إبن عساكر المعاصر بقدم كتاب:
أوهام عذاب القبر. الجزء الثاني:
تأليف: المستشار والمحكم الدولي أحمد عبده ماهرالمحامي.
تقديم :الأستاذ الدكتور/أحمد عبد الرحيم السايح
أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر وقطر وأم القرى.
ويجعله أضعافا مضاعفة لمن يشاء.
ألا يسأل فقهاء العذاب أنفسهم، لماذا أورد الله سؤال (كم لبثتم) لأهل الكهف، وسأل سيدنا حزقيال (كم لبثت)، فكان الجواب في الحالتين (يوما أو بعض يوم)، أي تساوت المائة سنة التي قضاها النبي في الموت، مع الثلاثمائة سنة التي قضاها أهل الكهف نيام، بما يدل على فقدان الشعور بالموت وبالنوم.
وفي ذلك يقول تعالى:
((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *)) . سورة البقرة آية رقم : (259) .
فما كان ليتبين ما حدث له إلا بعد بيان الله له، وما شعر بمرور مائة عام عليه وهو ميت.
وسيدنا حزقيال هذا آية للناس لقوله تعالى:
(وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ)، فهو آية لنا لنعتبر، ولقد بحثت سورة البقرة في الآيات (258و259و260) عن البعث وإعادة الأحياء من الموت، وبدأت بقوله تعالى (ألم تر) فهو يسألنا جميعا أن نؤمن بما رآه سيدنا حزقيال من المتباينات الثلاثة (نفسه و الحمار و الطعام)، فقد وجد نفسه وقد مرت عليه مائة سنة وهو ميت كأنها يوم أو بعض يوم، كما أنه لم تتغير ملامحه، ولم يتم الإنعام عليه في قبره، ولم يتم تعذيبه أيضا، ولم يذكر القرءان شيئا عن القبر الذي هو بين الحياة والبعث.
وانظر إلى قول الله وهو ينتقل بك من سكرات الموت إلى البعث مباشرة:
((وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ*)) . سورة [ ق ] آية رقم : (19-20) .
وعلى ذلك فإن من يموت ينقطع الزمن عنده، فهو من سكرة الموت إلى يوم القيامة مباشرة، وبمجرد أن يموت تقوم عليه القيامة الكبرى، فيبعثه الله مع باقي الخلائق للحساب، أعاذنا الله من حسابه، وتجاوز عن زلاتنا...آمين.
والدليل على أن الموتى لا يعلمون شيئا مما يحدث على الأرض ولا يسمعون ما نقول ولا يشعرون بالوقت، يبرز في مثالين، الأول قول عيسى – عليه الصلاة والسلام- لربه جل جلاله:
(( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *)) . سورة المائدة آية رقم : (117) .
ومن القرءان والسُّنة النبوية ما يدل على أن النبي لا يعلم ما يفعله الناس بعده، وذلك لوجود البرزخ الحائل بين دار الدنيا والدار الآخرة، فبالقرءان قوله تعالى:
(( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ *)). سورة ألأحقاف آية رقم : (9) .
وبالسُّنة النبوية، حيث روى الإمام أحمد بمُسْنَدِه، عن فاطمة الزهراء: - سمعته – عليه الصلاة والسلام- يقول:
{ أيها الناس بينما أنا على الحوض جيء بكم زُمرا، فتفرقت بكم الطرق، فناديتكم ألا هلموا إلى الطريق، فناداني مناد من بعدي، فقال: إنهم قد بدلوا بعدك فقلت: ألا سحقا ألا سحقا }،
ألا تدل تلك الرواية على عدم معرفته – عليه الصلاة والسلام - الأحداث بعد موته؟!.
وبعد أن ذكرت لكم بالآية والحديث ما يدل على عدم معرفة النبي بما يحدث بعده، وعدم معرفته الغيب، إلا في حدود ما أطلعه الله عليه بالقرءان، نجد أصحاب البدع المزورة يقولون بأن النبي يعلم شكل عذاب أهل القبور، ويعلم بالجرائم التي ارتكبوها، وذلك من قولهم بالحديث: [ إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، فأما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة ]، ثم وضع على قبرهما عودا أخضر بعد أن شقه نصفين، ونسبوا إليه القول إنه يخفف عنهما ما لم ييبسا، رغم أن رواة الأحاديث زعموا عنه القول: [ إن الموتى يعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم ]، وأن ذلك العذاب لا يسمعه الإنس والجان [ راجع فساد تلك الروايات بآخر الكتاب ].
أَفَهُمْ يسُبُّون النبي – عليه الصلاة والسلام - بتلك الأحاديث أم أنهم لا يفهمون ما يقصونه على الناس، أم سيقولون بالخصوصية للنبي حتى يبرروا فقههم الذي لا سند سماوي له؟، بينما ينافسون به كتاب الله.
وعلى ذلك فتعبير (حياة البرزخ) تعبير خاطئ، لأنه لا حياة بالبرزخ، إنما هو فاصل بين الحياة ومستودع الموتى الذي يسميه العامة بالبرزخ، وهو لا زَمَنَ فيه، وتقوم القيامة العامة على كل من فيه دفعة واحدة بمجرد موتك أنت، وقد تكون من الأحياء (ﯧ).
حادي عشر: النـَّفْس والإدراك:
وليعلم المسلم أن وجود النَّفْس هو سبب سماعنا الأصوات ورؤيتنا للأشياء وإدراك المحسوسات، فالنَّفْس هي مُحرِّك الحياة بالكيان البشري، وبغيرها لا نسمع ولا نرى ولا نفقه ولا نحس، لذلك فإن من سمات يوم القيامة أن تُزَوَّج النفوس بالأجساد، وذلك من قوله تعالى:
(( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ*)). سورة التكوير آية رقم : (7) .
فالبعث يعني إعادة النفوس للهيكل البشري لتعي، لذلك فإن الله تعالى يقول:
((قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ*)). سورة الملك آية رقم : (23) .
وهم يتصورون أن الميت يتأذى بجاره المدفون معه بذات القبر إذا ما كان ذلك الأخير من العصاة، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: (( رَّبَّنَا إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ*)) . سورة آل عمران آية رقم : (193) .
فهم يتصورون قوله تعالى: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ*) تعني وادفنا مع الأبرار، بما يعني تأذي الميت بجار السوء، وسعادته بجار الهناء، وهو الأمر المخالف لمرمى الآية، وبما يعني الزعم بإدراك المقبورين من الموتى.
وتفنيد ذلك بأن الآية دعاء من الذين آمنوا أن يغفر لهم ويحشرهم يوم القيامة مع الأبرار، فذلكم هو معنى (وتوفنا)، وليس أيضا معناه (أمتنا)، فقول عيسى:
(( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *)). سورة المائدة آية رقم : (117)
فلما جعلت بيني وبينهم حاجز الموت، وفي ذلك يقول فضيلة الشيخ/محمد متولي الشعراوي في خواطره: [أي اختم لنا سبحانك هذا الختام مع الأبرار].
وترمي أيضا كلمة (وتوفنا) لمعنى المحاسبة، أي وحاسبنا حساب الأبرار الذين تتجاوز عن سيئاتهم وتجزيهم بأحسن ما عملوا، وذلك لقوله سبحانه وتعالى:
(( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ*)) . سورة النور آية رقم : (39) .
لكنها ليست ذات علاقة بالقبر ولا الإدراك فيه أبدا، بما يدل على فساد ما يرمي إليه التأويل الآخر وأهدابه واستنتاجاته، فلا إدراك بالقبر.
ثاني عشر: العذاب وأنواعه وطبيعته:
والله يذيق أهل السعير العذاب بالإحساس الفعلي المادي، لذلك فهو بعد أن يُزَوِّج أجسادهم مع نفوسهم ويدخلهم النار، فإنه كلما نضجت جلودهم بدلها بجلود جديدة، ليذوقوا الإحساس بحرارة جهنم، بما يعني ضرورة توافر الموصلات العصبية بين الجلد والمخ لإدراك العذاب، وفي ذلك يقول تعالى:
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا*)). سورة النساء آية رقم : (56) .
فمن غير هذا التبديل لن يكون هناك إحساس، وهو أمر غير متوفر للموتى في قبورهم.
ودليل آخر على أن العذاب يكون ماديا، وهو قوله تعالى: ((هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ*يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ*وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ*كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)). سورة الحج آية رقم : (19-22) .
نعم إن هناك عذابين، أحدهما في الحياة الدنيا، وهو عذاب الخزي، والثاني ـ وهو الأشق ـ بالآخرة، لكن ليس من بينهما عذاب القبر المزعوم، وذلك من قوله تعالى:
(( لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ*)). سورة الرعد آية رقم : (34) .
ويقول تعالى عن عذاب الدنيا:
((فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ*)) . سورة فصلت آية رقم : (16) .
فالعذاب ماديا، ويصاحبه خزي ويكون حال الحياة؛ لقوله تعالى: ((... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ*)) . سورة البقرة آية رقم : (85) .
فالعذاب الدنيوي يقع على الأحياء، ومن بينه الخزي للكافرين، والمعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكر الله.
أما من يتصورون عذاب القبر معنويا فقط فهم في أوهام من السطحية، لأن العذاب المعنوي يحتاج أيضا إلى إدراك، فكيف بالجسد وقد انسلخت منه النفس، وأصبح جثة بلا حراك، فإنك إن غمسته بالماء فلن يشعر بغمر الماء، وإن ضُغِطَ عليه بالقبر فلن يشعر، وإن تركته في غرفة فسيحة فلن يسعد، فكيف بهم يقولون بأن الجسد يُدرك العذاب المعنوي المزعوم؟.
