AL-ATHRAM
مايو 14, 2006, 4:42 م
بسم الله الرحمن الرحيم
عادت وعليها عباءًتها وحجابها .. ولا تسل عن فرحتي بما رأيت !
قالت : إن رحمة الله بي هي التي هيأت لي الركوب في هذا المقعد ، صدقت _ حينما وصفتني _ بأنني أعاني من الهزيمة الداخلية ، إن الازدواجية التي أشرت إليها هي السمة الغالبة على كثير من بنات المسلمين وأبنائهم ، يا ويلنا من غفلتنا !
إنّ مجتمعاتنا النسائية قد استسلمتْ للأوهام ، لا أكتمك أيها الأخ الكريم ، أن أحاديثنا في مجالسنا نحن النساء لا تكاد تتجاوز الأزياء والمجوهرات والعطورات ، والأفلام والأغاني والمجلات النسائية الهابطة .. الا من رحم ربي .. لماذا نحن هكذا ؟
هل نحن مسلمون حقاً ؟
هل أنا مسلمة ؟
كان سؤالك جارحاً ، ولكني أعذرك ، لقد رأيتني على حقيقة أمري ، ركبت الطائرة بحجابي ، وعندما أقلعت خلعت عني الحجاب ، كنت مقتنعةً بما صنعت .. أو هكذا خُيّل إليّ أني مقتنعة ، بينما هذا الذي صنعته يدلُّ حقاً على الانهزامية والازدواجية .. إني أشكرك بالرغم من أنك قد ضايقتني كثيراً ، ولكنك أرشدتني .. إني أتوب إلى الله وأستغفره .. ولكن أريد أن أستشيرك .
قلت وأنا في روضةٍ من السرور بما أسمع من حديثها : " نعم .. تفضلي ، إني مصغٍ إليك " .
قالت : زوجي ... أخاف من زوجي .. قلت : لماذا تخافين منه .. وأين زوجك ؟
قالت : سوف يستقبلني في المطار ، وسوف يراني بعباءتي وحجابي ..
قلت : كلا ، لقد كانت آخر وصية له في مكالمته الهاتفية بالأمس : إياك أن تنزلي إلي المطار بعباءتك لا تحرجيني أمام الناس ، أنه سيغضب بلا شك .
قلت لها : إذا أرضيت الله فلا عليك أن يغضب زوجُك ... وبإمكانك أن تناقشيه مناقشة هادئة فلعلَّه يستجيب ، إني أوصيك أن تعتني به عناية الذي يحب له النجاة والسعادة في الدنيا الآخرة .
وساد الصمت ... وشردت بذهني في صورة خيالية إلى ذلك الزوج الذي يوصي زوجته بخلع حجابها .. أهذا صحيح ؟!!
أيوجد رجل مسلم غيور كريم يفعل هذا ؟! لا حول ولا قوة إلا بالله ، إن مدنية هذا العصر تختلس أبناء المسلمين واحداً تلو الآخر ... ونحن عنهم غافلون ، بل ، نحن عن أنفسنا غافلون ..
وصلت الطائرة إلى ذلك المطار البعيد .. وانتهت مراسم هذه الرحلة الحافلة بالحوار الساخن بيني وبين جارة المقعد .. ولم أرها حين استقبلها زوجها .. بل إن صورتها وصوتها قد غاصا بعد ذلك في علام النسيان ، كما يغوص سواها من آلاف الأشخاص والمواقف التي تمر ينا كلّ يوم ..
كنت جالساً على مكتبي أقرأ كتاباً بعنوان " المرأة العربية وذكورية الأصالة " لكاتبته المسمَّاة ( ......... ) وأعجبتُ لهذا الكتاب الصغير ، وأصابني _ ساعتها _ شعور عميق بالحزن والأسى على واقع هذه الأمة المؤلم .. وفي تلك اللحظة الكالحة جاءني أحدهم برسالة ، وتسلّمتها منه بشغف .. لعلّي كنت أودّ _ في ذلك الكتاب المشؤوم الذي تريد صاحبته أن تجدر المرأة من أنوثتها تماماً .. وعندما فتحت الرسالة نظرت إلى اسم المرسل .. فقرأت : " المرسلة أختك في الله أم محمد الداعية لك بالخير "
أم محمد ؟؟ .. من تكون هذه ؟!!!
وقرأت الرسالة ، وكانت المفاجأة بالنسبة إليّ تلك الفتاة التي دار الحوار بيني وبينها في الطائرة ، والتي غاصت قصتها في عالم النسيان !
إن أهم عبارة قرأتها في الرسالة هي قولها : " لعلك تذكر تلك الفتاة التي جاورتك في مقعد الطائرة ذات اليوم .. إني أبشّرك : لقد عرفت طريقي إلى الخير .. وأبشرك إن زوجي قد تأثر بموقفي فهاده الله ... وتاب من كثير من المعاصي التي كان يقع فيها .. وأقول لك ما أورع الالتزام الواعي القائم على الفهم الصحيح لديننا العظيم .. لقد قرأت قصيدتك " ضدان يا أختاه " وفهمت ما تريد " !
لا أستطيع أن أصور الآن مدى الفرحة التي حملتني على جناحيها الخافقين حينما قرأت هذه الرسالة .. ما أعظمها من بشرى .... حينها ، ألقيت بذلك الكتاب المتهافت الذي كنت أقرؤه ( المرأة العربية وذكورية الأصالة " ألقيت به وأنا أردد قول الله تعالى "
" يُرَيدُونَ أن يُطْفئُوا نُورً اللهٍ بأفْواهِهِمْ وَيَأبَى اللهُ أن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْكرٍه الكافُرون ."
ثم أمسكت بالقلم ... وكتُبْتُ رسالةً إلى " أم محمد " عبَرتُ فيها عن فرحتي برسالتها ، وبما حملته من البشرى ، وضمَّنتها أبياتاً من القصيدة التي أشارت إليها في رسالتها منها :
ضدان يا أختاه اجتمعا .... دين الهدى والفسق والصّدُ .. والله ما أزرى بأمتنا إلا ازدواج ما له حَــــدُ
وعندما هممت بإرسال رسالتي تبيّن لي أنها لم تكتب عنوانها البريدي فطويتها بين أوراقي لعلّها تصل إليها ذات يوم ..
انتهت ....
ضحكوا عليَّ وقالوا أنت محرره .... الدينُ بالقلب ليس بالأركانِ
أيّ أعملي ما شئتي أنت محرره .... ما دام قلبك مصدر الإيمانِ
فالعزُّ ان تمشين كالمُبختره ... بتكسرٍ مكحولة العينانِ
قالوا ململمةٌ وكنتُ مبعثره ... قد طوّْلوا دنياي وهي ثوانِ
هلّا سألتِ نفسكٍ يا جوهر .. لما لا أفكر في رضى الرحمنِ
لمَ حائره ؟ لما دائماً متكدره .. مع كل ما يُلهي أظلُّ أعانِ
هل تعلمين مما أنت محرره ... من سندسٍ واستبرقٍ وجنانِ
اخوكم / الاثرم
الغريب88
مايو 14, 2006, 5:38 م
هل تعلمين مما أنت محرره ... من سندسٍ واستبرقٍ وجنانِ
اخوكم / الاثرم
اي و الله صدقت يا اخي ... محررة لكن من جنات النعيم
بارك الله في يمناك ولا عدمنا من مواضيعك الشيقة والهادفة
AL-ATHRAM
أكتوبر 6, 2006, 8:08 م
بسم الله الرحمن الرحيم
اخي الكريم " لغريب88 "
بارك الله فيك وجزاك الله خير .. وشكراً لمرورك ..
قراصنة الأدب والفكر
يقول الشاعر ...
