه لصحيح كل الصحة، فقال حينئذ يسوع: ان من يشهد بالله باخلاص قلب أن الله منشئ كل صلاح وأنه هو نفسه منشئ الخطيئة يكون متضعا، ولكن من يتكلم بلسانه كما يتكلم الولد ويناقضه بالعمل فهو بالتأكيد ذو تواضع كاذب وكبرياء حقيقية، ان الكبرياء تكون في أوجها متى استخدمت الاشياء الوضعية لكيلا توبخها الناس وتمتهنها، فالاتضاع الحقيقي هو مسكنة النفس التي يعرف بها الإنسان نفسه بالحقيقة ، ولكن الصفة الكاذبة إنما هي ضبابة من الجحيم تجعل بصيرة النفس مظلمة بحيث ينسب الانسان إلى الله ما يجب عليه أن ينسبه إلى نفسه ، وعليه فإن الرجل ذا الاتضاع الكاذب يقول أنه متوغل في الخطيئة ولكن اذا قال له أحد أنه خاطئ ثار حنقه عليه واضطهده، ذو الاتضاع الكاذب يقول أن الله أعطاه كل ماله ولكنه هو من جهة لم ينعس بل عمل أعمالا صالحة، فقولوا لي أيها الاخوة كيف يسير فريسيو الزمن الحاضر؟، أجاب الكاتب باكيا: يا معلم ان لفريسيي الزمن الحاضر ثياب الفريسيين واسمهم وما في قلوبهم وأعمالهم سوى كنعانيين، ويا ليتهم لم يغتصبوا اسما كهذا فانهم حينئذ لا يخدعون البسطاء، أيها الزمن القديم كم عاملتنا بقسوة اذ أخذت منا الفريسيين الحقيقيين وتركت لنا الكاذبين.
حينئذ دعا رئيس الكهنة سرا كاهنين شيخين وأرسلهم الى يسوع الذي كان قد خرج من الهيكل وكان جالسا في رواق سليمان منتظرا ليصلي صلاة الظهيرة، وكان بجانبه تلاميذه مع جم غفير من الشعب، فاقترب الكاهنان من يسوع وقالا: لماذا أكل الانسان حنطة وثمرا؟، هل أراد الله أن يأكلهما أم لا؟، وإنما قالا هذا ليجرباه، لأنه لو قال: أن الله أراد ذلك لأجابا: لماذا نهى عنها؟، وإذا قال: أن الله لم يرد ذلك يقولان : ان للانسان قوة أعظم من الله لأنه يعمل ضد ارادة الله، أجاب يسوع: ان سؤالكما كطريق في جبل ذو جرف عن اليمين وعن اليسار ولكن أسير في الوسط، فلما سمع الكاهنان ذلك تحيرا لأنهما أدركا أن يسوع قد فهم قلبيهما، ثم قال يسوع: لما كان كل انسان محتاجا كان يعمل كل شيء لأجل منفعته، ولكن الله الذي لا يحتاج الى شيء عمل بحسب مشيئته، لذلك لما خلق الانسان خلقه حرا ليعلم أن ليس لله حاجة اليه، كما يفعل الملك الذي يعطى حرية لعبيده ليظهر ثروته وليكون عبيده أشد حبا له، اذا قد خلق الله الانسان حرا لكي يكون أشد حبا لخالقه وليعرف جوده، لأن الله وهو قادر على كل شيء غير محتاج الى الانسان فانه اذ خلقه بقدرته على كل شيء تركه حرا بجوده على طريقة يمكنه معها مقاومة الشر وفعل الخير، وان الله على قدرته على منع الخطيئة لم يرد أن يضاد جوده ( اذ ليس عند الله تضاد) فلما عملت قدرته على كل شيء وجوده (عملهما) في الانسان لم يقاوم الخطيئة في الانسان لكي تعمل في الانسان رحمة الله وبره، وآية صدقي هي أن أقول لكما أن رئيس الكهنة قد أرسلكما لتجرباني وهذا هو ثمر كهنوته، فانصرف الشيخان وقصا كل شيء على رئيس الكهنة الذي قال: ان وراء ظهر هذا الشخص الشيطان الذي يلقنه كل شيء، لأنه يطمح الى ملكية اسرائيل، ولكن الامر في ذلك لله.
الفصل السادس والخمسون بعد المئة
ولما اجتاز يسوع من الهيكل بعد ان صلى صلاة الظهيرة وجد أكمها، فسأله تلاميذه قائلين: أيها المعلم من أخطأ في هذا الانسان حتى ولد اعمى أبوه أم امه؟، أجاب يسوع: لا أبوه أخطأ فيه ولا امه، ولكن الله خلقه هكذا شهادة للانجيل، وبعد ان دعا الأكمة اليه تفل على الارض وصنع طينا ووضعه على عيني الاكمه، وقال له: اذهب الى بركة سلوام واغتسل، فذهب الاكمه ولما اغتسل أبصر، فبينما كان راجعا الى البيت قال كثيرون من الذين التقوا به: لو كان هذا الرجل أعمى لقلت بكل تأكيد انه هو الذي كان يجلس على الباب الجميل من الهيكل، وقال آخرون: انه هو ولكن كيف أبصر؟، فسألوه قائلين: هل أنت الاكمه الذي كان يجلس على الباب الجميل من الهيكل؟، أجاب: اني انا هو ولماذا؟، قالوا: كيف نلت بصرك؟، أجاب: ان رجلا صنع طينا تافلا على الارض ووضع هذا الطين على عيني؟، وقال لي: اذهب واغتسل في بركة سلوام، فذهبت واغتسلت فصرت الان أبصر، تبارك إله إسرائيل، ولما عاد الرجل الذي كان أكمه إلى الباب الجميل من الهيكل امتلأت اورشليم كلها بالخبر، لذلك احضر الى رئيس الكهنة الذي كان يأتمر مع الكهنة والفريسيين على يسوع فسأله رئيس الكهنة قائلا: هل ولدت أعمى أيها الرجل؟، أجاب: نعم، فقال رئيس الكهنة: الا فأعط مجدا لله واخبرنا أي نبي ظهر لك في الحلم وأنالك نورا؟، أهو أبونا ابراهيم أم موسى خادم الله أم نبي آخر؟، لأن غيرهم لا يقدر أن يفعل شيئا نظير هذا؟ فأجاب الرجل الذي ولد أعمى: اني لم أر في حلم ولم يشفني لا ابراهيم ولا موسى ولانبي آخر؟، ولكن بينا أنا جالس على باب الهيكل ادناني رجل اليه، وبعد ان صنع طينا من تراب بتفله وضع بعضا من ذلك الطين على عيني وأرسلني الى بركة سلوام لأغتسل، فذهبت واغتسلت وعدت بنور عيني، فسأله رئيس الكهنة عن اسم ذلك الرجل، فأجاب الرجل الذي ولد أعمى: انه لم يذكر لي اسمه، ولكن رجلا رآه ناداني وقال: اذهب واغتسل كما قال ذلك الرجل، لأن يسوع الناصري نبي إله اسرائيل وقدوسه، فقال حينئذ رئيس الكهنة: لعله أبرأك اليوم أي السبت ؟ ، أجاب الأعمى: انه أبرأني اليوم، فقال رئيس الكهنة : انظروا الآن كيف ان هذا الرجل خاطئ لأنه لا يحفظ السبت!