بل هم يناقضون أنفسهم في معنوية العذاب، إذ ان تفصيلات المرزبات والثعبان الشجاع الأقرع وفتح الطاقات إلى النار ليأتيه من سمومها وحياتها وعقاربها بالقبر، كل ذلك عذاب مادي تم تفنيده، فضلا عن عدم وجود آليات الإدراك التي ستعود لتلك الجثث يوم القيامة، لتذوق العذاب، أو لتشعر بالنعيم.
وحيث إن العذاب الإلهي مادي سواء أكان عذابا بالدنيا أو بالآخرة، وحيث إن المادة (الجسد) معدومة بقانون الفناء المادي بالموت، فإن العذاب بالقبر غير موجود لعدم تزاوج الأنفس بالأجساد، فلن يتم الإحساس، وهذا الأمر (إحساس الموتى) هو الذي جعل الأزهريين يقفون حائلا أمام قانون تغيير الأعضاء، لذلك تجد الأحياء منا يبيعون أعضاءهم.
ثالث عشر: الكذب حتى بالقيامة:
إن السؤال ووزن الأعمال ومجادلة كل نفس عن نفسها، وقيام الشهود على العبد بواجباتهم، كل ذلك من آليات يوم القيامة، وتلك الآلية إن سبقناها بعذاب القبر الموهوم لكانت كل أعمال الآخرة تمثيلية هابطة معلومة نتائجها سلفا، بل كذب الناس يوم القيامة عسى أن يتخلصوا من عذاب الله ليؤكد في جلاء عدم وجود عذاب قبر، وسأسرد الأدلة القرءانية عن كل ما ذكرت فيما يلي:
1 ـ ((الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*)). سورة النحل آية رقم : (28) .
2ـ ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ*ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ*انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ*)) . سورة الأنعام آية رقم : (22-24) .
3ـ ((الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ*)). سورة يس آية رقم : (65) .
4 ـ ((يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*)). سورة النور آية رقم : (24) .
رابع عشر: الميزان والوجوه البيضاء:
وزن الأعمال من بين أعمال الآخرة، حيث يقول تعالى:
((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ*)). سورة الأنبياء آية رقم : (47) .
فما فائدة ذلك الميزان طالما تحدد مصير العبد بالقبر؟!.
وميزان يوم القيامة يكون بعد حصر أعمال كل إنسان وتدوينها بكتب يتسلمها أهل موقف البعث، إما بأيمانهم أو بشمائلهم أو من وراء ظهورهم، ويتميز ميزان القيامة بأنه ميزان قسط لا مجاملة فيه لأحد، وصنجه من لدن قواعد أسسها الرحمن، فالحسنة فيه بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، والسيئة فيه بمثقال واحد.
وبعد انتهاء كافة أعمال الحساب وبعد الميزان تبيض وجوه وتسود أخرى، وهو أمر يدل على بزوغ فجر حقائق كانت غائبة حتى عن أصحابها، وفي ذلك يقول تعالى:
(( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ*)). سورة آل عمران آية رقم : (106-107) .
ويقول تعالى:
((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ*)). سورة آية رقم : (60) .
وعلى ذلك يتحدد فريق النعيم باللون الأبيض، وفريق الجحيم باللون الأسود، وذلك إيذان ببدء الدخول في مرحلة تنفيذ الجزاء الذي لا توجد مرحلة قبله، إلا الإفك والضلال المسمى عذاب القبر المزعوم.
خامس عشر: الصـراط المستقيم
الصراط جسر على جهنم يُطلب من الخلق عبوره، فأي فائدة للصراط المستقيم في الآخرة إذا كان الناس سيتعذبون عذابا ماديا في قبورهم قبل عبور ذلك الصراط، وأول العذاب المادي بزعمهم أن يضغط القبر على الجثة ضغطة تختلف فيها أضلاعه، وغير ذلك من صراخ.
فمما رواه البخاري في صحيحه باب { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } بالحديث رقم: (7000) عن أبي هريرة: [ أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال ......ويُضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها......]، فسوف نضرب المثل فيما يلي:ـ
فيا ترى ما حال رجل كان يتعذب في قبره أربعين ألف سنة مثلا؟، كيف سيكون حاله وهو يعبر الصراط المستقيم وتحته جهنم لا شك أنه سيهوي من الرعب الذي عاين نماذج منه طوال تلك الأحقاب بالقبر، فما فائدة ذلك الصراط طالما دخول جهنم أمر محتم؟.
والناس جميعا ستعبر على ذلك الصراط المضروب على جهنم، ولن يستطيع أحدا أن ينقذ نفسه، إلا إن أنقذه الله من هول ذلك الصراط، وفي ذلك يقول تعالى:
(( وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا*ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا*)). سورة مريم آية رقم : (71-72) .
فعلام كل هذه الإجراءات طالما تم العذاب قبلها، وسيتم بعدها؟، وذلك فائدة أن تقول بإخلاص وتضرع (اهدنا الصراط المستقيم) حتى يهديك الله ويُحبب إليك الإيمان ويُزَيّنه في قلبك في الدنيا فتستقيم سلوكياتك على منهاج الله، فيكون في ذلك نجاتك على الصراط يوم القيامة، فالصراط المستقيم ليس تمثيلية، إنما عذاب القبر هو التمثيلية الهابطة التي قام بتأليفها بشر الله أعلم بهم.
وبعد فقد ذكرت لك خمسة عشر بندا، وبكل بند أكثر من دليل على عدم وجود عذاب بالقبر، بل دللت بعدم وجود زمن بالقبر أصلا، وعدم معرفة الموتى ولا رؤيتهم لمقعد النار أو الجنة، فهل سنجحد مئات الأدلة التي لا تحتاج إلا قراءة واعية، لأجل ما ذمه الله فينا حين نقول: (هذا ما ألفينا عليه آباءنا)، لذلك فإن لي أن أُذكر أهلي والناس أجمعين بقوله تعالى:
((تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ*وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ*يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*)). سورة الجاثية آية رقم : (6-8) .
ولا يظنن غُـرٌ مفتون ببضاعته القديمة أن تلك الآيات السابقة نزلت في الكافرين، فإن تلك مصيبة أخرى أن نتصور بأن هناك آيات تحكم حياتنا وآيات تحكم حياتهم، وآيات تم تجميدها وتعطيل فعاليتها باسم الناسخ والمنسوخ داخل كتاب الله، وآيات لمناسبات خاصة، وآيات نسختها أحاديث مفتراة... وغير ذلك من علوم الإفك، وهكذا نحطم منهجية القرءان بعد أن عجز الشيطان عن تحريفه، فكل ذلك من بعض الفكر القديم الواجب علينا تصويبه.
الفصل الثالث
تفنيد حُجج أنصار فكرة العذاب بالقبر
في يوم الأحد الموافق الأول من نوفمبر لعام 2009 ميلادي، دعتني قناة المحور الفضائية لبرنامج يدعى (ضرب نار) وكان معي الأستاذ الدكتور/أحمد عبد الرحيم السايح (مقدم هذا الكتاب)، وفي مواجهتنا اثنان من المتخصصين بالعذاب، وكان موضوع الحلقة (عذاب القبر حقيقة أم خيال؟)، ومن البدهي أن شرحت وجهة نظري وسط ركام من الصراخ والبكاء على السُّنة النبوية المهدرة، ولم ينس أحد قطبي الخصومة أن ينعتني والدكتور/أحمد السايح بأننا قرءانيان، وكم بكيت بعدها على حال الكثير من المتخصصين، حيث تمت مداخلات من أساتذة صنعتهم مناهج ضالة، تؤكد وجود ذلك الوهم، رغم إبرازي للدليل تلو الدليل، ولقد انتهت الحلقة بأن اقتنع كل من بالاستديو، وكثير من المشاهدين ـ بعد الإذاعة ـ بعدم وجود ذلك العذاب الموهوم، وما زلت أهيب بالإعلام المساهمة لإزالة غشاوة ذلك الإفك عن الناس.
ولقد تأكد لي أن بعض المتخصصين قد انضموا إلى قافلة تحريف القرءان بإهماله، فمرة يضاهونه بالسُّنة ويغلِّبونها عليه، ومرة يقولون بأن فيه ناسخًا ومنسوخًا، فوضعوا بعلمهم ـ المسمى بالناسخ والمنسوخ بكتاب الله ـ كثيرا من آيات القرءان بثلاجة التجميد، فهذه آية تتلى فقط وزال حكمها، وتلك كانت قرءانا فانقرضت ولا تتلى لكن بقى حكمها (حديث الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، وآيات أخرى يتأولونها وفق مراد الحديث النبوي المدسوس، وبضع كلمات من آية يتخذونها سندًا لهدم كتاب الله، مثل ما يتأولونه من قوله تعالى بالقرءان في جزء من آية: (وما آتاكم الرسول فخذوه)، بينما ينكرون على الآخرين قولهم (لا تقربوا الصلاة) رغم أنها جزء من آية أيضا، فهم يطوعون النصوص القرءانية لهواهم في الروايات المدسوسة على النبي، ولا يطرف لهم جفن، فقد أمدهم الشيطان بمدد من عنده.
وخرافات عن الموتى وقدراتهم الخارقة بعد الوفاة بعلة أن بصرهم أصبح حديدًا بمجرد الوفاة، مع عدم إمكانهم التفرقة في المعنى بين الرؤية والنظر والبصر، والزعم بأن الموتى يسمعون ويبصرون أفضل منا، وعدم قدرة أولئك المتخصصين تصور اختلاف مرور الزمن بين الأحياء وأهل القبور من الموتى، وقذف وسط الكلام بالكفر والفسق وخلافه، فحزنت أشد الحزن على أولئك العلماء، سواء في كيانهم العلمي، أو كيانهم الثقافي، فضلا عن العقلي، وأسفت على حال الدعوة وهي بأيدي هؤلاء، لكن كلي أمل أن أساهم في تصويب أفكارهم.