" اقتحم علىً مكتبي " نعم ، إنني أسمَّي تلك الطريقة التي دخل بها عليّ اقتحاماً ، لأنه لم يستأذن ، ولم يسلّم .. بل دخل فجأة ، قائلاً : أنا ما أتيتك مسلّماً .. ولا معبراً عن إعجابي بما تكتب .. وإنني جئتك معبراً لك عن ضيقي بكل حرفٍ تكتبه .. وبكل بيتِ شعر تصوغه .. أنت لا تكتب شعراً .. انما تكتب مواعظ وتنظم نظماً .. إنك تشكّل عائقاً من عوائق الأدب الحديث الذي يحاول أن يتخلّص من قبضة الأشكال القديمة ، والأفكار القديمة .. أرجوك أن تتوقف ، أن تريحنا من نظمك ، ونثرك ، وأفكارك التي تريد أن تعيدنا بها إلى القرون الأولى .. نحن يا صاحبي في القرن العشرين ، لعلّك لا تعرف ذلك ، أنت لست بناثرٍ ولا شاعر ، هذا ما أردت أن أقوله لك ...
كان ثائراً ، غاضباً ، في احمرار وجهه دليل على بركان من الغضب ، كان يرسل حممه كلمات قاسيةً غاضبة ... لقد فاجأني حقاً ، وأثار غضبي ، وأشعل في داخلي شعوراً عارماً بالضيق والتبرُّم مما قال . شعوراً كاد يحملني على إن أكيل له الصاع صاعين ، ولكنني تمالكت ، واستطعت أن أفتح للصبر نافذةً هبَّ منها نسيم الهدوء على قلبي ، كنت أتأمل ملامحه وحركت يديه ، فأرى أنني أمام مراهقَ حانق ، نعم ، لقد قدّرت سنَّه بما لا يتجاوز الثامنة عشرة وانتصرت على سورة الغضب ، وأصغيت إليه حتى أتمَّ كلامه .. أتمّه والانفعال ما زال يملك عليه مشاعره .
قلت له بهدوء : اجلس حتى نتحدث .
قال لي : لن أجلس ، ماذا تريد أن تقول لي ؟ أنا لا أريد أن أسمع من أمثالك ! أنتم ليس لديكم إلى المواعظ ، الإسلام ، الإسلام ، كل شيء تقولونه ، تدخلون فيه الإسلام ... أسألك سؤالاً صريحاً ... ما علاقة الإسلام بالأدب ، الإسلام صلاة وصيام وما شابهها ، والأدب شيء آخر ، الإسلام قيد ، والأدب لا يقبل القيد ، بل إني أسألك سؤالاً أكثر صراحة .. ما أهمية الإسلام لنا في هذا الزمان ؟ أنا لا أرى له تلك الأهمية التي تتحدثون عنها !
هنا شعرت بأن أعماقي تغلي ، وبأن الغضب قد ملك علىَّ جوانب نفسي ، لابد من الردّ بقسوة وعنف لا هوادة فيها ، لقد تجاوز الأدب والشعر ، وأصبح يمس الدين والعقيدة، إلا فليذهب الاتزان والهدوء إلى غير رجعة ، كان يتحدث وأنا أفكر في الطريقة التي أبدأ بها في الردّ عليه ، هل أبدأ بالصراخ في وجهه المحمرّ الغاضب ، أم أبدأ بلطمه قوية تعيد إليه وعيّه !!..
لم أسمع في حينها صوتاً آخر في نفسي يناديني إلى الهدوء ، بل كنت أصغي على أصوات صاخبة تقول لي : واجه هذا الشاب الطائش بما يستحق ، لم تكن لديَّ عصا ، لا بأس ... يمكن أن يقوم العقال الذي يحيط برأسك مقام العصا ، حقاً أصبحت في تلك اللحظة مهيَّئاً للمعركة ، وإني لفي تلك الحالة إذْ ارتفع صوت المؤذن لصلاة العشاء " الله أكبر ، الله أكبر "
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
أكتوبر 10, 2006, 10:37 م
بسم الله الرحمن الرحيم
ما أروع هذا الصمت ، لقد انسكب في عروقي عبر مسامعي راحةً وهدوءاً " الله أكبر " من كل هذه الأوهام التي ينطق بها هذا الفتى المسكين ، وشعرت في لحظتها بشفقة عليه ، وانتقلت فجأة من حالة الغضب الشديد إلى حالة الحرص على إنقاذ هذا الفتى الذي يتلاعب به الشيطان ..
قلت له : اجلس يا أخي ، لقد سمعت كلامك ، فأعجبني فيك صدقك في نقل ما تشعر به دون كذبٍ ولا تزويق ، أنت رجل صريح في عصر فقدت فيه الصراحة ، وأصبح الناس فيه " _ غالباً _ يبطنون ما لا يظهرون .. أنت فتىً صادقٌ في التعبير عن نفسك .. وكفى بهذه الصفة دليلاً على اتفاق مخبرك ومظهرك .
_ الحمد لله _ لقد قرأت آثار المفاجأة على وجهه ، نعم فوجىء بهذا الموقف المتسامح ، بل شعرت أنه قد أصيب بقدرٍ لا بأس به من الحياء .. وبعد تردُّد جلس قائلاً :
نعم .. ماذا تريد أن تقول ؟
قلت له : أريد أن أعرف أسمك أولاً ...
وسكت قليلاً ثم قال : عبدالله بن ...... وبادرته بعد أن سمعت أسم عائلته بقولي : ما شاء الله من عائلة طيبة ، وأعرف منها أشخاصاً طيبين ، منهم الأستاذ " فلان " ، وما إن ذكرت أسم ذلك الرجل ، حتى ثارت ثائرته ، وقال بشدة : هذا معقّد ! ، ولم أناقشه فيما قال ، فقد فهمت أن في حياته مشكلةٌ قد دفعته إلى هذا الانحراف .
قلت له مبتسماً : يا عبدالله أنت تعيش في مجتمع تختلف مشارب الناس فيه فلا تظن الناس جميعاً مثلك ، لابد أن يتحمل أهل الوعي غيرهم ممن هم أقلّ وعياً
.
كنت أتابعه بنظري ، لقد انفجرت أسارير وجهه ، لا شك أنه فوجىء .. كان يظن أن موقفي سيكون على غير ما يرى .. بل أنه عبّر عن ذلك بقوله :
على أي حال انا آسف كنت قد تحدثت معك بانفعال .
قلت له : لا عليك ، يهمني الآن أن تشعر بأنك أمام أخ لك يريد أن يناقشك فهل أنت مستعد .
قال : نعم .
قلت له : سنشرب الشاي ولكن بعد الصلاة .
قال : لا أستطيع الصلاة .
قلت له : لماذا لا تحاول ، ما الذي يمنعك من ذلك ؟ لم يزد على أن قال : أنا أستأذنك الآن وسوف أعد إليك بعد الصلاة ..
قلت له مبتسماً : لابد أن تعود فإني وكوب الشاي في انتظارك . بعد صلاة العشاء بقليل .. جاءني ، كان هادئاً هدوءاً عجيباً قال لي : عذراً أشعر أنني قد أسات الأدب معك .. قلت له : لا تفكر في هذا الأمر ، إني أعذرك حقاً ، ولا أجد في نفسي عليك شيئاً ..
كنت _- لحضتها – أسائل نفسي ، يا ترى ماذا كان سيحدث لو استجبت لصوت الغضب ؟
قلت لصاحبي : هل أنت مستعد للمناقشة ؟ قال : نعم ، وابتسم ، وشرب الشاي وبدأت المناقشة .
بدأت معه بموضع الأدب الشعر :
سألته : كم قصيدة قرأت ، عشر قصائد ، عشرين ، ثلاثين .. قال : كلا ، بل لا تتجاوز اثنتين أو ثلاثاً ، أنا لا أرضى أن يضيع وقتي في قراءة شعر لا يعبَّر عن روح العصر !
قلت له : أنت فتى صريح وصادق ، أسألك : هل يكفي ما قرأته لإصدار هذا الحكم العام الذي ذكرته ؟
بعد لحضة صمت قال لي :
إن أستاذي في الأدب والنقد في الجامعة قد كفاني هذه المهمة لقد أكَّد لي أن شعرك لا يعبر عن روح العصر ، وأنه نظم لا يرقى إلى منزلة الشعر ، وأنا أثق برأي أستاذي .