الفصل السابع والخمسون بعد المئة
أجاب الأعمى: لست أعلم أخاطئ هو أم لا، إنما اعلم هذا هو أني أعمى فأراني ، فلم يصدق الفريسيون هذا ، لذلك قالوا لرئيس الكهنة : أرسل وادع أباه وامه لأنهما يقولان لنا الصدق ، فدعوا أبا الرجل الأكمه وامه ، فلما حضرا سألهما رئيس الكهنة قائلا: هل هذا الرجل ابنكما ؟ ، أجابا: انه ابننا حقا، فقال حينئذ رئيس الكهنة: يقول انه ولد أعمى والآن يبصر فكيف حدث هذا الشيء؟، أجاب أبو الرجل الذي ولد أعمى وامه: انه ولد حقا أعمى ولكن لا نعلم كيف نال النور، هو كامل السن اسألوه يقل لكم الصدق، فصرفوهما وعاد الرئيس فقال للرجل الذي ولد أعمى: أعط مجد لله وقل الصدق ـ وكان أبو الرجل وأمه خائفين أن يتكلما، لانه صدر أمر من مجلس الشيوخ الروماني انه لا يجوز لانسان أن يتحزب ليسوع نبي اليهود والا فالعقاب الموت، وهو أمر استصدره الوالي، لذلك قالا: هو كامل السن اسألوه ـ فقال حينئذ رئيس الكهنة للرجل الذي ولد أعمى أعط مجدا لله قل الصدق لأننا نعلم ان هذا الرجل الذي تقول انه شفاك خاطئ، أجاب الرجل الذي ولد أعمى: لست أعلم أخاطئ هو إنما أعلم هذا اني كنت لا أبصر فأناراني، ومن المؤكد انه منذ ابتداء العالم حتى هذه الساعة لم ينر أكمه، والله لا يصيخ السمع الى الخطأة، قال الفريسيون: ماذا فعل لما أنارك، حينئذ تعجب الرجل الذي ولد أعمى من عدم ايمانهم وقال: لقد أخبرتكم فلماذا تسألونني أيضا، أتريدون أنتم أن تصيروا تلاميذ له؟، فوبخه حينئذ رئيس الكهنة قائلا: انك ولدت بجملتك في الخطيئة أفتريد أن تعلمنا؟، أغرب وصر أنت تلميذا لهذا الرجل، أما نحن فاننا تلاميذ موسى ونعلم ان الله كلم موسى، أما هذا الرجل فلا نعلم من أين هو، فأخرجوه من المجمع والهيكل ونهوه عن الصلاة مع الطاهرين بين اسرائيل .
الفصل الثامن والخمسون بعد المئة
وذهب الرجل الذي ولد أعمى ليجد يسوع، فعزاه قائلا: انك لم تبارك في زمن ما كما أنت الآن، لأنك مبارك من إلهنا الذي تكلم على لسان داود أبينا ونبيه في اخلاء العالم قائلا: (هم يلعنون وأنا ابارك)، وقال على لسان ميخا النبي: ( اني ألعن بركتك)، لأن التراب لا يضاد الهواء ولا الماء النار ولا النور الظلام ولا البرد الحرارة ولا المحبة البغضاء كما تضاد ارادة الله ارادة العالم، فسأله لذلك التلاميذ قائلين: ما أعظم كلامك أيها السيد، فقل لنا المعنى لأننا حتى الآن لم نفهم، أجاب يسوع: متى عرفتم العالم ترون أني قلت الحق، وهكذا ستعرفون الحق في كل نبي، فاعلموا اذا أن هناك ثلاثة أنواع من العوالم متضمنة في اسم واحد، الاول يشير الى السموات والارض مع الماء والهواء والنار وكل الأشياء التي هي دون الانسان فيتبع هذا العالم في كل شيء ارادة الله كما يقول داود: ( لقد أعطاها الله امرا لا تتعداه)، الثاني يشير الى كل بشر كما ان بيت فلان لا يشير الى الجدران بل الى الاسرة، فهذا العالم يحب الله أيضا، لأنهم بالطبيعة يتوقون الى الله قدر ما يستطيع كل أحد بحسب الطبيعة الى الله وان ضلوا في طلب الله، أفتعلمون لماذا يتوق الجميع الى الله؟، لأنهم لا يتوقون جميعا الى صلاح غير متناه بدون أدنى شر، وهذا هو الله وحده، لذلك أرسل الله الرحيم أنبياءه الى هذا العالم لخلاصه، أما الثالث فهو حال سقوط الانسان في الخطيئة التي تحولت الى شريعة مضادة خالق العالم، فهذا يصيِّر الانسان نظير الشياطين أعداء الله، فماذا تظنون ـ وهذا العالم يكرهه الله كرها شديدا ـ فما مصير الانبياء لو أحبوا هذا العالم؟، حقا ان الله ليأخذ منهم نبوتهم، وماذا أقول؟، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو خامر رسول الله حب هذا العالم الشرير متى جاء اليه لأخذ الله منه بالتأكيد كل ما وهبه عند خلقه وجعله منبوذا، لأن الله بهذا المقدار مضاد للعالم.
الفصل التاسع والخمسون بعد المئة
أجاب التلاميذ: يا معلم ان كلامك لعظيم جدا فارحمنا لأننا لا نفهمه، قال يسوع: أيخيل لكم أن الله قد خلق رسوله ليكون ندا له يريد أن يجعل نفسه مساويا لله؟، كلا ثم كلا، بل عبده الصالح الذي لا يريد مالا يريده الله، انكم لا تقدرون أن تفقهوا هذا لانكم لا تعرفون ما هي الخطيئة، فأصيخوا السمع لكلامي، الحق الحق أقول لكم ان الخطيئة لا يمكن أن تنشأ في إنسان إلا مضادة لله، إذ ليست الخطيئة الا ما لا يريده الله، فإن كل ما يريده اجنبي عن الخطيئة، فلو اضطهدني رؤساء الكهنة والكهنة مع الفريسيين لأن شعب اسرائيل دعاني إلها لفعلوا شيئا يرضى به الله ولكافأهم الله، ولكن الله مقتهم لأنهم يضطهدونني لسبب مضاد وهو انهم لا يريدون أن أقول الحق، وكم قد افسدوا بتقليدهم كتاب موسى وكتاب داود نبي الله وخليليه وانهم لهذا يكرهونني ويودون موتي، ان موسى قتل ناسا وأخاب قتل ناسا قولوا لي أيعد هذا قتلا من كليهما؟، لا البتة، لأن موسى قتل الناس ليبيد عبادة الاصنام وليبقي على عبادة الإله الحقيقي، ولكن أخاب قتل ناسا ليبيد عبادة الإله الحقيقي وليبقى على عبادة الأصنام، لذلك تحول قتل موسى للناس ضحية على حين تحول قتل أخاب تدنيسا، فان ذات العمل الواحد أحدث نتيجتين متضادتين، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لو كلم الشيطان الملائكة ليرى كيف أحبوا الله لما رذله الله، ولكنه منبوذ لأنه حاول أن يبعدهم عن الله ، حينئذ أجاب الذي يكتب: فكيف يجب اذا أن يفهم ما قيل في ميخا النبي بشأن الكذب الذي أمر الله الانبياء الكذبة أن يتفوهوا به كما هو مكتوب في كتاب ملوك اسرائيل؟، أجاب يسوع: اتل يا برنابا بالاختصار كل ما حدث لترى الحق جليا.