وسوف أتناول في هذا الفصل تبريراتهم وتأويلاتهم الفاسدة عن القبر، وما يعتبرونه حجة لهم فيما يلي:ـ
أولا: حججهم من القرءان:
يحتج أنصار فكرة عذاب القبر بتأويلات عن فهم محدود لهم لبعض آيات معدودة من القرءان، وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، فهم علاوة على فقدانهم لأي نص قرءاني قطعي الدلالة في ذلك الأمر [راجع معنى اصطلاح (قطعي الدلالة) بالفصل الأول]، فهم يتأولون النصوص القرءانية ويلوون أعناقها ليًا، لتتوائم مع ثقافتهم الروائية المدخولة على الحديث النبوي، وسنستعرض أدلتهم بالتمحيص فيما يلي:ـ
1 ـ فهم يحتجُّون بقوله سبحانه وتعالى:
((النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ*)). سورة غافر آية رقم : (46) .
لكن تأويلهم مردود عليهم بأن أمر العرض على النار يخص آل فرعون فقط، فكما كانوا مُتَفَرِّدِين في الكفر، كان لهم تَفَرُّد مخصوص بعد الموت، وهذه الآية تحكي مصير كافرين فكيف نسحبها على كل المسلمين، وتلك الآية من الآيات قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة، فلا يمكن استخراج أحكام منها، ليتم تعميمها كحقيقة إيمانية لا تقبل الجدل حولها.
أ ـ فآل فرعون يُعرضون على النار، ولا تُعرض النار عليهم، ولا تنزل لهم في قبورهم، ويكون ذلك على فترتين فقط من مثل فترات الدنيا {الغدو والعشي}، ولعل المعنى ينصرف إلى دوام العذاب، لكن لا ينطبق الأمر على البشرية عموما، ولا على المسلمين خصوصا لأن الأمر يخص الكافرين من آل فرعون فقط، وعذابهم معنوي وليس ماديا، وذلك لأنهم يُعرضون على النار، ولا يدخلونها، ومدة ذلك العرض هي مدة مكوثهم بالقبر، وهي لحظة أو مجرد لحظات، كما ذكرنا ص59 تحت عنوان (الموتى/الزمن/ الشعور).
ب ـ بينما يجد الباحث أن عذاب المعذبين بالدنيا حال الحياة مادي، فمنهم من أُغرق، ومنهم من خُسف به الأرض، ومنهم من ابتلي بالضفادع والدم في مياه الشرب، وهكذا.
ج ـ وبالآخرة أيضا يكون العذاب ماديا بالإحراق، وبمقامع من حديد، والذين يزعمون عذاب القبر يصورونه ماديا، فجعلوا لكل ذنب عقابًا، فمنهم من ترضخ الملائكة رأسه بالأحجار، ومنهم من يضغط عليهم القبر حتى تختلف أضلاعهم فيه، وهم جميعا يصرخون صراخا تسمعه البهائم وهكذا، فأصحاب ذلك السيناريو المسرحي لا يتفقون مع الآية التي تُبين أن العذاب معنوي، لأنه مجرد عرض على النار لفترتين يوميا، فهم بذلك خالفوا النص الذي يحتجون به.
وبذلك تكون الآية تصور شأن مخصوص لأناس بأعينهم، فلا ينطبق الأمر على البشرية كلها، لأن الأصل في عذاب الله في الدنيا أو الآخرة يكون ماديا وليس معنويا، ولم يكن الله ليترك الأمر للمتأولين.
د ـ ودليلنا أنه عذاب خاص ولا ينطبق على البشرية جمعاء أن الله سبحانه أجرى التحلل على مخلوق (حمار سيدنا حزقيال)، ومنع آخر من التحلل (طعام سيدنا حزقيال)، ودليل آخر هو عدم رؤية سيدنا حزقيال لعذاب أو نعيم بقبره طوال مائة سنة مرت عليه وهو ميت، ودليل ثالث وهو مُتعة الذين قتلوا في سبيل الله من دون الناس جميعا.
هـ ـ ووجه آخر من وجوه تفنيد دلالة الآية، أن الله يقول عن آل فرعون في آية أخرى:
((كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ*)). سورة آل عمران آية رقم : (11).
فقوله: (فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ) فعل ماض، لكنه سيحدث في الحقيقة بالمستقبل حين تقوم الساعة، مما يعني أن للقرءان تعبيراته الموحية بالفزع حين يذكر مصير الكافرين.
وعلى ذلك فتعميم مصيرهم وتعميم العذاب وتصويره ماديا على كل البشر أحيانا، بينما تراهم يرددون مرة أخرى يقولون بأن عذاب القبر معنوي، وأنه مجرد عرض مقعد النار أو الجنة على الميت، فإن ذلك لا يُعبِّر عن النص القرءاني قدر ما يُعَبِّر عن خيال وتخبط فقهي.
و ـ ولابد أن نعلم أن هناك استثناءات، فكما استثنى الله الذين قُتلوا في سبيل الله بالنعيم والحياة بشكل مُعيَّن، فقال عنهم:
((وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ*)) . سورة آل عمران آية رقم : (169-170) .
فقد استثنى آل فرعون بعذاب غير باقي الناس، وهو العرض على النار فترتين يوميا من مثل أيامنا، لكن حكم عموم الناس مدون بعموم القرءان، أما الفئات المستثناة فلا يُقاس عليها.
2ـ كما أنهم يحتجون بوجود عذاب قبر حين يُفَسِّرُون قوله تعالى:
(( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *)). سورة السجدة آية رقم : (21) .
وكلمات العذاب الأدنى والعذاب الأكبر المذكورة بالآية لا تعنى أن عذاب القبر هو العذاب الأدنى وعذاب الآخرة هو الأكبر، بل تعني أن الله يرسل العذاب في الدنيا حال الحياة قبل أن يتعذب الناس في الآخرة، لعل الناس يرجعون عما هم فيه، لذلك ذُكرت كلمة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *} بنهاية الآية، فإن الأمر إن كان يعني الموت ما كان لكلمة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *} معنى، لأنه لا أحد يموت ثم يرجع، وهي آية تدل على مراقبة الله للعباد، ودفعهم لإصلاح أنفسهم، وليس بها ما يدل على عذاب قبر.
3ـ ويزعمون القول بعذاب القبر وهم يفسرون قول الله عن الكافرين: ((مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا*)). سورة نوح آية رقم : (25) .
فقالوا إنهم بمجرد الموت دخلوا النار فيكون ذلك في القبر، وما أرى ذلك إلا من تعطل فهم حقيقة الزمن بعد الموت، وعدم فهم القرءان، فالميت بمجرد أن يموت يجد القيامة العامة فورا، وما ذلك إلا لتوقف الزمن عند الموتى، وعلى ذلك فهو يدخل الجنة أو النار فورا، وفق إيمانه وعمله، فذاكم تفسير كلمة (فَأُدْخِلُوا نَارًا.) عموما .
هذا فضلا عن أن القرءان الكريم له أسلوبه في عرض الأمور، فهو يتكلم عن دخول الجنة ودخول النار كفعل ماض رغم أنه لم يحن بعد، لكن لأنه حتمي فإنه يذكره كفعل ماض ليؤكد حتمية حدوثه، وحتمية قََـدََر الله فيه.
فكذلك حرف الفاء الذي يصاحب كلمة (فأُدخلوا) إنما ليؤكد أن الساعة قريب، وأن الله سريع الحساب، وأن انعدام وجود الزمن بالقبر يعني أن كل من يموت يجد القيامة العامة تقوم عليه فورا، لأننا جميعا سنموت ولن يمر عليه ما مر علينا من أزمنة.
لكن من الشذوذ الفكري أن يُستنبط من الآية حُكم لم يرد بالقرءان إلا ما يخالفه، ولابد لاستخراج حكم من القرءان أن يدرك المرء كل ما جاء بالقرءان عن ذلك الأمر، فلا يصح أن تستقطع آية من كتاب الله لتخرج على الناس بحكم ورد ما يخالفه بالقرءان أيضا، فإن ذلك يصيب استنتاجك بالعوار.
وهناك من ذهب إلى أن كلمة (نارا) التي وردت بالآية لا تعني النار المعروفة لأنها نار مُجَهَّلَة وغير مُعَرَّفَة، وهي تعني أنهم بعد إغراقهم دخلوا فوهة البركان الذي انفجر، حيث يقول تعالى:
((حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ *)) . سورة هود آية رقم : (40) .
فالتنور هو البركان، وقد كانت بلدة نوح على ساحل البحر، وحدث فيها مثل ما حدث لمدينة تسونامي، فلما انفجر البركان ثار البحر وأمطرت السماء، فالتقى الماء على أمر قد قُدِرْ، وقذفت الأمواج بجثثهم الغارقة إلى فوهة ذلك البركان الثائر، بينما نجا سيدنا نوح ومن آمنوا من الغرق بالطوفان وكذلك من الحرق بالبركان.
4ـ ومن بين ما يحتجون به لإثبات عذاب القبر، تأويلهم لقوله تعالى: ((أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ *)). سورة التكاثر آية رقم : (1-8) .
فتصوروا زيارة المقابر تعني عذاب القبر، وتصوروا الوعيد المذكور بعدها يعني عذاب قبر، وهو خيال لم يرد بالقرءان ولا حتى ظلال عنه.
فزيارة المقابر الواردة بالآية والوعيد بعدها يعني العذاب يوم القيامة بعد الموت، لأنهم ألهتهم الدنيا وزخارفها، لذلك فهم حين يزورون القبور وينقطع عملهم بالموت، فإنهم سوف يعلمون ما يحيق بهم من عذاب الله يوم القيامة ولا تعني بحال عذاب القبر المزعوم.