قلت له : ألست صاحب عقل وتفكير ، أليس جديراً بمثلك أن تطّلع على الشيء بنفسك لتصل إلى الحقيقة دون رتوش ؟ ألم تقل إنك ابن القرن العشرين ، قرن التفكير والعقل .. فاني عقلك إذن .. أليس جديراً بك أن تقرأ شعري ثم تقول لأستاذك نعم أو لا ؟
قال بعد صمتٍ قصير : بلى ...
وأهديته ديوانين من شعري واتفقنا على اللقاء بعد شهر لأسمع رأيه فيما قرأ .. وقبل أن أودّعه قلت له : هل يمكن أن أسألك سؤالاً آخر ؟ .. كانت نفسه قد هدأت ، وصدره قد انشرح ، لقد كُسر حاجز الوحشة فيما يبننا ، وشاع جوّ من الأُلْفةِ التي ظهر أثرها على ملامح وجهه الوسيم .
قال لي : نعم ، إني مستعد للإجابة عن كل ما تريد .. قلت له : عندك شك في الإسلام ؟
غام وجهه من جديد ، بل أبدَّ وعلْته سحابة دكناء .. لم أعقِّب على سؤالي بكلمة ، كنت أنتظر جوابه بفارغ الصبر .. وكنت أرجو أن يقول ( كلا ) يل ليته يقولها
... إن كلمته التي قالها قبل قليل عن الإسلام قد ملأت نفسي بالأسى والوحشة والحزن العميق ... ألم يقل في لحظة انفعال : " ما أهمية الإسلام لنا في هذا الزمان ؟ " .. يا له من سؤال خطير .. يا للحسرة .. ليس الفتى من أدغال أفريقيا ، ولا من أطراف بلاد الإسلام ، نشأ في أسرةٍ مسلمة محافظة ، يا ترى من أين جاءته هذه اللَّوثة المدمِّرة .. إني لأرجو أن يكون انفعاله وغضبه هو الدافع لقول تلك الكلمة ، أرجو ألا يكون لها جذور في عقله .. ..
قال بصوتِ واهن :
وللحديث بقية ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
أكتوبر 14, 2006, 11:59 م
بسم الله الرحمن الرحيم
أصدقك القول ، نعم عندي شك في الإسلام !!!
أصابني هدوء المفاجأة ، أو بَهْتًةُ الموقف .. نعم ، هكذا ينطلق بها لسانك يا عبدالله .. بكل سهولةٍ ، دون تردُّد ؟!
كان صوتي خافتاً ، وكانت عباراتي محمَّلةً بقدر كبير من الحزن والشفقة على هذا الفتى المخدوع .. لقد احسّ الفتى بذلك ، ولهذا بادرني قائلاً : أرجو ألاَّ تغضب منّي إني أصارحك ، لا أستطيع أن أكذب عليك .
قلت له : من اين جاءك هذا الشك ؟
سكت قليلاً ثم قال : من مناقشاتي مع بعض المثقفين ، ومن قراءتي لكتب دلَّني عليها بعض أساتذتي وأصدقائي .. لقد نشأت في ذهني أسئلةٌ كثيرة من خلال تلك المناقشات والقراءات عن الكون والعلم والدين والعقل .. إن الغرب يتطوّر بشكل مذهل مع أنه لا يدن له .. ولا يعرف بالإسلام ، أما عالمنا الإسلامي فهو يعيش حالة التخلُّف والذلَّ ما فائدة الإسلام إذن ؟!
قلت له : يا عبدالله .. هل يُطبَّق الإسلام في عالمنا الإسلامي تطبيقاً صحيحاً .. هل يتصل عالمنا الإسلامي بالله اتصالاً حقيقياً ؟
توقف قليلاُ ثم قال : كلا .
قلت : فما ذنب الإسلام إذنْ ، ولماذا نستقرىء القضية هذا الاستقراء الناقص ، ولماذا لا نفتح آفاق التفكير الصحيح في هذا الموضوع ؟ .. أنت يا عبدالله تعاني من مشكلةِ إلغاء عقلك ، والتفكير بعقول الآخرين .
بدا على وجهه أثرٌ لاضطراب كبير ، وصراع نفسي خطير ..
قلت له : هل يمكن أن أعرف أسماء بعض من تقرأ لهم ؟ ويا للهول ، لقد ذكر لي عدداً من الأسماء ، كل اسم منها كفيل بتدمير أمةٍ بكاملها .. إنها أسماءٌ لامعة لقراصنة الفكر والأدب في عالمنا الإسلامي .. أدونيس .. .. إن عقل عبدالله لقاصرٌ حقاً عن مواجهة الأوهام والشبه والكوك التي تثيرها أقلام هؤلاء .
وسألته سؤالاً حاداً صارخاً : من الذي دلّك على هذه الأسماء يا عبدالله ؟! وبعد صمت ليس بالقصير قال لي ، ليس مهماً أن أذكر أسماء من دلَّني ، المهم إنني مستعد للمناقشة .
قلت له : قبل المناقشة لابد من التوازن ...
قال : ماذا تعني بالتوازن ؟ .. قلت : أن تقرأ بعض الكتب التي تمثل الاتجاه الآخر ، والتي تشرح جوانب هذه القضية ، وتبيّن بعلمية واستقصاء خطأ الأفكار التي يطرحها " العلمانيون " والمتسكّعون في درب التفكر والمنحرف .
وافترقنا على أن نلتقي في اليوم التالي لأعطيه بعض الكتب .
ولقد كانت تلك الليلة مثقلةً بالهموم والتفكير ، والتساؤلات .. يا تُرى إلى متى تظلُّ هذه الأقلام الحاقدة الملحدة تكتب عن الإسلام ؟ مَنْ الذي يحمي شباب الإسلام نساءً ورجالاً من ضلالات المضلّين ؟ ... إنَ بذر بذرة الشك في نفوس شباب الإسلام من اخطر وسائل تدمير الأمة ، ثم أين الأسرة المسلمة التي تتابع أبناءها بأسلوب تربوي ناجح ، أين أبو عبدالله هذا وأقاربه ، أين أهل الخير ورجال الصحوة عن أمثاله ؟
بل أين إحساس بعض الأساتذة الذين يشحنون عقول الطلاب بمثل هذه التُرََهات ؟
أين إحساس القائمين على بعض الصحف والمجلات ، الذين يروّجون لأفكار أولئك المنحرفين ونصوصهم البعيدة عن جادَّة الإسلام ؟
يا لها من أسئلة مؤلمة ، ويا له من جرحٍ عميق !! .. وفي اليوم التالي جاءني عبدالله قبل الموعد المحدّد ، وحمدت الله كثيراً ، إن ّ هذا دليل على انشراح صدره واستعداده لسماع الرأي الآخر .
قال لي : إني أعتذر إليك حقاً ، لقد استعرضت البارحة ما جرى لي معك في أوّل لقاءنا فشعرت إنني أسأت إليك . .. قلت له : لا تضخّم الأمر إني سعيد بمعرفتك .
وأعطيته بعض الكتب منها : الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية في الأقطار الإسلامية و كتاب العرب والإسلام .. وغيرها .
قلت له : هذه مكتبة صغيرة اهديها إليك ، لا أطالبك بقراءتها كلَّها ، لكني اقترح عليك بعضها ، وأعطيك مهلة شهرين نلتقي بعدها للمناقشة .
قال لي متحمساً : بل يكفيني شهر واحد ، أنا مدمن قراءة ، أقراً في اليوم ما لا يقل عن عشر ساعات .. وقبل أن ينصرف قلت له : هل لي أن أقترح عليك اقتراحاً آخر . قال نعم ، أنا مستعد للتنفيذ .