الفصل الستون بعد المئة
حينئذ قال الذي يكتب: ان دانيال النبي لما وصف تاريخ ملوك اسرائيل وطغاتهم كتب هكذا: ( اتحد ملك اسرائيل مع ملك يهوذا ليحاربا بني بلعال (أي المنبوذين) الذين كانوا العمونيين، ولما كان يهوشافاط ملك يهوذا وأخاب ملك اسرائيل جالسين كلاهما على عرش في السامرة وقف أمامهم أربع مئة نبي كذاب، فقالوا لملك اسرائيل: (اصعد ضد العمونيين لأن الله سيدفعهم الى يديك وستبدد عمون)، حينئذ قال يهوشافاط: ( هل يوجد نبي هنا لإله ابائنا؟)، أجاب أخاب: (يوجد واحد فقط وهو شرير لأنه دائما يتنبأ بالشر عليّ، ولقد وضعته في السجن) ـ وهو إنما قال ((يوجد واحد فقط)) لان كل الذين وجدوا قتلوا بأمر أخاب، حتى ان الانبياء كما قلت يا معلم هربوا الى رؤوس الجبال حيث لا يسكن بشر ـ ، حينئذ قال يهوشافاط: (احضره الى هنا ولنر ما يقول)، لذلك أمر أخاب أن يحضر ميخا الى هنا، فأتى بقود في رجليه ووجهه مضطرب كشخص يعيش بين الموت والحياة، فسأله قائلا: (تكلم يا ميخا باسم الله أنصعد ضد العمونيين أيدفع الله مدنهم الى أيدينا؟)، أجاب ميخا: (اصعد اصعد لأنك ستصعد مفلحا وتنزل أشد فرحا!)، حينئذ أطرى الانبياء الكذبة ميخا قائلين: ( انه نبي صادق لله) وكسروا القيود من رجليه، أما يهوشافاط الذي يخاف إلهنا ولم يحن ركبتيه قط للأصنام فسأل ميخا قائلا: (قل الحق يا ميخا اكراما لاله آبائنا كما رأيت عقبى هذه الحرب)، أجاب ميخا: ( إني لأخشى وجهك يا يهوشافاط لذلك أقول لك إني رأيت شعب اسرائيل كغنم لا راعي لها)، حينئذ قال أخاب مبتسما ليهوشافاط: (لقد اخبرتك إن هذا الرجل لا يتنبأ الا بسوء ولكنك لم تصدق ذلك)، فقال حينئذ كلاهما: (كيف تعلم هذا يا ميخا؟)، أجاب ميخا: ((خيل لي أن قد التأمت ندوة من الملائكة في حضرة الله، وسمعت الله يقول هكذا: (من يغوى أخاب ليصعد ضد عمون ويقتل)، فقال واحد شيئا وقال آخر شيئا آخر، ثم أتى ملاك فقال: (يا رب أنا أحارب أخاب فاذهب الى أنبيائه الكذبة والقي كذبا في أفواههم وهكذا يصعد ويقتل)، فلما سمع الله هذا قال: (اذهب وافعل هكذا فانك تفلح) ))، فحنق حينئذ الانبياء الكذبة، فصفع رئيسهم خد ميخا قائلا: (يا منبوذ الله متى عبر لك ملاك الحق من عندنا وجاء اليك، قل لنا متى جاء الينا الملاك الذي حمل الكذب؟)، أجاب ميخا: (انك ستعرف متى هربت من بيت الى بيت خوفا من القتل انك قد أغويت ملكك)، فتغيظ حينئذ أخاب وقال: (امسكوا ميخا وضعوا القيود التي كانت في رجليه على عنقه واقتصروه على خبز الشعير والماء الى حين عودتي، لأني لا أعرف الآن بأية ميتة انكل به)، فصعدوا وتم الامر حسب كلمة ميخا، لأن ملك العمونيين قال لخدمه: ( احذروا أن تحاربوا ملك يهوذا أو عظماء اسرائيل بل اقتلوا عدوي أخاب ملك اسرائيل))، حينئذ قال يسوع قف هنا لأنه يكفي هذا لغرضنا.
الفصل الحادي والستون بعد المئة
فقال يسوع: أسمعتم كل شيء؟، أجاب التلاميذ: نعم يا سيد، فقال من ثم يسوع: ان الكذب خطيئة ولكن القتل خطيئة أعظم، لأن الكذب خطيئة تختص بالذي يتكلم، ولكن القتل على كونه يختص بالذي يرتكبه هو يهلك أيضا أعز شيء لله هنا على الارض أي الانسان، ويمكن مداواة الكذب بقول ضد ما قد قيل على حين لا دواء للقتل لأنه ليس بممكن منح الميت حياة، قولوا لي اذا هل أخطأ موسى عبد الله بقتل كل الذين قتلهم؟، أجاب التلاميذ: حاش لله حاش لله أن يكون موسى قد أخطأ بطاعته لله الذي أمره، فقال حينئذ يسوع: وأنا أقول حاش لله أن يكون قد أخطأ ذلك الملاك الذي خدع أنبياء أخاب الكذبة بالكذب، لأنه كما ان الله يقبل قتل الناس ذبيحة فهكذا قبل الكذب حمدا، الحق أقول لكم كما يغلط الطفل الذي يصنع حذاءه بقياس(رجلي) جبار هكذا يغلط من يجعل الله خاضعا للشريعة كما انه هو نفسه خاضع لها من حيث هو انسان، فمتى اعتقدتم أن الخطيئة أنما هي ما لا يريده الله تجدون حينئذ الحق كما قلت لكم، وعليه لما كان الله غير مركب وغير متغير فهو أيضا غير قادر أن يريد وأن لا يريد الشيء الواحد، لأنه بذلك يصير تضاد في نفسه يترتب عليه ألم ولا يكون مباركا الى ما لا نهاية له، أجاب فيلبس: ولكن كيف يجب فهم قول النبي عاموس انه لا يوجد شر في المدينة لم يصنعه الله؟، أجاب يسوع: انظر الآن يا فيلبس ما أشد خطر الاعتماد على الحرف كما يفعل الفريسيون الذين قد انتحلوا لأنفسهم اصطفاء الله للمختارين على طريقة يستنتجون منها فعلا ان الله غير بار وانه خادع وكاذب ومبغض للدينونة (التي ستحل بهم)، لذلك أقول ان عاموس نبي الله يتكلم هنا عن الشر الذي يسميه العالم شرا، لأنه لو استعمل لغة الابرار لما فهمه العالم لأن كل البلايا حسنة اما حسنة لأنها تظهر الشر الذي فعلناه، واما حسنة لأنها تمنعنا عن ارتكاب الشر، واما حسنة لأنها تعرف الانسان حال هذه الحياة لكي نحب ونتوق الى الحياة الأبدية، فلو قال النبي عاموس: (ليس في المدينة من خير الا كان الله صانعه) لكان ذلك وسيلة لقنوط المصابين متى رأوا أنفسهم في المحن والخطأة في سعة من العيش، وأنكى من ذلك انه متى صدق كثيرون أن للشيطان سلطة على الانسان خافوا الشيطان وخدموه تخلصا من البلايا، فلذلك فعل عاموس مايفعله الترجمان الروماني الذي لا ينظر في كلامه كأنه يتكلم في حضرة رئيس الكهنة بل ينظر الى ارادة مصلحة اليهودي الذي لا يعرف التكلم باللسان العبراني.