فالمؤمنون حال حياتهم يوقنون بوجود الجحيم حق اليقين، لذلك فهم يلتزمون بتعاليم الدين، وهم الناجون يوم القيامة، أما الذين ألهاهم التكاثر ممن لا يؤمنون ويكذبون بحساب الآخرة فسوف يرون الجحيم عين اليقين، بعد أن يزوروا القبور، وتعبير الزيارة يعني أن القبر مجرد زيارة سريعة، يكون بعدها عذاب الجحيم، فأين حرف (الفاء) الذي أقام عليه المفسرون تفسيرهم لفورية العذاب بالقبر بآية قوم نوح؟، إنه هنا يقول (سوف تعلمون)، لا أرى تأويلاتهم إلا محض خيال بعد أن تأثرت تفسيراتهم بتلك الروايات المدسوسة على النبي.
5ـ ومن بين ما يحتجون به قوله تعالى:
((يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء *)) . سورة إبراهيم آية رقم : (27) .
فقالوا إنه تثبيت الله الموتى من المسلمين بالقول الثابت (الشهادتين) في قبورهم حين سؤال الملكين، وهذا القول مردود عليه بما يلي:ـ
أ ـ أن القبر ليس من ضمن الحياة الدنيا، لكنه من منازل الدار الآخرة، وكما أن للجسد قبرا بالتراب فإن للنفس قبرا عند الله، وبذلك فالآية لا تعني السؤال المزعوم بالقبر.
ب ـ أن التثبيت حال الحياة يكون بالقرءان الكريم، فهو القول الثابت بالحياة الدنيا، وذلك من قول الله سبحانه: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا *)) . سورة الفرقان آية رقم : (32) .
ج ـ وقوله جل شأنه:
((وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً *)).سورة الإسراء آية رقم : (74) .
دـ ويقول تعالى:
((قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ *)).سورة النحل آية رقم : (102) .
ه ـ وقوله سبحانه وتعالى:
((وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *)).سورة هود آية رقم : (120) .
فها هو التثبيت الذي قرره الله للذين آمنوا بالحياة الدنيا، لا يكون إلا بالقرءان، ويكون حال الحياة أولا، فهو البشرى للمسلمين في الدنيا، فالمؤمن الذاكر يكون صاحب قلب مطمئن، وهو حين الموت يكون مطمئنا لقوله تعالى:
((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً*)).سورة الفجر آية رقم : (27-28) .
كما يثبت الله المؤمنين من الفزع الأكبر يوم تقوم الساعة، بلا إله إلا الله.
أما الرواية التي ذكرها الترمذي وغيره والتي تذكر زورًا عن النبي أنه قال إن التثبيت يكون عند سؤال الملكين بالقبر، فهي ليست بشيء لتعارضها مع نصوص القرءان، والرواية التي ذكرها الإمام مسلم في صحيحه برقم : (5118) باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وذكر فيها التثبيت بالقول في القبر ففيها مدلس، (راجع التخريج من ص135).
ولقد ذكر الله كلمة (القبر) بالقرءان ثماني مرات، وذكر كلمة (عذاب) مائتين وخمس وستين مرة لم يقرن بينها وبين القبر أبدًا.
6ـ ويحتجون بقوله تعالى:
((وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ *)).سورة التوبة آية رقم : (101) .
فيتصورون قوله: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) أن الأولى عذاب القبر والثانية عذاب الآخرة.
ولست أدري لماذا لم يدر بخلدهم قوله تعالى:
((وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *)).
سورة السجدة آية رقم : (21) .
((وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *)).سورة السجدة آية رقم : (21) .
وقوله تعالى:
((وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ *)).سورة الأنعام آية رقم : (42) .
فالبأساء عذاب، والضراء عذاب، ثم يردون إلى عذاب يوم القيامة، وكثير من مثل تلك الآيات التي تثبت أن بالدنيا أنواع من العذاب لإيقاظ للناس من غفلتهم، وذلك من رحمة الله، فضلا أن مرتين + عذاب الآخرة =3، وهل عذاب القبر يحتسب بمرتين؟، فضلا أن تلك الآية (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) قيلت في المنافقين، فلا يجوز قياسها على المسلمين، فبهذا نكون فسرنا القرءان بالقرءان، لكن قل في تحريف القرءان ما تشاء.
فالمسلم الموحد لا يستقي العقائد إلا من صريح آيات كتاب الله القطعية الدلالة، وهي في موضوعنا بالمئات، أما من يتأولون بعض آيات معدودة من كتاب الله على أنها عذاب قبر لتأثرهم بالأحاديث القولية الأحادية، فهو فضلا عن الفساد المنهجي، فهو نبذ لآيات كتاب الله، وما كان الله ليضع العقائد تحت رحمة اجتهاد الفقهاء، أصابوا أو أخطئوا، أما الأحاديث القولية فمرحبا بها فيما عدا العقائد والحدود والتحريم ومخالفة كتاب الله.
ثانيا: مسرحية العذاب كما أُلصِقَت بالسُّنة:
بالبداية لابد لي أن أنوه أن الإسلام قد قضى على الأصنام الحجرية فصنع الناس أصناما أخرى أطلقوا عليها ثوابت الأمة، ويا ليت تلك الثوابت تتوافق مع ما جاء به محمد – عليه الصلاة والسلام - ، لكنك تجد من بينها صنما يدعونه أصح كتاب بعد كتاب الله فهم عليه يعكفون أكثر من تعبدهم بالقرءان، ولست أدري كيف يكون من ثوابتهم وأصح كتبهم ما عج بروايات المدلسين وأصحاب الأوهام وغيرهم (سيأتي تبيان ذلك بملحق تخريج الروايات المنسوبة زورا للنبي)، بل تجد أجِلَّة الدُّعاة منهم لا يمايزون بين القرءان وبين الرواية عن النبي في القيمة والاستدلال، بل يُقدِّمون الرواية على الآية في الاهتمام واليقين والعمل، وما أرى ذلك إلا إشراكا بالله، فهل من ثوابت الأمة أن يضاهي صحيح البخاري كتاب الله ويستكمل أحكام القرءان بأقانيم ما أنزل الله بها من سلطان؟، هل وصل بنا تعظيم روايات ذكرها واحد عن واحد لنطغى بها على حكم الله وآياته؟، فأي دين نحن عليه ما دامت حالنا كذلك؟!.
ولقد جمعت للقارئ قطوفا أثبت بها بعضا من زيف مدسوسات السُّنة البشرية المزعومة وضعتها بنهاية الكتاب تحت عنوان: (بحث فقهي مع سرد وتخريج للأحاديث المزعومة عن القبر وعذابه ص107 وما بعدها) فيمكن الرجوع إليها.
فتراهم قد استغرقوا في مسرحية عذاب القبر، وابتدعوا لكل زيف رواية نسبوها بهتانا للنبي – عليه الصلاة والسلام - ، فقالوا بوجود ملكين يسألان العبد مجرد دخوله القبر عن ربه ودينه ونبيه، وتجد أئمة عذاب القبر يصرخون ويتحدون المعارضين بتلك الرواية العجيبة، بل ويلوون عنق الآية :
((يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء *)).سورة إبراهيم آية رقم : (27) .
ويفسرونها على أنها تخص سؤال الملكين المزعوم، رغم أنهم يقولون بأن القبر أول منازل الآخرة، بينما يقولون بأن التثبيت بالقول الثابت في الدنيا يكون بالقبر، فهل القبر من الدنيا أم من الآخرة؟ وللأسف تجد التدين الشعبي يدين بالولاء لذلك الإفك (راجع تخريج حديث الملكين منكر ونكير ص 135 من الكتاب).
وقالوا بأن القبر يضغط على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه، أي تتحرك أضلاع قفصه الصدري لتكون اليمنى محل اليُسرى، واليُسرى محل اليُمنى، بما يعني وجود إحساس للجثة، فضلا عن زعمهم بإدراك الجثث وسماعهم لمن يلقي السلام عليهم، وقالوا بثعبان اسمه الشجاع الأقرع، يضرب الذين كانوا لا يُصَلُّون، وقالوا بمرزبات الحديد يضرب بها الملائكة أولئك الموتى فيتجلجلون أسفل سافلين بالقبر، ثم يعودون من الأرض السابعة ليعود الملائكة عليهم بعذاب المرزبات مرة ثانية وثالثة وهكذا.
وقالوا بملك موكَّل يرضخ رءوس الذين كانوا يتتثاقلون عن الصلاة المكتوبة (مجرد تثاقل فقط)، وقالوا بنساء مُعَلَّقَاتٍ من شعورهن وأُخريات من صُدُورهن لكشفهن تلك الصدور والشعور للأجانب، وقالوا بصراخ أهل القبور يسمعه كل الخلائق إلا الإنس والجان، وقالوا بعذاب خاص للزناة والزواني ويستجير القبر من نتن ريحهم، وقالوا بتقطيع الملائكة لألسنة خطباء الفتنة.
ولم يكن هناك عذاب بالقبر عندهم للحاكم الظالم، ولا لقتلة أهل بيت النبوة، ولا لمزوري الانتخابات، ولا عذاب عندهم لأصحاب الأغذية المسرطنة، لذلك أرى كل ما سبق مسرحية تم كتابة سيناريوهاتها بشريا ممن هم دون الأنبياء، بعد عصر الخلفاء الراشدين، حتى يُفتن الناس، وأراهم قد فُتنوا فعلا، فلا تكاد ترى مسلما إلا يؤمن بذلك الوهم، وجعلوا منا مجموعة من المرضى نفسيا.