قلت له مبتسماً : هكذا مستعد للتنفيذ مباشرةً حتى لو كان الاقتراح لا يعجبك ! .. ابتسم وقال : نعم ، قلت له يا عبدالله أنت مسلم ، إن إسلامك نعمة كبيرة من الله عليك ومن حق الله علي عبده المسلم أن يطيعه ، إن في الأرض ملايين الحيارى التائهين يبحثون عن حقيقة (( روحية )) تريحهم من ظلمات الإلحاد والضلال والشك ، إن الإسلام هو طريق النجاة ، فكيف ندعو الناس إليه إذا كنا ،حن _ أهله _ متشككين فيه ؟!
يا عبدالله: اقترح عليك أن تبدأ بخطوةٍ في الطريق ، أن تؤدي الصلاة التي فرضها الله عليك ، أنت صاحب إرادة ، ومثلك قادر على التنفيذ ... تأكد أن الصلاة ستنقلك نقلةً كبيرة إلى عوالم مضيئة من الراحة واليقين ، وستفتح آفاق ذهنك لفهم المعاني التي تتضمّنها الكتب الهداة إليك .
وجلس عبدالله على المقعد بعد أن كان واقفاً .. قال لي : تقترح اقتراحاً ، يا له من أسلوبٍ رائع تعاملني به ،إني أعرف لذة الصلاة ، لم اتركها إلا منذ أربع سنوات ، لقد تعرَّضت لأشدَّ أصناف العقاب من أبي ، والتأنيب من أمي والكلمات الجارحة من بعض أقاربي ، من أجل الصلاة ، ومع ذلك لم أزد إلاّ نفوراً !
وسكت ثم دسَّ وجهه في راحتيه وأخذ يبكي ، ثم كان بكاءً شديداً ، وغامت عيناي فرحةً ببكائه ، إنّ دموعه هذه ستغسل ما زان على قلبه ، يا إلهي أشكرك .. إنّ الفاصل بين الضلال والهدية حاجز نفسي إذا زال ، تبدَّدت الأوهام .
اللهم لا تحرمني من أجر هداية هذا الفتى ورفع عبدالله رأسه وقال : أنا مستعد لتنفيذ الاقتراح .. ولم أناقش عبدالله بعد شهر ، لأنه جاء إليّ وقد غسل عن قلبه أردان الشك ، وعن ذهنه أوزار الأباطيل .
قال لي : أنا الآن عبدالله بن ........ رجعت إلى ساحة الحق بعد رحلة ٍمضنية مع الأوهام .. قلت له مبتسماً : ما رأيك في شعري ؟ قال : أنا لست ناقداً حتى أقوَّم شعرك ، ولكني أخبرك أنني قرأت بعض قصائدك أكثر من مرة لأنني وجدت فيها ما يعبّر عن نفسي ...
قلت له : وأين تذهب برأي أستاذك الذي تثق به ؟ .. قال : لقد أعجبتني كلمة قلتها لي في لقاءنا الأول ، حين سميت أصحاب الأفكار المنحرفة بـ ( قراصنة الأدب والفكر ) إن أستاذي واحد منهم .
قلت : وأنا أشعر بفرح لما أرى من حال عبدالله ، واشعر بالأسى حزناً على عشرات الشباب سواه ممن يتعرضون لأساليب التشكيك والتضليل :
حسبنا الله على ( قراصنة الأدب والفكر )
! .
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
فبراير 25, 2007, 8:45 م
بسم الله الرحمن الرحيم
قصة شاب الماني ... طبيب اسمه جيمي ميشيل .. هذا الشاب أُرسل من مكان في المانيا الغربية قبل التوحيد .. أُرسل بمهمة تنصيرية الى الصومال مع مجموعة من الاطباء .. كانت المهمة الظاهرة هي مداواة أو تقليل من ظاهرة العمى .. بسبب الأمراض وكثرة الامراض وعدم وجود الطب .. معالجة أكبر عدد ممكن من العميان .. ضعيفين البصر .. ولكن المهمة الثانية والحقيقية هي التنصير ..
أُرسل جيمي ميشيل 36 سنة الى الصومال .. وهناك كان محبوباً بسبب أخلاقه العالية .. وأحب الشعب الصومالي ذو الأخلاق العالية .. كانوا يحيّونه .. بالرغم أنه لا يعرف لغتهم ولكن يعرف تمتمت أفواههم وهي ترحب به في كل مكان يذهب إليه ...
جلس ما يقارب خمسة أشهر أحب هذا الشعب وأحبوه .. ولكنه تفاجىء ببرقية تأتيه من قصر رئاسة هذا المشروع في المانيا الغربية .. تدعوه بأن يتوجه إلى لندن ليأخذ دورة في التنصير .. أستغرب هذه البرقية !!!!!!!!!!! .. وهو قد نجح في عمله .. ونجح في مهمته .. وقطع شوطاً كبيراً .. لماذا ؟؟ .. وما هو السر وراء ذلك ؟؟؟؟؟ ...
ولكنه امتثل لذلك وذهب وجلس في لندن مدة شهر كامل لهذه الدورة ..
ثم أُرسل ثانية إلى تنزانيا كان يتمنى العودة إلى الصومال .. ولكنهم أرسلوه إلى تنزانيا ... ولم يعترض .. ولما رأوا سهولته وأخلاقهُ وعدم الاعتراض أرسلوه ثانية إلى الصومال .. ففرح فرح كبيراً .. فرح وهو يتكلم عنه .. يقول فرح لا استيطيع أن أصفه أبداً .. كفرحة الغائب عن البصر ثم يعود له البصر ثانية ..
عندما رجع عاد إلى الصومال .. عاد إلى المكان الذي كان يعالج فيه .. أحب شاباً يسمى محمد باهور .. وكان يحب هذا الشاب حباً كبيراً .. ومن حبهِ له .. أن محمد يوماً من الأيام دعاه إلى البيت ..
أفراد البيت كلهم رحبوا به وأكرموه اكراماً كبيراً .. ثم عرفه محمد على أبيه ... الأب شيخ كبير في السن .. جلس إلى الطبيب .. وتفاجىء فيه مشيل أن والد محمد باهور يتقن الانجليزية .. ففرح فرحاً كبيرأً وقال في نفسه هذا هو المفتاح الذي سأدخل على هذه القرية وأنصرهم .. سيساعدني الكثير في مهمتي الثانية .. مهمة التنصير .. ولكن والد محمد فاجئه بأنه كان يمسك مصحفاً وقال له :
أتعرف هذا الكتاب ..؟
يقول مشيل أني اعرف هذا هو القرآن ولكني تظاهرت بالتغابي والجهل .. فقال له قبل ان يجيب هذا هو القرآن الكريم ... فتكلم عن القرآن .. وتكلم عن الانجيل .. وتكلم عن عيسى عليه السلام ... وعن الانبياء عليهم افضل الصلاة والسلام .. فأخرسه تماماً مما كان ينوي التحدث به ..
انتهت الزيارة ... وذهبت إلى البيت مغموماً .. كيف استطيع أن أغزو عقل هذا الرجل .. ؟؟
قرأ كتبا وبعض المنشورات وأحس كأنه طالب سوف يذهب إلى الامتحان .. لأول مرة يشعر انه طالب وليس طبيب ... وكان يبحث عن محمد باهور في كل مكان .. يرجوه بأن يقوم بترتيب زيارة أخرى ... وفعلاً حدثت زيارة ..
وكان الطبيب ميشيل قد أعد كلاماً يتكلمُ فيه عن النصرانية .. وعن عيسى عليه الصلاة والسلام .. وعن الإنجيل .. ولكنه ايضاً فوجىء مرة ثانية بأن المبادرة قام بها والد محمد باهور مرة ثانية ....
سأله قبل أن يتيح له الكلام .. قال له: ما هي المهنة التي تقومُ بها ؟
قال : الطـب ... قال أتعلم يا مشيل أن القرأن الكريم ذكر مراحل نمو الجنين في بطن امه ثلاث مراحل .. وفي ثلاث ظُلمات .. منذ أربعة عشر قرن ... وبدأ يشرح له الآيات التي جاء بها القرأن الكريم عن تخلق الانسان وهو جنين في بطن أمه ظلمة بعد ظلمة ... ..