الفصل الثاني والستون بعد المئة
لو قال عاموس: ((ليس في المدينة من خير الا كان الله صانعه)) لكان لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته قد ارتكب خطأ فاحشا، لأن العالم لا يرى خيرا سوى الظلم والخطايا التي تصنع في سبيل الباطل، وعليه يكون الناس أشد توغلا في الاثم لأنهم يعتقدون انه لا يوجد خطيئة أو شر لم يصنعه الله وهو أمر تتزلزل لسماعه الارض، وبعد ان قال يسوع هذا حصل توا زلزال عظيم الى حد سقط معه كل أحد كأنه ميت، فأنهضهم يسوع قائلا: انظروا الآن اذا كنت قد قلت لكم الحق، فليكفكم هذا اذا، انه لما قال عاموس((ان الله صنع شرا في المدينة)) مكلما العالم فهو إنما تكلم عن البلايا التي لا يسميها شر الا الخطأة، ولنأت الآن على ذكر ما سبق الاصطفاء الذين تريدون أن تعرفوه والذي سأكلمكم عنه غدا على مقربة من الاردن على الجانب الآخر ان شاء الله.
الفصل الثالث والستون بعد المئة
وذهب يسوع مع تلاميذه الى البرية وراء الاردن، فلما انقضت صلاة الظهيرة جلس بجانب نخلة وجلس تلاميذه تحت ظل النخلة، حينئذ قال يسوع: أيها الاخوة ان سبق الاصطفاء لسر عظيم حتى اني أقول لكم الحق انه لا يعلمه جليا الا انسان واحد فقط، وهو الذي تتطلع اليه الامم الذي تتجلى له اسرار الله تجليا فطوبى للذين سيصيخون السمع الى كلامه متى جاء الى العالم، لأن الله سيظللهم كما تظللنا هذه النخلة، بلى انه كما تقينا هذه الشجرة حرارة الشمس المتلظية هكذا تقي رحمة الله المؤمنين بذلك الاسم من الشيطان، أجاب التلاميذ: يا معلم من عسى ان يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي الى العالم؟، أجاب يسوع بابتهاج قلب: انه محمد رسول الله، ومتى جاء الى العالم فسيكون ذريعة للاعمال الصالحة بين البشر بالرحمة الغزيرة التي يأتي بها ،كما يجعل المطر الارض تعطي ثمرا بعد انقطاع المطر زمنا طويلا، فهو غمامة بيضاء ملأى برحمة الله وهي رحمة ينثرها الله رذاذا على المؤمنين كالغيث.
الفصل الرابع والستون بعد المئة
اني أشرح لكم الان ذلك النزر القليل الذي وهبني الله معرفته بشأن سبق هذا الاصطفاء نفسه، يزعم الفريسيون ان كل شيء قدر على طريقة لا يمكن معها لمن كان مختارا أن يصير منبوذا، ومن كان منبوذا لا يتسنى له بأية وسيلة كانت أن يصير مختارا، وانه كما أن الله قدّر أن يكون عمل الصلاح هو الصراط الذي يسير فيه المختارون الى الخلاص هكذا قدر أن تكون الخطيئة هي الطريق الذي يسير فيه المنبوذون إلى الهلاك، لعن اللسان الذي نطق بهذا واليد التي سطرته لأن هذا إنما هو اعتقاد الشيطان، فيمكن للمرء على هذا أن يعرف شاكلة فريسيي هذا العصر لانهم خدمة الشيطان الامناء، فماذا يمكن أن يكون معنى سبق اصطفاء سوى انه ارادة مطلقة تجعل للشيء غاية وسيلة الوصول اليها في يد المرء، فانه بدون وسيلة لا يمكن لأحد تعيين غاية، فكيف يتسنى لأحد تقدير بناء بيت وهو لا يعوزه الحجر والنقود ليصرفها فقط بل يعوزه موطئ القدم من الارض، لا أحد البته، فسبق الاصطفاء لا يكون شريعة الله بالاولى اذا استلزم سلب حرية الارادة التي وهبها الله للانسان بمحض جوده فمن المؤكد اننا نكون اذ ذاك آخذين في اثبات مكرهة لا سبق اصطفاء، أما كون الانسان حرا فواضح من كتاب موسى لأن إلهنا عندما أعطى الشريعة على جبل سينا قال هكذا: ( ليست وصيتي في السماء لكي تتخذ لك عذرا قائلا: من يذهب ليحضر لنا وصية الله؟، ومن يا ترى يعطينا قوة لنحفظها؟، ولا هي وراء البحر لكي تعد نفسك كما تقدم، بل وصيتي قريبة من قلبك حتى أنك تحفظها متى شئت)، قولوا لي لو أمر هيرودس شيخا أن يعود يافعا ومريضا أن يعود صحيحا ثم اذا هما لم يفعلا ذلك أمر بقتلهما أفيكون هذا عدلا؟، أجاب التلاميذ: لو أمر هيرودس بهذا لكان أعظم ظالم وكافر، حينئذ تنهد يسوع وقال: أيها الاخوة ما هذه إلا ثمار التقاليد البشرية، لأنه بقولهما أن الله قدّر فقضى على المنبوذ بطريقة لا يمكن معها أن يصير مختارا يجدفون على الله كأنه طاغ وظالم، لأنه يأمر الخاطئ أن يخطئ واذا أخطأ أن يتوب، على ان هذا القدر ينزع من الخاطئ القدرة على ترك الخطيئة فيسلبه التوبة بالمرة.
الفصل الخامس والستون بعد المئة
ولكن اسمعوا ما يقول الله على لسان يوئيل النبي : ( لعمري ( يقول ) إلهكم لا أريد موت الخاطئ بل أود أن يتحول الى التوبة)، أيقدر الله اذا ما لا يريده؟، تأملوا ما يقول الله وما يقول فريسيو الزمن الحاضر، يقول الله أيضا على لسان النبي أشعيا: (دعوت فلم تصغوا إلي)، وما أكثر ما دعا الله، فاسمعوا ما يقول على لسان هذا النبي نفسه: (بسطت يدي طول النهار الى شعب لا يصدقني بل يناقضني)، فاذا قال فريسيونا ان المنبوذ لا يقدر أن يصير مختارا فهل يقولون سوى ان الله يستهزئ بالبشر كما لو استهزأ بأعمى يريه شيئا أبيض وكما لو استهزأ بأصم يكلمه في اذنيه؟، أما كون المختار يمكن أن ينبذ فتأملوا ما يقول إلهنا على لسان حزقيال النبي : ( يقول الله لعمري اذا رجع البار عن بره وارتكب الفواحش فانه يهلك ولا أذكر فيما بعد شيئا من بره فان بره سيخذله أمامي فلا ينجيه وهو متكل عليه، أما نداء المنبوذين فماذا يقول الله فيه على لسان هوشع سوى هذا: (انى ادعوا شعبا غير مختار فادعوهم مختارين)،ان الله صادق ولا يمكن أن يكذب وان الله لما كان هو الحق فهو يقول الحق، ولكن فريسيي الوقت الحاضر يناقضون الله كل المناقضة بتعليمهم.
الفصل السادس والستون بعد المئة
أجاب اندراوس: ولكن كيف يجب أن يفهم ما قال الله لموسى من انه يرحم من يرحم ويقسِّي من يقسى؟، أجاب يسوع: إنما يقول الله هذا لكيلا يعتقد الانسان انه خلص بفضيلته، بل ليدرك ان الحياة ورحمة الله قد منحهما له الله من جوده، ويقوله ليتجنب البشر الذهاب إلى أنه يوجد آلهة أخرى سواه، فاذا هو قسِّى فرعون فإنما فعله لأنه نكل بشعبنا وحاول أن يبغى عليه بابادة كل الاطفال الذكور من اسرائيل حتى كاد موسى يخسر حياته، وعليه أقول لكم حقا ان أساس القدر إنما هو شريعة الله وحرية الارادة البشرية، بل لو قدّر الله أن يخلص العالم كله حتى لا يهلك أحد لما أراد أن يفعل ذلك، لكيلا يجرد الانسان من الحرية التي يحفظها له ليكبد الشيطان حتى يكون لهذه الطينة التي امتهنها الروح (الشيطان) ـ وان أخطأت كما فعل الروح ـ قدرة على التوبة والذهاب للسكن في ذلك الموضع الذي طرد منه الروح، فأقول إن إلهنا يريد أن يتبع برحمته حرية إرادة الإنسان ، ولا يريد أن يترك بقدرته غير المتناهية المخلوق ، هكذا لا يقدر أحد في يوم الدين أن يعتذر عن خطاياه، لأنه يتضح له حينئذ كم فعل الله لتجديده وكم وكم قد دعاه الى التوبة.