ولقد اهتموا بإفساد جزء من مناجاة العبد لربه في الصلاة بعد أن قالوا بالتعوذ من عذاب القبر بنهاية التشهد بكل صلاة، وقالوا إنه من السُّنة، وقالوا بالتعوذ منه لكسوف الشمس، وبالتعوذ من عذاب القبر عموما، وما هي إلا سُنَّة الخيال، وتقديس لتراث الأموات بلا سند شرعي، إلا لأنهم من الأقدمين.
وقالوا بالميت الذي يؤذي من يجلس على قبره، وقالوا بفتح طاقة بالقبر للميت؛ ليأتيه من ريح النار وزمهريرها ونتن رائحتها، وقالوا بمخلوق يخرج على الميت في قبره يقول له: (أبشر بأسوأ يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)، وأن الميت يصيح ويقول: (يا ربِّ لا تقم الساعة)، ألا ترى معي الإخراج المسرحي؟!!، وللعجب فكل ذلك لم يرد لا بالقرءان ولا بالبخاري ولا مسلم، لكنه التدين الشعبي الذي غرسه دعاة الإضلال باسم الإسلام.
ولست أدري لماذا لم يقل أحد الأنبياء بعذاب القبر في أي شريعة أو كتاب سماوي؟، وإن كانوا نسبوا زورًا لنبينا القول بأن اليهود تُعَذَّب في قبورهم، وكأن العالم انحصر في اليهودية والإسلام ومشركي مكة فقط، فهل كان الموتى لا يعذبون في قبورهم حتى جاء الإسلام بذلك العذاب؟، أوتم لصق عذاب القبر بالإسلام لأن نبينا نبي الرحمة!!؟، أَوَ ذلك يتبع منهج تخفيف الشرائع!؟، أم التغليظ على الناس حتى ولو معنويا، وكيف يكون العذاب قبل الحساب؟.
وحين يضع أهل الملل الأخرى الزهور على القبور، بينما نضع نحن عليها نبات الصَّبَار فهل يكون سبب ذلك علومنا الفتَّاكة عن عذاب القبر، ورحمة منا على ما اختص به موتانا من ضنك القبر وعذابه؟، وأين فقهاء العذاب من نعيم القبر؟، أم أن العذاب بالقبور غطى كل شيء حتى إننا لا ندعو به في صلاتنا، وكأنه شيء مزهود.
من بدع وغرائب الدُّعاء للميت:
مما ينتهجه المُدَّعون بالسُّنة من بدعهم المخلوطة والمنسوبة زورًا للنبي، مسألة الدعاء للميت، فالدعاء للموتى أمر محمود خاصة من الأقارب والصالحين، لكن من غير المتصور أن ننقل عنهم الدعاء على الميت بحسبان أنه دعاء له، وبحسبان أنه من السُّنة.
فمن مأثوراتهم في الدعاء: [ اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَهُ، ووسع مُدْخَلَهُ، واغسله بالماء والثلج والبَرَدْ، ونَقِّهِ من الذنوب كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَنَسْ ]، وهذا الدعاء يقولونه حتى في صلاة الجنازة.
فهل من الممكن أن نغسل أحد الأحياء بالثلج إلا إن كنا نستهدف أذاه، فما بالنا بالدعاء بذلك للميت؟، وندعو أيضا بأن يغسله بالبَرَد، لا شك أننا نكرهه، إلا إن قال لنا علماء التبرير علما من علومهم الجهنمية التي تستحسن ذلك، وتنسبه للنبي – عليه الصلاة والسلام -.
لقد رأيتهم في غُسل الميت يغسلونه بماء فاتر، لا هو ساخن ولا هو بارد، أفنفعل ذلك بينما ندعو الله جل جلاله عليه بأن يغسله بالثلج البارد؟!، أم أن الدعاء مخصص لأهل البلاد الحارة فقط، أما أهل البلاد الباردة فنحن ندعو لهم بغسول ساخن!؟.
ودعاء آخر من الأدعية العجيبة التي ساقونا إليها بقولهم:[اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره وأهلا خيرًا من أهله وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار].
فهذا الدعاء به تضاد مع الدعاء بكتاب الله القائل:
((رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *)).سورة غافر آية رقم : (8) .
أسن دعوا بدعاء القرءان الذي لا استبدال فيه للصالحين والصالحات من أزواجنا ، أم سندعو باستبدالهم مهما كان صلاحهم بأزواج خيرا منهم؟!، لأننا ذكورا وإناثا نحب التبديل!!.
لقد قَبِلَ الله الدعاء القرءاني، ولم يقبل دعاء السُّنة المزورة، فأدخل الزوجة الصالحة والزوج الصالح الجنة معًا، حيث قال سبحانه: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ *)).سورة الرعد آية رقم : (23)
فألغى بذلك نظام الاستبدال الأهوج الذي يتراقص لشهوات أولئك الدعاة.
وكم أرى من قِلَّة حياء الدَّاعين بهذا الدعاء لرجل أو امرأة قضيا نحبهما بينما الزوج الحي، أو الزوجة الحية، يسمع أو تسمع هذا الدعاء (أن يبدله الله زوجا خيرا منه أو منها)، ومطلوب من أيهما التأمين عليه، فهل في ذلك أي تعقل!؟.
ومن أدعيتهم التي يدَّعون أنها من المأثورات قولهم: [اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حُفْرَةً من حُفَر النار].
فمن قال بأن القبر روضة، وهل تتنعم الجُثث؟، وهل تتعذب الجُثث في حُفر؟، ولم يقل أحد من البشر غيرهم ولا كتاب سماوي بأن النار عبارة عن حُفَر، إن القرءان يقول بأن النار واسعةً جدًا، وذلك من قوله تعالى (( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا *)).سورة الكهف آية رقم : (29) .
فالقرءان يقرر بأن النار سُرادق ضخم يضم كل المُعذبين، ويرش عليهم ماء النار يشوي وجوههم، بينما الذين يتزعمون الفوضى في السُّنة النبوية المطهرة يقولون بأن النار عُبارة عن حُفَر، فأي النهجين ننتهج؟!، أم نقف لننتظر علماء التبرير ليبرروا لنا سبيلا جديدًا لخيبة أمل الأمة حتى في فن الذكر والدعاء.
والنار لها سبعة أبواب، فهل هناك سبعة أبواب لمجرد حُفَر؟، إن القرءان يقرر أن دخول النار يكون بالأفواج والأمم، وفي ذلك كله يقول تعالى:
((وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ*)).سورة الحجر آية رقم : (43-44) .
(( قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ *)).سورة الأعراف آية رقم : (38)
((وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ*)).سورة النمل آية رقم : (83) .
إن السرد السابق يصوِّر لكل ذي لُب أن النار وأفواج الداخلين فيها من الأمم ليست تلك الحفر الضيقة، إنما الخطب جلل والأمر أعظم.
نعم هناك أماكن ضيقة بالنار، لكنها أمر عارض، وفي ذلك يقول ربنا: ((وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا *)).سورة الفرقان آية رقم : (13) .
لذلك ففقهاء الأحاديث لا يتبينون القرءان، فقوله تعالى بأول الآية (وإذا) تعني أنها حالة عارضة، والله هو الذي يعلم شكل النار، ولأنها من الغيب فالنبي يعلم بوجودها لكنه لا يعلم شكلها تحديدا إلا بما تنزل عليه من قرءان، وعلى ذلك يكون فقه الحُفَر في غير محله.
وأهدي لفقهاء العذاب الذين لا هم لهم إلا ترويع الناس من الله، أنه إذا ما كانت النار التي يتكلمون باسمها ذات أبواب سبعة، وبها أماكن ضيقة، فإن الجنة لها ثمانية أبواب، وعرضها كعرض السماوات والأرض، أي أنها تشمل سعة الكون المرئي وغير المرئي، وذلك لأن رحمة الله أعظم من غضبه، وفي ذلك يقول تعالى:
((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ *)).سورة الحديد آية رقم : (21) .
صدق أو لا تصدق من أحاديث الصحيحين وفقه البعض
سبق وذكرت أن كثيرا من الدعاة يقولون بقصر أدمغتنا في أن نفهم القرءان أو ندرك الحديث، وإني أستشهد كل قارئ على نفسه أن يقرأ معي بعض أعاجيب الصحيحين (البخاري ومسلم) عن القبر وذلك مما يلي:ـ
ففي صحيح مسلم كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم: (2773). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأحمد بن عبدة الضبي واللفظ لابن أبي شيبة قال ابن عبدة أخبرنا وقال الآخران حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو أنه سمع جابرا يقول: أتى النبي – عليه الصلاة والسلام - قبر عبد الله بن أُبَيّ، فأخرجه من قبره، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم.
وبكتاب فضائل الصحابة حديث رقم: (2400). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله عن نافع عن بن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبَيّ بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام - فسأله أن يعطيه قميصه أن يُكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله – عليه الصلاة والسلام - ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه، فقال رسول الله إنما خيرني الله فقال: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة }، وسأزيد على سبعين قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله وأنزل الله عز وجل { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره }.
وأيضا بذات الترقيم بذات صحيح مسلم [ 2400 ] وحدثناه محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد قالا: حدثنا يحيى وهو القطان عن عبيد الله بهذا الإسناد في معنى حديث أبي أسامة وزاد قال فترك الصلاة عليهم.
أنصدق الرواية رقم: (2773) التي تثبت عدم صلاة النبي على المنافق عبد الله بن أُبي، أم نصدق الرواية رقم: (2400) .التي تثبت أنه صلى عليه؟، وكلاهما بصحيح مسلم.
وفي صحيح البخاري عن ذات الموضوع باب { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم }، حديث رقم: (4393). حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لما توفي عبد الله جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله – عليه الصلاة والسلام - إنما خيرني الله فقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة } وسأزيد على السبعين قال إنه منافق قال فصلى عليه رسول الله فأنزل الله { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره}.