لقد خلق الله تعالى الإنسان من سلالة من طين .. خلق منها آدم ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين .. ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ..ثم يستقر في قرار مكين .. لا يعتريه شمس ولا هواء ولا حر ولا برد .. يطوره الله تعالى في ظلمات ثلاث ..
ظلمة البطن .. وظلمة الرحم .. وظلمة الغشاء .. أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك .. ثم يكون مضغة مثل ذلك .. فإذا تمت هذه الأيام وهي أربعة أشهر أرسل الله تعالى إليه الملك الموكل بالأجنة فنفخ فيه الروح .. فأصبح إنساناً بعد أن كان جماداً .. فتبارك الله أحسن الخالقين ..
يقول مشيل أخذتني الرهبة .. وفعلاُ تعجبت .. كيف ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ كيف لكتاب مضى عليه ( 14 ) قرن يحكي بالتفاصيل ما تعلمته فقط حديثأً في ارقى الكليات ... والذي لا أعلم به إلى منذ سنين عندما تخصصت بالطـب ...
يقول الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون :
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ( 12 ) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ( 14 ) . "
يقول وأصابني شيء من الإحباط .. ولكني انتصرت على نفسي ... وقلتُ لا تنهزم أبداً يا ميشيل .. حاول مرة ثانية .. يقول رجعتُ إلى شقتي وأنا مغموماً مهموماً .. وبحثتُ في بحوث كثيرة وحاولت الإنتصار والتحدي ... وتمنيت أن تتكرر هذه الزيارة .. ولكن محمد باهور فاجئني فعلاُ .. ان والدي يريد أن يراك كل يوم .. وهذا الذي كنت أُريد .. وفعلاً تحقق اللقاء الثالث والرابع والخامس والسادس ... ولكن في كل هذه اللقاءات هو الذي كان يبادر .. وأراني أخرساً .. أبكماً لا أستطيع أن أتكلم لغزارة علم هذا الرجل .. حتى شككني في ديني ..
رجعت وما أعلم أنني مراقب .. واذا ببرقية تأتي تأمرني بالابتعاد عن المعسكر والرجوع إلى المركز .. .. كانوا يراقبوني .. يقول في كل حركة .. خافوا عليّ .. ولكني تحججت بأن لي بعض الأوراق التي يجب أن آخذها .. كانوا عندما ينامون بالليل أتسلل من المعسكر وأركب حافلة تُوصلني إلى والد محمد باهور واجلس معه ... ولكنهم عرفوا بذلك ودفعوا مالاً كثيراً لرجال الأمن حتى يمنعونني من الوصول إلى القرية .. وأيضاً دفعتُ أنا لهم مالاً كثيراً حتى يأذنون لي .. ومع ذلك قرروا نهائياً أن يبعدونني إلى كينيا .. وقبل الابعاد رجوتهم أن أعود مرة ثانية إلى القرية فان هناك أوراق لي تخصني وفعلاً ذهبتُ هناك واذا بهم يستقبلوني استقبالاُ عظيماً .. يرحبون بي .. لاحظت تغييراً كثيراً على أهل القرية .. قابلني والد محمد باهور وفرح فرحاً كبيراً .... وقال لي اليوم هو أول أيام رمضان .. تسحّرت معهم .. ومكثتُ معهم يوماً كاملاُ .. لأول مرة أصوم في حياتي وأنا غير مسلم ثم ودّعتهم وذهبت ...
وفي نيروبي عاصمة كينيا راجعت نفسي .. وأردت أن أضع حداً لهذا التردد .. اما أن أبدأ البداية أو أنني أقطع الشكوك كلها وأدخل في أمرٍ آخر ... واذا برسالة من والدي تأتي وكأنهم أعلموه بما حدث لي ... فيها عطف عليّ وتخوفٌ عليّ .. ويطلبُ مني بأن أرجع إلى ألمانيا الغربية بسرعة ...
بعد مراجعة كبيره واشتياقي لمحمد باهور وإلى الصوماليين وضحكاتهم وتبسمهم وعناقاتهم ... إلى أحاديث والد محمد باهور .... قطعت هذا التردد وأخذت ورقة بيضاء ناصعة وكتبت بها إلى الرئاسة .. رئاسة المؤتمر الذي بعثني لهذه المهمة .. قلت لهم باسلوب واضح ... اطمئنوا وكل شيىء على ما يرام ... ساذهب إلى الصومال ..
يقول ولكن كيف بي أن أعود إلى مقديشوا وأنا لا أملك المال ..
قلت لأصحابي سأرجع إلى الصومال وليفعلوا ما يفعلوا .. حتى لو على موتي ... بعت كل ما أملك .. .. وبعت ملابسي ولم أبقي إلا التي عليّ وثلاث أحذية .. حاولت ... وفعلاً حصلت على سعر التذكرة .. رجعتُ إلى مقديشوا ومن مقديشوا .. ذهبت إلى القرية .. قرية والد محمد باهور وأعتنقني وأعتنقته .. واذا بي أسرُّ في أُذنيّه وأقول أشهد أن لا اله الا الله واشهد ان محمداً رسول الله ... بكيتُ وبكى وأعتنقنا وفرحت القرية كلها باسلامي وأخرجوا أمراً بتسهيل مهماتي وتحركاتي في كل القرية ... لم يكن عندي وقت الا الفرح .. بل استثمرت كل دقيقة لاتعلم فيها الاسلام وأحفظ بها القران الكريم وأحفظ بها الأحاديث ..
وبعد فترة جاءت لي رسالة .......................... وما زلت استمتعُ بهذه الحياة .. الحياة الاسلامية بين أحبائي الصوماليين وبين ديني الجديد .. انها حلاوة الإيمان والاعتزاز بالدين .. انها رسالة لكل أبناء المسلمين ان ينتبهوا إلى هذا الكنز العظيم الذي عندهم الدين الاسلامي ويعتزوا به أكثر ويتبحروا فيه أكثر .... فهو نعمة خالدة إلى يوم القيامة .. نسأل الله أن يُميتنا على هذا الدين موحدين مخلصين له لا نريد ولا نبغي ديناً غيره ...
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
مارس 21, 2007, 12:10 م
بسم الله الرحمن الرحيم
شقائق الرجال
يقول أحد الشعراء ...
كنتُ مستغرقاً في قراءة كتبا " العقلانية هداية أم غواية " أتتبّع باهتمام ما أورده من آراءٍ وأقوال لبعض من أصيبوا بلوثة العقلانية المعاصرة .. وإني لمرتحل مع الكتاب رحلة ذهنية صرفتني عمّا حولي .. إذْ رنََ الهاتف الذي كان صامتاً .. كان رنينه أقوى من المعتاد أو أنني ظننته هكذا في لحظتها .. ورفعت سماعته وبادرت المتحدث بالسلام .. فردَّ علىََ السلام صوتٌ رقيق بدا لي من نبراته أنه يحمل قدرا" كبيراً من الجرأة .
قالت : أنت فلان .. قلت : نعم .
قالت : هل أنت مستعد للحديث معي ؟ إني أريد سؤالك عن أمرٍ شغل بالي .. قلت لها : إن كان سؤالك متعلَّقاً بفتوى أو قضية فقهية .. فعليك بالمتخصصين في هذا المجال ..
قالت : كلا .. إنها قضية عامة .. لها علاقة بالدين ولكني أود أن أسمع رأيك فيها .. لقد كلّمت عالماً قبل أيام فما إن طرحت عليه السؤال حتى فرَّعني بكلامٍ فيه قسوة شديدة ثم وضع سمَّاعة الهاتف .
قلت : يبدو أن طرحك كان مستفزّاً . .. قالت : وإنْ كان كما قلت .. أليس من حقنا عليكم أن تسمعوا منا .. وأن تجيبوا عن أسئلتنا بهدوء ؟
قلت لها : لك ذلك مني .. فهاتٍ ما لديك ...