الفصل السابع والستون بعد المئة
وعليه فاذا كانت أفكاركم لا تطمئن لهذا ووددتم أن تقولوا أيضا : (( لماذا هكذا)) فاني أوضح لكم ((لماذا)) ، وهو هذا: قولوا لي لماذا لا يمكن الحجر أن يستقر على سطح الماء مع ان الارض برمتها مستقرة على سطح الماء؟، قولوا لي لماذا كان التراب والهواء والماء والنار متحدة بالإنسان ومحفوظة على وفاق؟ مع ان الماء يطفئ النار والتراب يهرب من الهواء حتى انه لا يقدر أحد أن يؤلف بينها، فإذ كنتم اذا لا تفقهون هذاـ بل ان كل البشر من حيث هم بشر لا يقدرون أن يفقهوه ـ فكيف يفقهون ان الله خلق الكون من لا شيء بكلمة واحدة؟، كيف يفقهون أزلية الله؟، حقا لا يتاح لهم أبدا أن يفقهوا هذا، لأنه لما كان الانسان محدودا ويدخل في تركيبه الجسد الذي هو كما يقول النبي سليمان قابل للفساد يضغط النفس ولما كانت أعمال الله مناسبة لله فكيف يمكن للانسان ادراكها؟، فلما رأى أشعيا نبي الله هذا صرخ قائلا : ( حقا إنك لإله محتجب ) ، ويقول عن رسول الله كيف خلقه الله : ( أما جيله فمن يصفه ؟ ) ، ويقول عن عمل الله : ( من كان مشيره فيه ) ، لذلك يقول الله للطبيعة البشرية: (كما تعلوا السماء عن الأرض هكذا تعلوا طرقي عن طريقكم وأفكاركم)، لذلك أقول لكم ان كيفية القدر غير واضحة للانسان وان كان ثبوته حقيقيا كما قلت لكم، أفيجب اذا على الانسان أن ينكر الواقع لأنه لا يقدر أن يعرف كيفيته؟، حقا اني لم أجد أحدا يرفض الصحة وان لم يمكن ادراك كيفيتها، لأني لا أدري حتى الآن كيف يشفي الله المرض بواسطة لمسي.
الفصل الثامن والستون بعد المئة
حينئذ قال التلاميذ: حقا ان الله تكلم على لسانك لأنه لم يتكلم انسان قط كما تتكلم، أجاب يسوع: صدقوني انه لما اختارني الله ليرسلني الى بيت اسرائيل اعطاني كتابا يشبه مرآة نقية نزلت الى قلبي حتى ان كل ما أقول يصدر عن ذلك الكتاب، ومتى انتهى صدور ذلك الكتاب من فمي أصعد عن العالم، أجاب بطرس: يا معلم هل ما تتكلم به مكتوب في ذلك الكتاب؟، أجاب يسوع: ان كل ما أقول لمعرفة الله ولخدمة الله ولمعرفة الانسان ولخلاص الجنس البشري إنما هو جميعه صار من ذلك الكتاب هو انجيلي، قال بطرس: أمكتوب فيه مجد الجنة ؟ .
الفصل التاسع والستون بعد المئة
أجاب يسوع: أصيخوا السمع أشرح لكم كيفية الجنة وكيف ان الاطهار والمؤمنين يقيمون هناك الى غير نهاية، وهذا بركة من أعظم بركات الجنة لأن كل شيء مهما كان عظيما اذا كان له نهاية يصير صغيرا بل لا شيء، فالجنة هي البيت الذي يخزن فيه الله مسراته التي هي عظيمة جدا، حتى ان الارض التي تدوسها أقدام الاطهار والمباركين ثمينة جدا بحيث ان درهما منها أثمن من ألف عالم ، ولقد رأى هذه المسرات أبونا داود نبي الله، فان الله أراه اياها اذ يسر له أن يبصر مجد الجنة، ولذلك لما عاد الى نفسه غطى عينيه بكلتا يديه وقال باكيا: (لا تنظري فيما بعد الى هذا العالم يا عيني لأن كل شيء فيه باطل وليس فيه شيء جيد)، ولقد قال عن هذه المسرات أشعيا النبي: ( لم تر عينا انسان ولم تسمع أذناه ولم يدرك قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه)، أتعلمون لماذا لم يروا ولم يسمعوا ولم يدركوا هذه المسرات؟ لأنهم ما داموا عائشين هنا في الاسفل فهم ليسوا أهلا لمشاهدة مثل هذه الاشياء، ولذلك اخبركم ان أبانا داود على كونه قد رآها حقا لم يرها بعينين بشريتين، لأن الله أخذ نفسه اليه وهكذا لما صار متحدا مع الله رآها بنور إلهي ، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته لما كانت مسرات الجنة غير متناهية وكان الإنسان متناهيا فلا يقدر الانسان أن يعيها كما ان جرة صغيرة لا تقدر أن تعي البحر، انظروا ما أجمل العالم في زمن الصيف حين تحمل كل الاشياء ثمرا؟، حتى ان الفلاح نفسه يثمل من الحبور بالحصاد الذي أتى فيجعل الاودية والجبال ترجع غناءه، لأنه يحب أعماله كل الحب، الا فارفعوا اذا قلبكم هكذا الى الجنة حيث تثمر كل الاشياء ثمارا على قدر الذي حرثها، لعمر الله ان هذا كاف لمعرفة الجنة من حيث ان الله خلق الجنة بيتا لمسراته، ألا تظنون انه يكون للجودة غير المحدودة بالقياس أشياء غير محدودة في الجودة؟، أو أنه يكون للجمال الذي يقاس أشياء جمالها يفوق القياس؟، احذروا فانكم تضلون كثيرا اذا كنتم تظنون انها ليست عنده.
الفصل السبعون بعد المئة
يقول الله هكذا للرجل الذي يعبده باخلاص: (اعرف أعمالك وانك تعمل لي، لعمري أنا الأبدي إن حبك لا يزيد على جودي، فإنك تعبدني إلها خالقا لك عالما أنك صنعي، ولا تطلب مني شيئا سوى النعمة والرحمة لإخلاصك في عبادتي لأنك لا تضع حدا لعبادتي إذ ترغب أن تعبدني أبدا ، هكذا أفعل أنا فاني اجزيك كأنك إله وند لي ، لأني لا أضع في يديك خيرات الجنة فقط بل أعطيك نفسي هبة، وكما انك تريد أن تكون عبدي دائما اجعل أجرتك الى الابد).