وبالحديث رقم: (4394). حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل وقال غيره حدثني عقيل عن بن شهاب قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال لما مات عبد الله ابن أُبي بن سلول دعي له رسول الله – عليه الصلاة والسلام - ليصلي عليه فلما قام رسول الله وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على بن أبي وقد قال يوما كذا وكذا وكذا قال: أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله وقال أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها قال فصلى عليه رسول الله ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } إلى قوله { وهم فاسقون } قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله – عليه الصلاة والسلام - والله ورسوله أعلم.
بينما وفي باب { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } حديث رقم: (4395). حدثني إبراهيم بن المنذر حدثنا أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال لما توفي عبد الله بن أُبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام - فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه ثم قام يصلي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم قال إنما خيرني الله أو أخبرني فقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } فقال سأزيده على سبعين قال فصلى عليه رسول الله وصلينا معه، ثم أنزل الله بالقرءان:
((وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ *)).سورة التوبة آية رقم : (84) .
بما يعني أن النبي قد صلى الجنازة على رأس النفاق بالمدينة.
فهل يقنع القارئ ـ مهما كان عقله كبيرا أو صغيرا ـ أن يقوم رسول الله بإخراج جثة منافق أو صحابي، ليتفل فيه فيتبلل جسد الميت بريق رسول الله؟، وهل لا بد إذا ما أخرجه من قبره أن يضعه على ركبتيه الشريفتين – عليه الصلاة والسلام -!؟، وكيف يعطى النبي قميصه أو يلبس الميت قميصه بينما من السُّنة أن يكون الكفن بلا قميص أو عمامة؟!. فهل ذلك المسلك المزعوم فعله لرسول الله من بين الأحكام التي يريد أهل السنن أن نتلاطم فيها، أم ماذا يريدون منا أن نفهم؟.
وكيف تكون الآية بسورة التوبة:
((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ *)).سورة التوبة آية رقم : (80) .
ثم يقوم رسول الله ليصلي عليه الجنازة، ترى ماذا سيقول في صلاته؟، ألن يستغفر له؟، أم بماذا سيناجي ربه في تلك الصلاة، وكيف تنهى الآية عن الاستغفار بينما يوجه عمر بن الخطاب النبي لعدم الصلاة طالما أن المنهي عنه الاستغفار فقط!؟.
أرى أن علم أسباب النزول مشكوك في غالبه، وما روي من أحاديث يساندون بها تلك المصنوعات الروائية إنما هي إفك افتراه البعض على الله ورسوله.
ومن جماع أحاديث البخاري ومسلم عن أمر عبد الله بن أُبي لا تعلم إن كان رسول الله صلى عليه الجنازة أم لم يصل، وبمناسبة موت رأس النفاق بالمدينة المنورة لماذا لم يتكلم النبي – عليه الصلاة والسلام - شيئا أو يذكر عن عذاب القبر في شأن عبد الله بن أبي بن سلول؟، ألم يكن يمشي بين الناس بالنميمة كذاك الذي زعم به يتعذب في قبره لأنه كان يمشي بين الناس بالنميمة؟، وهل تم دفنه بمقبرة وحده أم دفن بالبقيع؟، أذكر ذلك لمن يزورون البقيع على أنه مدفن للصالحين، ويتمنون أن يدفنوا بالبقيع ظنا منهم أن من جاور السعيد يسعد، وهل فكر أحد المتسننين بلا سُنَّة عما إذا كان الصالحون من الصحابة يتأذون من مجاورة المنافقين بمدفن واحد، وذلك وفق فقه من يتحرون أن يُدفنوا وسط الصالحين ويتصورون ذلك من الفقه.
وأرى أن ذكر مثل تلك الأحاديث دعوة للتحايل على أوامر الله، أكان رسول الله لا يعرف مرمى الآية القرءانية التي تنهى عن الاستغفار للمنافقين والمشركين؟، أو لم يكن يعلم معنى { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } أنها تعني مُطلق الكثرة؟، ومن الذي أعلم الفقهاء بعد ذلك بهذا المعنى؟ (أنها تعني مطلق كثرة الاستغفار مهما بلغ العدد)، لذلك فإن وضع تلك الروايات وأمثالها إنما يعبر عن فتنة لعقول العقلاء من المسلمين.
إن كثيرًا من فقهاء المسلمين حينما يخالفون بعض ما جاء من روايات بالبخاري ومسلم، فإنهم يقومون بذلك دون أن يطرف لهم جفن، ويسوقون من أعاظم المبررات ما يسوقون، وإذا ما خالف أحد غيرهم أصغر صغيرة بتلك الكتب فإنهم يرجمونه بإنكار السُّنة، وغيرها من أفاعيلهم وسُبابهم المشهور.
ودعني أسوق لك المثل، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم بصحيحيهما (مسلم ح رقم: (529-532). والبخاري ح رقم: (1265). و رقم: (3267). و رقم: (4177). (وغيرهما كثير) ما يفيد تحذير النبي للمسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ونهى عن تجصيصها ووضع صورهم عليها، وغير ذلك، لكن لأن تلك الأضرحة تستجلب الفرج المادي الدنيوي لبعض المُلتصقين بها فقد باركها بعض أساطين الفقهاء، وجعلوا للنذور الممنوحة لها حصصا قانونية للبعض يقتسمونها رغم أنف ما جاء بالصحيحين، وقالوا تبريرا لأفعالهم أن نهي النبي في ذلك الشأن نهي تنزيه، وليس نهي تحريم، فهنيئا مريئا لمن حذا حذوهم واغترف بغرفتهم، واستمتع بفقههم.
ومما يؤسف له أن الشيطان حين يئس وأعوانه أن يدس بالقرءان مدسوساته، لجأ إلى السُّنة لينفث فيها سمومه، يفسد بها العقائد، ثم دعا الناس لتعظيم السُّنة، لذلك تجد ثقافة الناس وقد اهتمت بالسُّنة على حساب القرءان، وتصوروا في النبي مُشرِّعا، فهم يخالفون بذلك القرءان، بل ويعمدون إلى مثل فعل الكافرين، وفي ذلك كله يقول جل جلاله: ((وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *)).سورة الأعراف آية رقم : (203) .
فتراهم يقولون برجم الزناة المحصنين، وبقتل تاركي الصلاة عمدا، وبعذاب القبر، وغير ذلك من السنن المفتراة، تماما كما فعل اليهود حين اهتموا بالتلمود (كتاب الأحاديث عندهم) على حساب التوراة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وما كان الله ليضع شيء يجب الإيمان به في يد الرواة والمفسرين ولا يوضحها إلا على أيديهم، ولي أن أتساءل ما حال المسلمين بقارة آسيا وهم أضعاف عدد العرب، كيف سيكون إيمانهم وليس لديهم تفاسير مفسرينا وكتابات الرواة؟، فليس عندهم إلا القرءان، بينما نحن ننادي باستكمال القرءان بالسُّنة، بما يعني احتياج الأصل للفرع، واحتياج الكل للجزء، واحتياج المحفوظ بحفظ الله لغيره ممن هو دونه، بل هناك من تطاول وقال بأن القرءان يحتاج للسُّنة أكثر من احتياج السُّنة للقرءان، وما أرى ذلك إلا من ضلال تلك المذاهب.
كما أن أعلام الخرافات حين ترفرف على عقول المسلمين لا ترفرف عليها إلا من خلال موروثات أضرت بالمسلمين أكثر مما نفعتهم، فبتلك الموروثات تقاتل المسلمون وحتى يومنا هذا، فلم يترك رسول الله مسلما سنيا وآخر شيعيا، إنما هي أسماء نتشيع لها لنفترق ونتباغض ونتخاصم بعد موت رسول الله:
((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ *)).سورة آل عمران آية رقم : (144) .
وأقصوصة عذاب القبر لن يرضى بنفيها من حصلوا على شهادات جامعية عليا من خلالها، وإلا لكانت شهاداتهم باطلة، فهم يدافعون عن كيانات دنيوية ودونية تنتهي بإفساد عقائد المسلمين.
وقد ورد بالحديث [ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ]، فإن معنى ذلك أن يحتاط المسلم لنفسه، خاصة في شأن العقيدة، فطالما لم يرد نص صريح بالقرءان ـ نص بلا تأويل لمتأول ـ فإن من الحكمة ألا أعتقد فيه، فلن يحاسبني الله بمقتضى البخاري ومسلم، كما أن اختلافهم (البخاري عن مسلم عن غيرهما) وما سكت عنه أحدهم وأورده الآخر، لا شأن لأحد به فيما يخص العقائد والإيمانيات، إنما سيحاسبنا جميعا على الإخلاص بمقتضى صريح نصوص القرءان، وليس بما يغوص له البعض ليستخرجوه ويقولون بأنه عقيدة، أو بأنه حرام، فما وضع الله ذلك بيد بشر، حتى إن كانوا أنبياء، وليس في ذلك تسفيه للسُّنة كما يحلو للبعض أن يُزايد، لكن الأمر أمر تأصيل فقهي لأمور العقائد والإيمانيات، وترتيب للأولويات؛ فمن الأدب تقديم القرءان على السُّنة، ومن الأدب والإيمان ألا نتوهم النقص في كتاب الله.
وعودة إلى أمر الحلقة التليفزيونية بقناة المحور عن إنكاري لعذاب القبر، فلقد تصدى بعدها جهابذة السُّنة للأمر يدافعون، وما كان يهمهم إلا الدفاع عن صروحهم التي شيدوها عن قيمة ومدى الاستدلال بالسُّنة القولية، أما موضوعية الأمر فقد كانوا أبعد الناس عنه، بل تركوا كافة الآيات القرءانية التي استدللت بها في عدم وجود عذاب أو نعيم بالقبر، ولم يردوا عليها، ودعني أسرد لك ما قاله أحد هؤلاء الجهابذة بقناة الرحمة يوم الأربعاء الموافق 11/11/2009، لتدرك كيف أشرك هؤلاء رسول الله بالله في الحكم، أو على الأقل كيف يدلسون على الناس ويظهرون أشياء ويخفون أخرى.