قالت : أنا أرى أن نصيب الرجال من الحياة أكبر من نصيب النساء .. للرجل كل شيء .. وليس للمرأة شيء .. أبي في منزلنا هو الذي يصرَّف الأمور .. أما والدتي فلا يتجاوز رأيها حدود المطبخ .. بل إن أبي يتدخل في هذا الأمر أيضاً .. فيفرض علينا أحياناً صنفاً من الطعام لا نريده .. وقد انتقلت العدوى إلى إخاني فهم يتسلّطون علينا .. ويفعلون ما يشاؤون ... يخرجون متى أرادوا ويعودون متى أرادوا .. وأنا وأخواتي نعيش على هامش الحياة في منزلنا .. صدَّقني لقد ألغيت فكرة الزواج تماماً من تفكيري .. فأنا لست مستعدَّةً لوضع القيد في عنقي ! ..
أسألك بالله هل يصح هذا ؟ .. لماذا لا يكون لنا ما للرجال من حرية التصرف ؟ لماذا هذا الانغلاق ؟! .. أنا أريد أن أخرج متى أشاء .. وأن أقضي حاجاتي بنفسي .. وأن أتخلّص من هذا الكابوس الي يلاحقني .. ألا وهو " الرجل " !
أليست النساء شقائق الرجال _ كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام _ ؟ لماذا لا يتحقّّق هذا المعنى .. لماذا لا أُعطي حريتي كاملة كما أُعطيها أخي ؟
إنكم تقولون : بأن الإسلام أعطى المرأة حقوقها .. فأين هذه الحقوق ... ؟
لماذا يُفضَل الرجل على المرأة .. وينال من إيجابيات الحياة ما لا تناله المرأة ؟ أنا واثقة من نفسي يمكن أن أخرج وألاقي الرجال دون أن تهتز شخصيتي فلماذا لا يثق بي أبي وإخواني ؟
كانت تتحدث بانفعال .. وحمدت الله أن بيني وبينها مسافات طويلة .. وإلا لربما نالني من وهج حديثها ما أكره .. قلت لها : هوَّني عليك .. وهدَّئي من رَوعك .. إنّ الأمرَ واضح لمن يريد الحقّ .. المسألة لا تستحق كلّ هذا الانفعال قاطعتني قائلةً : لأنك لا تصطلي بما أصطلي به .. ولأنك رجل فالأمر في صالحك .. لكم القوامة علينا فالقضية هيََنة ما دمتم تأخذون كلَّ شيء ولا تدعون لنا شيئاَ ..
قلت لها هل يمكن أن تسمعي مني كما سمعت منك ؟ .. قالت : لهذا اتصلت بك .
قلت لها : إن النساء شقائق الرجال .. وللمرأة قيمتها ومكانتها في ديننا .. وإنما المشكلة في تصرُّف بعض الرجال ممّن يفهمون القوامة فهماً قائماً على التسلُّط وإلغاء شخصية المرأة .. وهذا لا يجوز ..
قالت : إن الدين قد جعلنا في الدرجة الثانية بعد الرجال .. فلماذا ؟
قلت لها : أنتِ كما يبدو فتاةٌ مؤمنةٌ بدينك هكذا أحسبك .. فهل هذا صحيح ؟
قالت : نعم .. ولله الحمد لكنني ما زلت حائرةً أمام هذا التفضيل للرجل على المرأة في كل شيء حتى في الميراث .. حتى في الشهادة " رجل وامرأتان " هذا ما يجعلني أتوقف !
قلت لها : عفواً لا تخلطي الأمور أنا أريد أن أناقشك وأبيّن لك ما أفهم في هذا الأمر .. ولابد من معرفة مدى عمق إيمانك بدينك حتى يكون النقاش مثمراً .
قالت : أنا مؤمنة بديني والحمد لله .. قلت : إذنْ لا تسقطي مواقف الناس الخاطئة على الدين ولا تخلطي بين الأمور .. أما حقوقك فهي محفوظة في الإسلام .. ولا يفرّط فيها إلا صاحب هوى .. لك حق التفكير والتعلّم .. ولك حق الملكية الخاصة .. ولك حرية مقرّرة في الإسلام بضوابطها المعروفة في اختيار الزوج .. ولك حق المناقشة والاختلاف في الرأي ... هذه مسائل واضحة في ديننا .. وهنالك أمور محدّدة فضّل الله بها الرجال على النساء لحكمة عظيمة يعلمها الله .. ويظهر أثرها في حياة البشر .. إذا أردت أن تنالي حقوقك المشروعة فلا تخلطي بين الأمور خَلْطاً يلتبس فيه الحق بالباطل .. فهنا مكمن الخطورة في دعاوى تحرير المرأة في زماننا هذا ..
قالت : ألسنا بشراً ... ألسنا كالرجال من أبناء آدم وحوّاء فلماذا التفريق ؟؟
قلت لها : أرجو ألاّ يشتطّ بك جموح العاطفة وسَورة الغضب .. فتقولي ما لا يُرضي الله .. التفريق بين المرأة والرجل وارد في الإسلام .. ولكنه محدّد المعالم .. إن هذا التفريق هو الذي يضمن للحياة البشرية الاستقرار والصلاح .
أسألك عن نفسك .. هل قدرتك البدينة كقدرة أخيك .. هل عاطفتك كعاطفته .. هل استعدادك لخوض غَمار الحياة بكل نواحيها كاستعداده ؟
قالت : كلاّ .. قلت لها : إذنْ فالتفريق بينك وبينه في بعض الجوانب أمرٌ طبيعي لابد منه لمصلحتك ومصلحته .
قالت : :انك الآن تحكم علىَّ بالخطأ حكماً كلياً .
قلت لها : كلاّ .. أنتِ أخطأت في تجاوزك الحدّ في القضية .. ما دمت مؤمنة بالله .. فاعلمي أن من كمال الإيمان التسليم بما فرض وقدَّر ... وفيما فرض الله وقدّر ما يحفظ لك حقوقك المشروعة كاملةً .. أبوك ليس على حقّ في إلغائه لشخصية والدتك _ على حسب قولك _ إن سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام تؤكد لنا قيمة رأي المرأة في المجتمع المسلم والأسرة المسلمة وتعطينا دلائل واضحة على قدرٍ من الحرية كبير تتمتع به المرأة في الإسلام .. ولكنَّ المرأة المسلمة مطالبة بالوقوف عند ما شرع الله لها فلا تجاوزه إلى ما يخصُّ الرجل لأن في ها التجاوز ما يضرُّ بهما معاً .. وبالأسرة والمجتمع والأمة .
إنّ لك الحق أن تعترضي على من يحاول مصادرة كلّ ما تستحقين اعتراضاً قائماً على الوعي بحقوقك المشروعة .. ولكنّ الواجب عليك أن ترضي بما فرض الله عليكِ مقابل ذلك وتسلَّمي تسليماً ..
وأودُّ أن أذكّرك بقول الله في سورة النساء ..
" ولا تَتَمنّوا ما فَضّل اللهُ بهِ بعضكمْ على بعضٍ للرجالِ نصيبٌ مَمّا اكتسبوا وللنساءِ نصيبٌ مما اكتسبْنَ واسألوا الله من فضلهِ إن الله كانَ بكلِ شيءٍ عليماً ) ..
هل تعرفين معنى هذه الآية وفيمن نزلت ؟ .. قالت : لا أكتمك أنني أسمعها الآن وكأني أسمعها لأول مرة .. أعترف لك بتقصيري في قراءة القرآن .. قلت لها : لماذا هذا الإهمال .. إني أعجب من هذه السلبية ؟
صدقيني لو أنك تقضين جزءاً من وقتك في قراءة القرآن وشيءٍ من تفسيره .. وفي قراءة السيرة النبوية .. وسيرة النساء الفضليات من الصحابيات وغيرهن .. لما نشأت عندك هذه الأسئلة المضطربة التي شغلت بالك واستأثرت بجهدك .