الفصل الحادي والسبعون بعد المئة
قال يسوع لتلاميذه: ما هو ظنكم في الجنة؟، هل يوجد عقل يدرك مثل ذلك الغنى والمسرات؟، فعلى الانسان الذي يريد أن يعرف ما يريد الله أن يعطى لعبيده أن تكون معرفته عظيمة على قدر معرفة الله، اذا قدم هيرودس هدية لأحد شرفائه الاخصاء أتدرون بأية طريقة يقدمها؟، أجاب يوحنا: لقد رأيت ذلك مرتين وأؤكد ان عشر ما يعطيه يكون فيه الكفاية لفقير، قال يسوع: ولكن لو قدم فقير لهيرودس فماذا يعطيه؟، أجاب يوحنا: فلسا أو فلسين، قال يسوع: فليكن هذا كتابكم الذي تطالعون فيه لأجل معرفة الجنة، لأن كل ما أعطى الله للانسان في هذا العالم الحاضر لجسده هو كما لو أعطى هيرودس فلسا لفقير، ولكن ما يعطيه الله للجسد والنفس في الفردوس هو كما لو أعطى هيرودس كل ما عنده بل حياته لأحد خدمه.
الفصل الثاني والسبعون بعد المئة
يقول الله لمن يحبه ويعبده باخلاص هكذا: (يا عبدي اذهب وتأمل رمال البحر ما أكثرها، فاذا أعطاك البحر حبة رمل واحدة الا يظهر لك ان ذلك قليل؟، بلى البتة، لعمري انا خالقك ان كل ما أعطيت لكل عظماء وملوك الارض لأقل من حبة رمل يعطيك اياها البحر في جنب ما اعطيك اياه في الجنة).
الفصل الثالث والسبعون بعد المئة
قال يسوع: تأملوا اذا خيرات الجنة، انه لو أعطى الله للانسان في هذا العالم أوقية من سعة العيش فسيعطيه في الجنة ألف ألف حمل، تأملوا مقدار الثمار التي في هذا العالم ومقدار الازهار ومقدار الاشياء التي تخدم الانسان، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته كما يزيد رمل البحر على الحبة التي يأخذها منه آخذ يزيد تين الجنة في جودته ومقداره على نوع التين الذي نأكله هنا، وقس عليه كل شيء آخر في الجنة، ولكن أقول لكم أيضا أنه كما أن الجبل من ذهب واللآليء هو أثمن من ظل نملة هكذا تكون مسرات الجنة أعظم قيمة من مسرات العظماء والملوك التي كانت وستكون لهم دينونة الله حين ينقضي العالم، قال بطرس: أيذهب جسدنا الذي لنا الآن الى الجنة؟، أجاب يسوع: احذر يابطرس من أن تصير صدوقيا فان الصدوقيين يقولون أن الجسد لا يقوم أيضا وانه لا توجد ملائكة، لذلك حرم على جسدهم وروحهم الدخول في الجنة وهم محرومون من كل خدمة الملائكة في هذا العالم، أنسيتم أيوب النبي وخليل الله كيف يقول: (أعلم أن إلهي حي وأني سأقوم في اليوم الأخير بجسدي و سأرى بعيني الله مخلصي)؟، ولكن صدقوني أن جسدنا هذا يتطهر على كيفية لا يكون له معها خاصة واحدة من خصائصه الحاضرة، لأنه سيتطهر من كل شهوة شريرة، وسيعيده الله الى الحال التي كان عليها آدم قبل أن أخطأ، رجلان يخدمان سيدا واحدا في عمل واحد، أحدهما يقتصر على النظر في العمل واصدار الاوامر والثاني يقوم بكل ما يأمره به الأول، أقول أترون من العدل أن يخص السيد بالجزاء من ينظر و يأمر فقط ويطرد من بيته من أنهك نفسه في العمل؟، لا البتة، فكيف يحتمل عدل الله هذا؟، ان نفس الانسان وجسده وحسه تخدم الله، فالنفس تنظر وتأمر بالخدمة فقط لأن النفس لما كانت لا تأكل خبزا فهي لا تصوم ولا تمشي ولا تشعر بالبرد أو الحر ولا تمرض ولا تقتل لانها خالدة، وهي لا تكابد شيئا من الآلام الجسدية التي يكابدها الجسد بفعل العناصر، فأقول هل من العدل اذا أن تذهب النفس وحدها الى الجنة دون الجسد الذي أنهك نفسه بهذا المقدار في خدمة الله؟، قال بطرس: يا معلم لما كان الجسد هو الذي حمل النفس على الخطيئة فلا ينبغي أن يوضع في الجنة، أجاب يسوع: كيف يخطئ الجسد بدون النفس، حقا ان هذا محال، فاذا نزعت رحمة الله من الجسد قضيت على النفس بالجحيم.
الفصل الرابع والسبعون بعد المئة
لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته ان الله يعد الخاطئ برحمته قائلا: (أقسم بنفسي أن الساعة التي يندب فيها الخاطئ خطيئته هي التي أنسى فيها اثمه الى الابد)، فأي شيء يأكل اذا أطعمة الجنة اذا كان الجسد لا يذهب الى هناك؟، هل النفس؟ لا البتة لأنها روح، أجاب بطرس: أيأكل اذا المباركون في الفردوس؟. ولكن كيف يبرز الطعام دون نجاسة؟، أجاب يسوع: أي بركة ينالها الجسم اذا لم يأكل ولم يشرب؟، من المؤكد أنه من اللائق أن يكون التمجيد بالنسبة الى الشيء الممجد، ولكنك تخطئ يا بطرس في ظنك أن طعاما كهذا يبرز نجاسة، لأن الجسم في الوقت الحاضر يأكل أطعمة قابلة للفساد ولهذا يحصل الفساد، ولكن الجسم يكون في الجنة غير قابل للفساد وغير قابل للألم وخالدا وخاليا من كل شقاء، والأطعمة التي لا عيب فيها لا تحدث أدنى فساد.
الفصل الخامس والسبعون بعد المئة
هكذا يقول الله على لسان أشعياء النبي ساكبا ازدراء على المنبوذين: (يجلس خدمي على مائدتي في بيتي ويتلذذون بابتهاج مع حبور ومع صوت الأعواد والأراغن ولا أدعهم يحتاجون شيئا ما، أما أنتم أعدائي فتطرحون خارجا عني حيث تموتون في الشقاء وكل خادم لي يمتهنكم ) .
الفصل السادس والسبعون بعد المئة
قال يسوع لتلاميذه: ماذا يجدي نفعا قوله يتلذذون، حقا ان الله يتكلم جليا، ولكن ما فائدة الأنهر الأربعة من السائل الثمين في الجنة مع ثمار وافرة جدا؟، فمن المؤكد أن الله لا يأكل والملائكة لا تأكل والنفس لا تأكل والحس لا يأكل بل الجسد الذي هو جسمنا، فمجد الجنة هو طعام الجسد، أما النفس والحس فلهما الله ومحادثة الملائكة والأرواح المباركة، وأما ذلك المجد فسيوضحه بأجلى بيان رسول الله الذي هو أدرى بالأشياء من كل مخلوق لأن الله قد خلق كل شيء حبا فيه، قال برتولوماوس: يا معلم أيكون مجد الجنة لكل واحد على السواء؟، فاذا كان على السواء فهو ليس من العدل، واذا لم يكن على السواء فالاصغر يحسد الاعظم، أجاب يسوع: لا يكون على السواء لان الله عادل، وسيكون كل أحد قنوعا اذ لا حسد هناك، قل لي يا برتولوماوس يوجد سيد عنده كثيرون من الخدمة ويلبس جميع خدمه هؤلاء لباسا واحدا، أيحزن اذا الغلمان اللابسون لباس الغلمان لأنه ليس لهم ثياب البالغين؟، بل بالعكس لو أراد البالغون أن يلبسوهم ثيابهم الكبيرة لتغيَّظوا لانه لما لم تكن الاثواب موافقة لحجمهم يزعمون أنهم سخرية، فارفع اذن يا برتولوماوس قلبك لله في الجنة فترى أن للجميع مجدا واحدا ومع أنه يكون كثيرا لواحد وقليلا للآخر فهو لا يولد شيئا من الحسد.