فقد قال وهو يحاول التعريض بإسلامي ما يلي:[ يقول الإمام الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول: إن ثبوت حجية السُّنة واستقلالها بتشريعات الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام ].انتهى.
أرأيت تعبير [ استقلال السُّنة بتشريعات الأحكام ]، فإن كان يقصد السُّنة العملية فنحن معه، ويكون في هذه الحالة يضرب الكلام بعضه ببعض وليفهم من شاء ما شاء، وإن كان يقصد السُّنة القولية فقد أسند لرسول الله مهمة لم يُرسل بها، فما كان رسول الله مُشرعا، إنما كان مبلغا ومبينا وبشيرا ونذيرا:
((مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ *)).سورة المائدة آية رقم : (99) .
وقال تعالى: (( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *)).سورة النحل آية رقم : (44) .
فكيف بعد تلك الآيات نقول بأن السُّنة القولية تستقل بالأحكام الإيمانية؟، أي تكون ناشئة لحكم يخضع له الناس في إيمانهم؟!.
هذا فضلا عن أن عذاب القبر ليس حكما تشريعيا حتى يقول ذلك الشيخ الشهير مقالة الإمام الشوكاني، ويضعها بغير موضعها، فعذاب القبر قضية إيمانية وليست حكما بفريضة ولا سُنة، فالحاكم له أن يُشرِّع من الأحكام ما يفي بمصلحة العباد، فكيف ننكر ذلك على أقوال الرسول – عليه الصلاة والسلام - ؟، لكن للإيمانيات شأن آخر عجز الشيخ عن إدراكه.
كما عجز الشيخ الشهير عن إدراك الفرق بين النظر والرؤية والبصر، فلم يفرق بينهم، وكم أشفقت عليه وعلى عقله وقد عجز عن إدراك تناقض مقاله، وعجز عن كشف إشراكه الذي أوقعه به إبليس، فقد قال نقلا عن شيخه بن القيم في معرض ذكره أنواع السُّنة النبوية، بأن [ هناك سُنة موجبة لما سكت القرءان عن إيجابه، أو محرمة لما سكت القرءان عن تحريمه ] ...ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن لا يصدق فعليه بتسجيل برنامج (جبريل يسأل والنبي يجيب) بقناة الرحمة، فليرجع إليه ليدرك حجم الإشراك لمن يزعم الوحدانية والحكم لله، وتكلم الشهير فقدَّم العلم على العقل، ولم يدرك أن العلم نتاج العقل، فما يمكن لمجنون أن يكون عالما، لكن العكس صحيح، وبرهن على مقاله في ذلك بأن لله اسم (العليم)، ولا يوجد لله اسم يسمى (العاقل)، وهو مما يجعل الإنسان يشفق على مثل تلك العقول النقلية التي لا تتحرك عن أقوال وجهد الأجداد من السلف، بل تراه فقد الهداية وهو يفرح بالعلم.
وتكلم عن أن النقل ضرورة لإدراك الفقه، لكن لا يمكن الاكتفاء بالعقل لإدراك الأمور، وأوافقه لكن مع التعديل، لأن القرءان منقول لنا ومع ذلك أمرنا ربنا أن نتفكر ونعمل عقولنا فيه، وطالما أعملنا العقول في القرءان فلماذا لا نُعمل العقول بالسُّنة النبوية القولية التي لم يتعهد الله بحفظها، والتي اختلف رواتها؟، فهذا ثبت عنده الحديث لكنه لم يثبت عند الآخر، وهذا حديث حسن، وآخر حسن صحيح، وثالث صحيح، ورابع ضعيف، وخامس مرسل، ومعلول إلى ستين نوعا، فكيف يكون المختلف فيه من الإيمانيات؟، وكيف نتعبد الله بحسن وصحيح وضعيف أيكون ذلك من الإيمانيات الواجبة!؟.
وهم لا يقولون لك أبدًا أن البخاري ومسلم حين ذكرا حديث: [ تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله ]، لم يذكرا أبدًا كلمة (وسنتي) التي يحلو لدعاتنا القول بها نقلا عما انفرد به مالك، إني أراهم وهم يُفسدون عقول الناس ويمنعون أدمغتهم أن تنطلق من وصايتهم وعقالهم اللعين، وأراهم يعزفون لكم لحنا في الدين ولا يريدون لكم أن تسمعوا غيره.
ورأيته وهو يقول كلمة الحياة البرزخية، إن هؤلاء الأشياخ عبثوا بمعاني كلمات القرءان خارج الأُطر والموضوعية القرءانية، لأنهم يؤصِّلُون في الناس كلمة حياة البرزخ، بينما لا يوجد شيء اسمه البرزخ يحيا الناس فيه، فالبرزخ هو الحائل والفاصل، وليس مكانا نذهب إليه ونعيش فيه بهذا الاسم، لقوله تعالى:
(( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *)).سورة المؤمنون آية رقم : (100) .
ويقول تعالى:
((بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ *)).سورة الرحمن آية رقم : (20) .
ولن يسعفني الوقت ولا الصفحات لأتتبع هذا الشيخ وأمثاله في تُرَّهاتِهم للرد عليها، لكن عزائي أن تلامذته ـ وقد سمعوه ـ سيقرءون كتابي هذا، ويوما ما سيفيقون من إغماءة المخدر الذي وضعه فقهاء جهل الناس في الناس، فما كان لهؤلاء أن يكونوا فقهاء إلا بجهل كثير من الناس وتوقف عقولهم عن العمل، فهم فقهاء بالصدفة، ويزعمون بأننا نعادي النقل، بينما نحن نذم من توقف عن تطهير المنقول البشري الذي يمكن تطهيره، وننادي أن يتم التطهير بالعقل وآليات اليوم.
والذين ينادون بكل فقه السلف، ويؤثمون كل من حاول نقد فقه الأسلاف، هم في الحقيقة ليسوا بفقهاء، فالفقيه هو من يستنبط الأحكام، ويُعمل العقل، أما هؤلاء فهم مجرد نَقَلَة لتراث بكل ما فيه، ومهما كان ما فيه، ولا يهمهم وهم في ذلك الهدير إلا أن يكونوا على فقه السلف، وكأن السلف هم أهل العصمة بينما نحن نُمَثِّل الخطيئة في نظر وعقول هؤلاء الناقلين بلا تعقل.
بحث فقهي:مع سرد وتخريج للأحاديث المزعومة عن القبر وعذابه
بالبداية أود أن يعلم القارئ أن هذا الجزء من الدراسة لمن تعوَّد المُدارسة الفقهية، فالعوام والذين لا همَّ لهم إلا الطعن في جهد الآخرين بلا علم إلا من قلوب طيبة يملكونها، قد يجدون صعوبة في تتبع وتذوق وإدراك قيمة المعاني العلمية الواردة بذلك الجزء، لكن حسب الجميع أن يتبع أحسن القول كما أمر الله جل في علاه.
ولقد اعتدنا على تناقض الروايات المنسوبة لرسول الله – عليه الصلاة والسلام - ، واعتدنا على اختلافات أئمة الحديث والفقه، ورجمهم من يقول بتناقض بعض الأحاديث مع القرءان بعدم الدراية وبالقصور العلمي، لذلك أنقل للقارئ الكريم بعضا من فقههم بخصوص الأحاديث الواردة بعذاب القبر، ثم تخريجًا لبعض الأحاديث الواردة بالصحيحين (البخاري ومسلم)، من خلال علم الجرح والتعديل الذي ينتهجه أئمة علم الحديث، ليقف القارئ على حقيقة وأصل ما يعتنقه من فكر.
لكن أوضح بالبداية أن الحديث النبوي مهما صحت درجته، ومهما تم تدوينه بكتب الصحاح، فلا يؤخذ به ولا يعتمد عليه لاستخراج أحكام الإيمان والعقائد، وقد أوضحنا ذلك بالفصل الأول من تلك الدراسة، كما أن فقهاء الحديث اعتمدوا لصحة الحديث أن يكون سنده صحيحا، فهم بذلك يحكمون على صحة المتن، وهو الأمر المخالف للسوية الفكرية، إذ ان صحة المقولة هي التي تُبين صدق القائل وليست شهرة الراوي بالصدق هي التي تجعلنا نحكم صدق كل مقولة تصدر عنه، لكن اعتماد الأمة عكس ذلك النهج دهورا أفقد الكثير من مناهجنا الرشاد.
ولابد أن نعلم أن التصور القرءاني هو أصدق تصور لما يحدث بالحياة وما يحدث بالممات وبعده، وليثق كل منا ويعيد إيمانه بالآية الكريمة التي قال تعالى فيها:
((وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *)).سورة الأنعام آية رقم : (38) .
والآية الكريمة:
((وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا *)).سورة النبأ آية رقم : (29) .
وليس هناك كتاب بعد كتاب الله يمكن الاعتماد عليه في شأن العقائد، والله عز وجل لم يجعل الإيمانيات مُجَهَّلَة يستنبطها من يستنبطها ويجهلها من يجهلها، ولم يتركها لرسوله ليبينها في علم الحديث الذي نهى – عليه الصلاة والسلام - الصحابة عن كتابته، وهو النبي الصادق القائل:[من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا]، وهو القائل: [من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار]، وقد قال الله تعالى للصحابة وللناس جميعا:
((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ*)).سورة آل عمران آية رقم : (144) .
وفيما يلي نبدأ التأصيل والتخريج للأحاديث النبوية التي دونت بعد وفاته – عليه الصلاة والسلام - بمائة وخمسين سنة لكن بعد شرح لأمر معضل.