اسمحي لي أن أسألك : كيف يطالب الإنسان بحقوقٍ هو لا يعرفها .
وسكتُّ وسكتت سمَّاعة الهاتف حتى ظننت أنها قد أُغلقتْ .. ولكنها قالت وقد بدا صوتها مشوباً بشيء من الندم _ أو أن هذا ما تخيَّلته في حينها ..
قالت : أنت على حق في هذا .. فما معنى الآية ؟
قلت لها : يُروى أنّ أم سلمة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو .. ولنا نصف الميراث .. فانزل الله الآية ..
" ولا تَتَمنّوا ما فَضّل اللهُ بهِ بعضكمْ على بعضٍ " .
ثم أنزل الله قوله في سورة آل عمران :
" نِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ( 195 )
ويُروي أنَ امرأة أتت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت :
يا رسول الله .. للذكر مثل حظ الأُنثيين .. وشهادة امرأتين برجل أفنحن في العمل هكذا إن فعلت المرأة حسنة كُتبت لها نصف حسنة ؟ ! فانزل الله الآية :
" ولا تَتَمنّوا "
ويُروي أن رجالاً قالوا : إنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضّعف على أجر النساء كما لنا في السهام سهمان .. وقالت النساء .. إنا نريد أن يكون لنا أجرٌ مثل أجر الشهداء فإنا لا نستطيع أن نقاتل ولو كتب علينا القتال لقاتلنا .. فأبى الله ذلك ونزلت الآية :
" ولا تَتَمنّوا "
أرأيتِ أيتها الأخت الكريمة .. إن الأسئلة التي خطرت ببالك خطرت ببال أم سلمة وغيرها من النساء .. فأنزل الله ما أنزل ورضيت أم سلمة بما أنزل الله ..
أتدرين ما الفرق بينك وبين أم سملة ؟
أن أم سلمه سألت حرصاً على الأجر (( أجر الشهادة ))
أما أنتِ فحرصاً على خوض غمار الحياة كما يخوضها الرجال ..
وشتان بين الهدفين .
يا ترى هل اتضحت القضية في ذهنك ؟ .. قالت بصوت مضطرب : والحلّ ؟
قلت لها : الحلُّ عندك .. القضية واضحة وأنتٍ صاحبة عقل ومؤمنة بما شرع الله . قالت .. إنك لا تعرف أبي وقسوته .. قلت لها أكسري حاجز التردُّد وتزوّجي ممن يخاف الله يعطيك حقوقك المشروعة ..
قالت : ومن أني لي بمعرفة حقيقة من يتقدم لخطبتي . .. قلت لها : تحرّي الأمر .. واستخيري واستشيري .. وتوكّلي على الله .
قالت : وحرّيتي وطموحي ؟
قلت لها حريتك محفوظة .. وطموحك يمكن أن يتحقَّق المهم أن تكوني على معرفة دقيقة بما تستحقين .
إنكن " شقائق الرجال " وإنّ من كمال شخصية المرأة المسلمة أنْ تعرف معنى هذه الكلمة وأن تدرك أبعادها وأغلقت سمْاعة الهاتف .. وظللت في مكاني أستعيد ما قالت الفتاة .. وأعجب من حال بعض الآباء الذين لا يراعون ما شرع الله في منازلهم وينسون أنهم يفتحون بقسوته الجامحة أبواباً للشيطان ..
وتذكرت قول الرسول صلى الله عليه وسلم :
"
خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي "
فتمنيت لو أنّ هذا الحديث ينقش على واجهة كل بيت .
اخوكم / الاثرم
AL-ATHRAM
سبتمبر 23, 2007, 11:53 ص
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول ...
لقد كنتُ في العراق وأنا في ريعان شبابي . وكنتُ رئيس حرس الاسواق .. وكنتُ أراقب الأسعار والتجار .. وكنتُ فظاً .. غليظ القلب .. لا يُحبني أحد .. ولا أحترم أحداً وبينما أنا أجولُ في السوق ..
واذا بي أرى رجلاً من التجار طويل القامة .. كبير الهامة .. عريض المنكبين .. قد لبس الحرير وأسبل عمامته .. تفوحُ منه رائحة الطيب .. .. وقد لبس ثياباً فاخرة وحلى اصبعه بخاتم ضخم .. البطرّ والسرف باد على محياه وبين يديّه رجل فقير قد جثى على ركبتيه يتوسل ويتضرع ويبكي ... ثيابه ممزقة لا تكادُ تستر جسمه . نحيل الجسم غائر العين بارز الوجنتين ... مشعث الشعر .. أصفر الوجه .. مشقق اليدّ من الكدح والتعب وهو يقول :
يا مولاي لماذا أخذت مني سبعة دراهم .. وهي تحصيل يومي وتعبي .. رُدها عليّ .. اني احتاج إليها هذه الليلة .. ففيها عشاء بُنياتي .. طاويات الجوع في هذا البرد الذي لا يرحم .. رد علي دراهمي يرحمك الله .. .. يخلفك الله خيراً منها .. أمهلني .. وكلما تذلل المسكين بين يديّه شمخ الغنيّ بأنفه ورفع رأسه إلى السماء وكأنه يكلم جداراً أو حجراً لا انسان فيه قلبٌ وروح ...
يقولُ فتأثرت من هذا المنظر فجئتُ الى الغنيّ وقلت ما شأنك وهذا ... قال وماذا يحشرك أنت فيما بيننا ... انصرف ! .. إنك لا تعرف هذا .. انه مكارٌ .. خبيث .. أقرضته منذ سنة .. سبعة دراهم .. وهو يفرّ مني كلما رآني .. حتى اصطدتهُ اليوم في السوق .. فأخذتها منه ..
يقولُ له سبعة دراهم ؟؟؟ وانت قد أغناك الله رُدّها عليه .. فلما قلتُ له ذلك .. أبى واستكبر وطغى ..يقولُ فصفعته صفعة .. طنت لها أُذناه .. وانقدحت لها عيناه .. وكاد أن يزحف أنفه من مكانه ثم أدخلت يديّ في جيبه وأخرجت الدراهم ووضعتها في يد الفقير ... وقلت له انطلق ! ..
فانطلق فرحاناً .. يجري وهو يتلفت .. فقلتُ له يا هذا اذا تعشت بُنياتك هذه الللية فقل لهنّ يدعون لمالك ابن دينار ...
يقولُ فلما أصبح الصباح .. وبينما أنا في السوق واذا بي احسُ في قلبي أن الله قذف فيه حب الزواج ... وأخذت أعرض نفسي على الناس ولكن مََنْ يُزوجني ؟؟؟
فأنا الفظ الغليظ .. مدمن الخمر لا يرغبُ بي أحد ... يقولُ فلما طردني الناس .. ذهبتُ الى سوق الجواري والإماء .. فاشتريتُ جارية ً مسلمةً مومنة .. ثم أعتقتها وجعلت مهرها عتقها .. ثم تزوجتها .. فكانت نعم المرأة .. عارفة لربها مطيعة لزوجها .. كنتُ أرى فيها الخير والبركة .. من يوم أن حلت في داري .. فقد تركتُ الخمر .. وأقبلت على الصلاة .. وأقبلت على الذكر والطاعة .. وأخذت استغفر الله .. ورق قلبي ولان .. وأحببت الخير والدعوة الى الخير ..