الفصل السابع والسبعون بعد المئة
حينئذ قال من يكتب: يا معلم أللجنة نور من الشمس كما لهذا العالم؟، أجاب يسوع: هكذا قال لي الله يا برنابا: (ان للعالم الذي تسكنون فيه أيها البشر الخطأة الشمس والقمر والنجوم تزينه لفائدتكم وحبوركم، لاني لأجل هذا خلقتها، أتحسبون اذا أن البيت الذي يسكن فيه المؤمنون بي لا يكون أفضل؟، حقا إنكم تخطئون في هذا الحسبان، لأني أنا إلهكم هو شمس الجنة ورسولي هو القمر الذي يستمد مني كل شيء، والنجوم أنبيائي الذين قد بشروكم بشيء، فكما أخذ المؤمنون بي كلمتي من أنبيائي (هنا) سينالون كذلك مسرة وحبورا بواسطتهم في جنة مسراتي ؟.
الفصل الثامن والسبعون بعد المئة
ثم قال يسوع: ليكفكم هذا في معرفة الجنة، فعاد من ثم برتولوماوس وقال: يا معلم كن طويل الأناة عليّ اذا سألتك مسألة، قال يسوع: قل ما تريد؟، قال برتولوماوس: حقا ان الجنة لواسعة لأنه اذا كان فيها خيرات عظيمة هذا مقدارها فلا بد أن تكون واسعة، أجاب يسوع: ان الجنة واسعة جداحتى أنه لا يقدر أحد أن يقيسها، الحق أقول لك أن السموات تسع موضوعة بينها السيارات التي تبعد إحداها عن الأخرى مسيرة رجل خمس مئة سنة، وكذلك الأرض على مسيرة خمس مئة سنة من السماء الأولى، ولكن قف عند قياس السماء الأولى التي تزيد عن الأرض برمتها كما تزيد الأرض عن حبة رمل، وهكذا تزيد السماء الثانية عن الأولى والثالثة عن الثانية وهلم جرا حتى السماء الأخيرة كل منها تزيد عما يليها، والحق أقول لكم أن الجنة أكبر من الأرض برمتها والسموات برمتها كما أن الأرض برمتها أكبر من حبة رمل، فقال حينئذ بطرس: يا معلم لا بد أن تكون الجنة أكبر من الله لان الله يرى داخلها، أجاب يسوع: صه يا بطرس لأنك تجدف على غير هدى.
الفصل التاسع والسبعون بعد المئة
حينئذ جاء الملاك جبريل ليسوع، وأراه مرآة براقة كالشمس، رأى فيها هذه الكلمات مكتوبة: (لعمري أنا الأبدي، كما أن الجنة أكبر من السموات برمتها والأرض وكما أن الأرض برمتها أكبر من حبة رمل هكذا أنا أكبر من الجنة، بل أكثر كثيرا من ذلك عدد حبوب رمل البحر وقطرات الماء في البحر وعشب الأرض وأوراق الأشجار وجلود الحيوانات، بل أكثر من ذلك كثيرا عدد حبوب الرمل التي تملأ السموات والجنة بل أكثر)، حينئذ قال يسوع: لنسجد لإلهنا المبارك إلى الأبد ، فطأطأوا من ثم رؤوسهم مئة مرة وعفَّروا الأرض بوجوههم في الصلاة، ولما انتهت الصلاة دعا يسوع بطرس وأخبره هو وكل التلاميذ بما رأى، وقال لبطرس: ان نفسك التي هي أعظم من الأرض برمتها ترى بعين واحدة الشمس التي هي أكبر من الأرض بألوف من المرار، فأجاب بطرس: ان ذلك لصحيح، فقال حينئذ يسوع: هكذا ترى الله خالقك بواسطة الجنة، وبعد أن قال يسوع هذا شكر الله ربنا مصليا لأجل بيت اسرائيل والمدينة المقدسة، فأجاب كل واحد: ليكن كذلك يا رب.
الفصل الثمانون بعد المئة
ولما كان يسوع ذات يوم في رواق سليمان دنا منه أحد(فرقة) الكتبة وهو احد الذين يخطبون في الشعب، وقال له: يا معلم لقد خطبت في هذا الشعب مرارا عديدة وفي خاطري آية من الكتاب اشكل علي فهمها، أجاب يسوع: وما هي؟، قال الكاتب: هي ما قاله الله لإبراهيم ابينا : ( إني أكون جزاءك العظيم ) فكيف يستحق الانسان(هذا الجزاء)، فتهلل حينئذ يسوع بالروح وقال: حقا انك لست بعيدا عن ملكوت الله، أصخ السمع الي لاني أفيدك معنى هذا التعليم، لما كان الله غير محدود والانسان محدودا لم يستحق الانسان الله فهل هذا موضوع ريبتك أيها الأخ؟، أجاب الكاتب باكيا: يا سيد انك تعرف قلبي، تكلم اذا لأن نفسي تروم أن تسمع صوتك، فقال حينئذ يسوع: لعمر الله ان الانسان لا يستحق النفس القليل الذي يأخذه كل دقيقة، فلما سمع الكاتب هذا كاد يجن وانذهل كذلك التلاميذ لأنهم ذكروا ما قال يسوع انهم مهما أعطوا في حب الله يأخذون مئة ضعف، حينئذ قال : لو أقرضكم أحد مئة قطعة من الذهب فصرفتم هذه القطع أفتقولون لذلك الانسان: اني أعطيك ورقة كرمة عفنة فاعطني بها بيتك لأني أستحقه؟، أجاب الكاتب: لا يا سيدي لأنه يجب عليه أن يدفع ما عليه ثم عليه اذا أراد شيئا أن يعطي أشياء جيدة ولكن ما نفع ورقة فاسدة؟
الفصل الحادي والثمانون بعد المئة
أجاب يسوع: لقد قلت حسنا أيها الأخ، فقل لي من خلق الانسان من لا شيء؟، من المؤكد أنه هو الله الذي وهبه العالم برمته لمنفعته، ولكن الانسان قد صرفه كله بارتكاب الخطيئة، لانه بسبب الخطيئة انقلب العالم ضدا للانسان، وليس للانسان في شقائه شيء يعطيه لله سوى أعمال أفسدتها الخطيئة، لأنه بارتكابه الخطيئة كل يوم يفسد عمله، لذلك يقول أشعيا النبي: (ان برنا هو كخرقة حائض)، فكيف يكون للانسان استحقاق وهو غير قادر على الترضية؟، لعل الانسان لا يخطئ؟، من المؤكد إن إلهنا يقول على لسان نبيه داود: ( إن الصدّيق يسقط سبع مرات في اليوم)، فكم يسقط الفاجر اذا؟، واذا كان برنا فاسدا فكم يكون فجورنا ممقوتا؟، لعمر الله انه لا يوجد شيء يجب على الانسان الاعراض عنه كهذا القول((اني استحق))، ليعرف الانسان أيها الأخ عمل يديه فيرى توا استحقاقه، حقا ان كل عمل صالح يصدر عن الانسان لا يفعله الانسان بل إنما يفعله الله فيه، لأن وجوده من الله الذي خلقه، أما ما يفعله الانسان فهو أن يخالف خالقه ويرتكب الخطيئة التي لا يستحق عليها جزاءا بل عذابا.
الفصل الثاني والثمانون بعد المئة
لم يخلق الله الانسان كما قلت فقط بل خلقه كاملا، ولقد أعطاه ملاكين ليحرساه، وبعث له الانبياء، ومنحه الشريعة، ومنحه الايمان، وينقذه كل دقيقة من الشيطان، ويريد أن يهبه الجنة، بل أكثر من ذلك فإن الله يريد ان يعطى نفسه للانسان، فتأملوا اذا كان الدين عظيما، فلمحو هذه وجب عليكم أن تكونوا أنتم قد خلقتم الانسان من العدم، وأن تكونوا قد خلقتم أنبياء بعدد ما بعث الله مع ( خلق ) عالم وجنة، بل أكثر من ذلك مع خلق إله عظيم وجواد كإلهنا ، وأن تهبوها برمتها لله، فبهذا يمحى الدين ويبقى عليكم فرض تقديم الشكر لله فقط، ولكن لما كنتم غير قادرين على خلق ذبابة واحدة ولما كان لا يوجد إلا إله واحد وهو سيد كل الاشياء فكيف تقدرون أن تمحوا دينكم؟، حقا ان أقرضكم أحد مئة قطعة من الذهب وجب عليكم أن تردوا مئة قطعة من الذهب، وعليه فان معنى هذا أيها الاخ هو أنه لما كان الله سيد الجنة وكل شيء يقدر أن يقول كل ما يشاء ويهب كل ما يشاء، لذلك لما قال لابراهيم: (اني أكون جزاءك العظيم) لم يقدر ابراهيم أن يقول(الله جزائي)بل(الله هبتي وديني)، لذلك يجب عليك أيها الاخ عندما تخطب في الشعب أن تفسر هذه الآية هكذا: (ان الله يهب الانسان كذا وكذا من الاشياء اذا عمل الانسان حسنا، متى كلمك الله أيها الانسان وقال: (انك يا عبدي قد عملت حسنا حبا فيّ فأي جزاء تطلبه مني أنا إلهك ؟ ) ، فأجب أنت : ( لما كنت يا رب عمل يديك فلا يليق أن يكون فيّ خطيئة وهو ما يحبه الشيطان ، فارحم يا رب لأجل مجدك أعمال يديك، فاذا قال الله: (قد عفوت عنك وأريد الآن أن أجزيك) فأجب: (يا رب أنا أستحق العقوبة لما فعلته وأنت تستحق لما فعلته أن تمجد فعاقبني يا رب على ما فعلت وخلِّص ما قد صنعت)، فاذا قال الله: (ما هو العقاب الذي تراه معادلا لخطيئتك؟) فأجب أنت: (يا رب بقدر ما سيكابده كل المنبوذين)، فاذا قال الله: (لما تطلب يا عبدي الأمين عقوبة عظيمة كهذه؟) فأجب أنت: (لو أخذ كل منهم على قدر ما أخذت لكانوا أشد اخلاصا مني في خدمتك)، فاذا قال الله: (متى تريد أن تصيبك هذه العقوبة وكم تكون مدتها؟) فأجب أنت: (الآن والى غير نهاية)، لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن رجلا كهذا يكون مرضيا لله أكثر من كل ملائكتة الأطهار، لأن الله يحب الاتضاع الحقيقي ويكره الكبرياء؟، حينئذ شكر الكاتب يسوع وقال له: يا سيدي لنذهب الى بيت خادمك لأن خادمك يقدم لك وللتلاميذ طعاما، فأجاب يسوع: اني أذهب الآن الى هناك متى وعدتني أن تدعوني أخا لا سيدا وتقول أنك أخي لا خادمي فوعد الرجل وذهب يسوع الى بيته.
الفصل الثالث والثمانون بعد المئة
وبينما كانوا جالسين على الطعام قال الكاتب: يا معلم قلت أن الله يحب الاتضاع الحقيقي، فقل لنا ماهو وكيف يكون حقيقيا أو كذبا أجاب يسوع: الحق أقول لكم أن من لا يصير كطفل صغير لا يدخل ملكوت السماء، تعجب كل أحد لسماع هذا، وقال كل للاخر: كيف يمكن لمن كان ابن ثلاثين وأربعين سنة أن يصير ولدا؟ حقا ان هذا لقول عويص، أجاب يسوع: لعمر الله الذي تقف نفسي في حضرته أن كلامي لحق، اني قلت لكم أنه يجب على الانسان أن يصير كطفل صغير لأن هذا هو الاتضاع الحقيقي، فانكم لو سألتم ولدا صغيرا : (من صنع ثيابك) يجيب(أبي)، واذا سألتموه(لمن البيت الذي هو فيه؟) يقول(بيت أبي)، واذا سألتموه(من يعطيك لتأكل؟) يجيب: (أبي)، واذا قلتم: (من علمك المشي والتكلم؟) يجيب: (أبي)، ولكن اذا قلتم له: (من شجّ جبهتك فإن جبهتك معصوبه؟) يجيب: (سقطت فشججت رأسي)، واذا قلتم له: (فلماذا وقعت؟) يجيب: (ألا ترون أني صغير حتى لا قوة لي على المشي والاسراع كالبالغ حتى أنه يجب أن يأخذ أبي بيدي اذا كنت أمشي بثبات قدم، ولكن تركني أبي هنيهة لأتعلم المشي جيدا فأحببت أن أسرع فسقطت)، واذا قلتم: (وماذا قال أبوك؟) يجيب: (لماذا لم تمش ببطء أنظر أن لا تترك في المستقبل جانبي).
الفصل الرابع والثمانون بعد المئة
قال يسوع: قولوا لي أهذا صحيح؟، فأجاب التلاميذ والكاتب: انه لصحيح كل الصحة، فقال حينئذ يسوع: ان من يشهد بالله باخلاص قلب أن الله منشئ كل صلاح وأنه هو نفسه منشئ الخطيئة يكون متضعا، ولكن من يتكلم بلسانه كما يتكلم الولد ويناقضه بالعمل فهو بالتأكيد ذو تواضع كاذب وكبرياء حقيقية، ان الكبرياء تكون في أوجها متى استخدمت الاشياء الوضعية لكيلا توبخها الناس وتمتهنها، فالاتضاع الحقيقي هو مسكنة النفس التي يعرف بها الإنسان نفسه بالحقيقة ، ولكن الصفة الكاذبة إنما هي ضبابة من الجحيم تجعل بصيرة النفس مظلمة بحيث ينسب الانسان إلى الله ما يجب عليه أن ينسبه إلى نفسه ، وعليه فإن الرجل ذا الاتضاع الكاذب يقول أنه متوغل في الخطيئة ولكن اذا قال له أحد أنه خاطئ ثار حنقه عليه واضطهده، ذو الاتضاع الكاذب يقول أن الله أعطاه كل ماله ولكنه هو من جهة لم ينعس بل عمل أعمالا صالحة، فقولوا لي أيها الاخوة كيف يسير فريسيو الزمن الحاضر؟، أجاب الكاتب باكيا: يا معلم ان لفريسيي الزمن الحاضر ثياب الفريسيين واسمهم وما في قلوبهم وأعمالهم سوى كنعانيين، ويا ليتهم لم يغتصبوا اسما كهذا فانهم حينئذ لا يخدعون البسطاء، أيها الزمن القديم كم عاملتنا بقسوة اذ أخذت منا الفريسيين الحقيقيين وتركت لنا الكاذبين.