ورزقني الله منها بُنية صغيرة كنتُ أرى فيها سعادة الدنيا ... أراها تعلبُ في الدار .. وتتلقاني اذا جئت .. وتنام بجواري في الليل .. وتداعبني وأداعبها .. فامضي معظم أوقاتي في ملاعبتها في الدار .. وبينما أنا كذلك .. ذات يوم وهي تعلب بين يديّ .. اذ خرت في حجري ميتة .. لا أدري ما السبب .. ما الذي حدث لها .. فاضت روحها وأنا انظر إليها .. فكاد قلبي ان ينخلع من مكانه .. فقلت .. ويّحي .. بُنيتي .. حبيبتي .. قرة عيني .. ما الذي أصابك .. أهي عينْ أصابتك أم قضاءٌ فنزل بك ... فحملتها وقد تدلت رقبتها على يديّ ... وأخذت أذهب في البيت .. لا أدري أين أذهب .. فاستقبلتني أمها .. وقالت .. ما الذي حدث للبُنية ؟؟؟
قلتُ لا ادري !! .. تعلبُ بين يديّ .. فخرت ميتة .. انظري .. فجلستُ انا وأمها نبكي ... بعد ان دفنتها وصليت عليها .. كلما التفتُ في الدار أرى ذكراها .. فهذه ألعابها .. وتلك ملابسها .. فلها في كل زاوية أثر .. ولها في كل جدار ضحكة وابتسامة .. اذا جاء الطعام تذكرتها .. واذا جاء المنام تذكرتها .. حتى أخذني الحزن كل مأخذ .. فاصحبت لا أشتهي الطعام والشراب .. أما اذا جاء الليل .. وما أدراك ما الليل .. أظل أرقب نجومه ولا أنام فيه إلا من الإعياء والتعب .. وامها .. دموعها لا تزال تنكبُ على طفلتها ووليدتها وعندما اقول الولد انتم آباء وانتنّ امهات وتعرفون هذا الشعور .. تتذكرها يوم كانت في بطنها .. ثم يوم أن وضعتها .. ثم يوم أن أرضعتها .. ثم نشأت في خلاياها .. جاعت حتى تشبع .. سهرت حتى تنام .. مرضت حتى تشفى .. كم اشترت لها الجديد .. وألبستها الجديد ... كم سمعت كركراتها .. كم ناغتها وهدهدتها .. لها رائحة مميزة في البيت .. اصواتها .. اصدائها تنبعث في البيت وعلى الاطباق في المطبخ .. ألعابها لا تزال .. حركاتها تحركها فما سكنت .. كأنها الآن تعلب بها .. البنت فلذة الكبد ...
يقول : وذات ليلة .. لما بلغ بي الحزن مبلغه .. ودب في قلبي اليأس يرافقه الحزن .. يقول : قلتُ لأشربن هذه الليلة حتى أموت .. يقول : فأحضرتُ الشراب وجلست أشربُ حتى خررت على الأرض صريعا .. لا أدري كيف ولا ادري متى .. وبينما أنا في ذنبي ومعصيتي لم أرضى بقضاء الله .. ولكن الله أرحمُ الراحمين .. واذا بي أرى في المنام كأن القيامة قد قامت .. وكأن الأرض تشققُ عن العباد كالجراد المنتشر .. يشارك في هول يوم القيامة .. كل شيىء .. السماء تنفطر .. الجبال تُنسف .. كل شيىء يضطرب .. والخلائق تجري .. وأنا أجري .. وأحس بلهيب خلف ظهري .. فلما التفتُ ! .. واذا بي أرى ثعباناً ينفثُ على ظهري ناراً ... كلما جريتُ جرى .. وكلما ابتعدت .. اقترب .. إلى أين المهرب ؟ .. أين انجو .. ؟ إلى من أفر ..؟
يقولُ .. وأنا أجري في عَصَرات يوم القيامة ألهثُ من التعب .. والثعبان خلفي يشتدْ .. واذا بي أرى جبلاً وحيداً يعترض طريقي .. وفي الجبل شُرفات وفتحات .. تُطل منهنّ بُنيات .. لما رأينني فرحن .. وصرخن .. يا فاطمة أدركي أباك .. يا فاطمة أدركي أباك ...
يقول .. فإذا بُنيتي الصغيرة .. تطلُ من شرفة الجبل .. فتناديني فتقول .. أبي .. ثم أشارت الى الثعبان فوقف .. ومدت يديّها إليّ وأصعدتني عندها .. ثم جلست بين يدي .. وهي تقول .. يا أبتاه .. "
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ "
يقولُ وتكررها ... ( الاية ) .. وأفقتُ من نومي وكأني اسمع صوتها في أُذنيّ يتردد .. واذا بي اسمع أذان الفجر .. حيّ على الصلاة .. حيّ على الفلاح .. يقولُ .. فأفقتُ واستغفرتُ وتُبتُ إلى الله .. وحمدتُ الله الذي أحياني الى الدنيا من جديد .. ثم ذهبتُ واغتسلت .. وتوضأت واتجهتُ إلى المسجد الجامع أصلي خلف الامام .. اذا به في الصلاة يقرأ قول الله تعالى ..
" أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ( 16 ) سورة الحديد .
يقول .. فانتفض قلبي وفاضت عينايّ .. وكأنني انا الوحيد المعني والمراد .. وأنا المخاطب بها .. وذلك من رحمة الله فستحييتُ من الله حق الحياء .. فلما انتهت الصلاة واستدار الامام .. وإذا به يفسر قول الله تعالى ...
" أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ "
واذا به يقول .. عباد الله إن الله يحثنا إلى التوبة .. فهو يقول ..
" أَلَمْ يَأْنِ "
و يَأْنِ مشتقة من الآن .. فانه يقول .. الآن .. الآن .. توبوا قبل أن تفوتُ هذه اللحظة .. ثم يندم الانسان .. فالآن الآن إلى التوبه .. .. الآن الآن الى ذكر الله .. الآن الآن الى الخشوع .. يقولُ .. فتبتُ إلى الله واستغفرت من ذنبي .. وتجلت عندي رحمة الله الذي لم يأخذني وأنا بمعصيتي وأمهلني حتى تُبت وأنبت ..
وذهبت إلى زوجتي وقلت لها هيا بنا نشدُ الرحال إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأطلب العلم .. فلعل الله يُنسيني همّ بُنيتي .. فيقول فشددت الرحال وطلبت العلم ووفقني الله الى كثير منه .. وعوضني الله خيراً من بُنيتي .. عوضني أبناء المسلمين .. يشدون اليّ الرحال من مشارق الأرض ومغاربها .. يجلسون بين يديّ طول النهار وزلفٌ من الليل يطلبون العلم ... فحمدت الله تبارك وتعالى على نعمته ..
" فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا "
فكم من خير جعل الله في طيات هذا البلاء ..
أيها الأحبة في الله .. إن هذه الحادثة فيها من العبرة .. وكلنا في حياتنا نتعرض للمصائب .. في حبيب أو عزيز أو غالٍَ .. أو نفيس .. ولكن فإن رضينا فلنا الرضاء وأن سخطنا فعلينا السًخط .. والله هو الغنيّ الحميد .. وهو الوليّ الحميد ..
يا ابن آدم إن الله اذا ابتلاك شكوت من يرحم الى من لا يرحم .. فشكوت ربك إلى العبد .. شكوت من يرحم إلى من لا يرحم ..
يا ابن آدم أما رأيت كيف أن الله يغذ الجنين في بطن أمه عن طريقٍ واحد حبل السره .. فاذا وُلد الجنين وانقطع الطريق أخلفه بطريقين لبناً صائغاً .. عامين كاملين .. فإذا انقطع الطريقان وجف اللبن .. أخلفه الله بأربعة طرق .. طعامان وشرابان .. الطعامان من الحيوان والنبات .. والشرابان .. اللبن والماء .. فاذا توفي وكان من الصالحين أخلفه الله طُريقاً ثمانية أبواب الجنة .. تدخله من أي باب شاء ..
يا ابن آدم هكذا الله .. حكمٌ .. عدلٌ .. لطيفٌ .. رحيمٌ رؤوف .. ودود .. فما ابتلاك إلا ليعافيك .. وما أمرضك إلى ليشافيك .. وما أخذه منك إلا ليعطيك .. ويحك يا ابن آدم تشكو ربك .. تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ..
وقال تعالى في كتابه الكريم ...
" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ). " سورة البقرة .
اخوكم / الاثرم