الـتدليـس
لست أدري كيف استساغ فقهاء علم الحديث واعتمدوا روايات المدلسين، بل ووضعوا رواياتهم ضمن الصحاح ويقولون عن أحدهم أصح كتاب بعد كتاب الله، فهل يكون التدليس ورواياته أصح الكلام؟!.
والتدليس في اللغة مصدر الفعل (دلس)، ويقال دلس البائع أي كتم عيب سلعته، وأصله مأخوذ من الخديعة، أو الظلمة التي لا يهتدي من فيها إلى الصواب.
ومعنى التدليس في علم الحديث [هو إخفاء عيب في الإسناد لتحسين ظاهره]، والمدلِّس هو الراوي الذي يفعل ذلك، والمدلََّس هو الحديث الذي فيه تدليس، ومن كثرة المدلسين في الرجال الذين تم نقل الحديث النبوي عنهم فقد قسمه فقهاء الحديث إلى أنواع لتحسين صورة البعض، ويكفيك أن تعلم أن ابن حجر قد صنف البخاري بالمدلس، لأنه نقل الحديث عن مجاهيل فقال في صحيحه (عن فلان) ولم يذكر اسم فلان هذا، ومع ذلك وللعجب أن يقوم الفقهاء بتحفيظنا أنه أصح كتاب بعد كتاب الله.
وقد قال بعض فقهاء الحديث إن التدليس هو الكذب، وقد قسم الفقهاء التدليس إلى أنواع كثيرة يجمعها قسمان رئيسيان هما:
تدليس الإسناد: تدليس الشيوخ:
وقد استقبحه علماء الحديث، وأنكروه بشدة على المدلسين، وأشد قبحا عندهم تدليس التسوية، وهو فرع من تدليس الإسناد، وتجد أحاديث عذاب القبر وقد عجَّت بالمدلسين.
ولمزيد من المعلومات عن التدليس والمدلسين يمكن الرجوع إلى كتب الخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هـ، وإلى كتاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ في كتابه تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وكتاب عبد الرحمن بن أبي بكر الشهير بالسيوطي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، وكتاب مقدمة ابن الصلاح لمؤلفه ابن الصلاح (أبو عمرو عثمان) تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن طبعة دار المعارف عام 1411هـ.
حكم رواية المُدلِّس :
اختلف العلماء حول رواية المدلس ( تدليس الإسناد ) على ثلاثة أقوال :
القول الأول : رد خبر المدلس مطلقاً، سواءٌ صرح بالسماع أو لم يصرح، أو دلس عن الثقات أو عن الضعفاء، وهو قول بعض أصحاب الحديث وفريق من الفقهاء، وهو ما أتبناه في كتابي هذا .
القول الثاني: قبول خبره مطلقًا، صرح بالسماع أو لم يصرح، وقال به جمهور من قبلَ رواية المراسيل في الحديث .
القول الثالث: التفصيل: تُقبل إذا صرح بالسماع أو ما يقوم مقامه، وإلا فترد روايته، وقال بذلك الشافعي والخطيب البغدادي وابن الصلاح وأبو الحسن ابن القطان والنووي وابن حجر ومن جاء بعده، وهو الذي عليه العمل في عصرنا.
وإليك فيما يلي باقة من الروايات المنسوبة زورًا لسيد الثقلين – عليه الصلاة والسلام - والتي دخلت على الأمة فاعتنقت فقه القبور في أفكارها، وتركت كتاب ربها لأجل تلك الروايات، وقامت بتأويل نصوص بعض الآيات لتتناغم مع روايات العذاب، وليتخيل القارئ أنه تم حصر الأحاديث عن فقه القبور والمنسوبة زورا للنبي فوجدت كما يلي:ـ
عدد أحاديث عذاب القبر في الكُتُب التسعة:
أولا - روايات عذاب القبر في مصنف البخاري وعددها (32) رواية :
ثانيا - روايات عذاب القبر في مُصنف مسلم وعددها (33) رواية :
ثالثا - روايات عذاب القبر في مصنف الترمذي وعددها (18) رواية :
رابعا - روايات عذاب القبر في مصنف النسائي وعددها (67) رواية :
خامسا – روايات عذاب القبر بمُصنف أبي داود وعددها (15)رواية :
سادسا - روايات عذاب القبر في مُصنف ابن ماجة (14) رواية :
سابعا - روايات عذاب القبر في مُصنف أحمد بن حنبل (114) رواية :
ثامنا - روايات عذاب القبر في مُصنف مالك وعددها (4) روايات فقط
تاسعا - روايات عذاب القبر في مصنف الدارمي وعددها (4) روايات:
أهم النتائج التي خلص إليها علماء الحديث
أولاً : التدليس طعنٌ في المروي لا في الراوي .
ثانياً : أحاديث المدلسين في صحيح البخاري غير طاعنة في شرط الصحة ، وذلك لأن احتمال الانقطاع قد زال ، إما بإثبات التصريح بالسماع للمدلس المعنعن الذي لا تُقبل روايته إلا بذلك ، أو ما يقوم مقام التصريح بالسماع من اعتبارات قبول عنعنة المدلس .
ثالثاً : روايات المدلسين في صحيح البخاري تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أحاديث المدلسين الذين لا تضر عنعنتهم مطلقاً ، وهي كالتالي :
المرتبة الأولى : عدد الرواة : 18 راويا، عدد الـروايات : 1860 رواية .
المرتبة الثانية : عدد الرواة : 21 راويا، عدد الروايات : 3006 روايات
القسم الثاني : أحاديث المدلسين الذين لا تُقبل أحاديثهم المعنعنة إلا إذا جاء مصرحاً بها بالسماع أو باعتبارات تقوم مـقام التصريح بالسماع، وهي كالتالي :
المرتبة الثالثة : عدد الرواة : 23 راويا، عدد الأحاديث المصرح فيها بالسماع : 547 حديثا، عدد الأحاديث المعنعن فيها : 796 حديثا، نسبة الأحاديث المعنعنة : 59.27 % ، مجموع الأحاديث : 1343 حديثا .
المرتبة الرابعة : عدد الرواة : 6 رواة، عدد الأحاديث المصرح فيها بالسماع 37 حديث، عدد الأحاديث المعنعن فيها : 26 حديثا، نسبة الأحاديث المعنعنة : 41.26 % ، مجموع الأحاديث :63 رواية .
رابعاً : نسبة أصحاب المرتبتين الأولى والثانية الذين لا تضر عنعنتهم مطلقاً ( 57.3 % ) من عدد المدلسين في صحيح البخاري .
خامساً : مجموع المدلسين في صحيح البخاري من كل المراتب ( 68) مدلساً، علماً بأن عدد المدلسين الذين ذكرهم الحافظ بن حجر (152) مدلساً ، أي ما نسبته ( 44.7 . ( %
وسوف أسرد لك بعضا من تلك الرِّوايات التي اشتهرت على ألسنة الدعاة والعامة على السواء، لتعلم من أي مغترف يغترف دعاتنا علومهم، وكيف يتم إضلال الأمة باسم (حديث صحيح)، ومرفق بكل حديث رواته ودرجته من الضعف أو الوضع، وذلك مما يلي:ـ
1ـ أبدأ بما بدأ به شيخ محدثي العصر الحديث، الشيخ/محمد ناصر الألباني ـ يرحمه الله ـ في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد دونت الأحاديث بأرقامها وكلماتها بالكتاب، وذلك فيما يلي:ـ
563 - ( موضوع )
[ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين، فإن الميت يتأذى بجار السوء كما يتأذى الحي بجار السوء].
966 - ( منكر )
[من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة ] ( منكر بهذا اللفظ) وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ [ لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر] رواه مسلم وأصحاب السنن إلا الترمذي والطحاوي وغيرهما.
1021 - ( باطل )
[ من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ].
1147 - ( منكر )
[ إذا مررت عليهم ( يعني أهل القبور ) فقل : السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. فقال أبو رزين: يا رسول الله أو يسمعون؟، قال: ويسمعون ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا أو لا ترضى يا أبا رزين أن يرد عليك ( بعددهم من ) الملائكة؟].
1166 - ( ضعيف ) [من مات فقد قامت قيامته ] . ( ضعيف ).
1782 - ( موضوع )
[اتقوا البول، فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر].
4990 - ( موضوع )
[ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت طلق ذلق : يا بن آدم كيف نسيتني ؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه ؟ القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار].
4085 - ( ضعيف )
[ كبروا على موتاكم بالليل والنهار أربع تكبيرات ]
- " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ".
أخرجه الشيخان وأحمد من حديث ابن عمر، والرواية الأخرى لمسلم وأحمد ورواه ابن حبان في صحيحه (742) من حديث عمران بن حصين نحو الرواية الأولى.
7 - " من ينح عليه يعذب بما نيح عليه (يوم القيامة) "
(1) في هذا الحديث بيان أن البكاء المذكور في الحديث الذي قبله، ليس المراد به مطلق البكاء، بل بكاء خاصا وهو النياحة، وقد أشار إلى هذا حديث عرم المتقدم في الرواية الثانية، وهو قوله: " ببعض بكاء...".
ثم إن ظاهر هذا الحديث واللذين قبله مشكل، لأنه يتعارض مع بعض أصول الشريعة وقواعدها المقررة في مثل قوله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى"، وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على ثمانية أقوال، وأقربها إلى الصواب....(راجع الاختلافات بالمرجع المذكور، ثم انظر هل تكون الاختلافات في العقائد لدرجة ثمانية أقوال، وهل تصح بذلك عقيدة؟!!!).
2ـ ثم أتناول بالكتابة فيما يلي سرد ما نشرته مجلة التوحيد الناطقة باسم جماعة أنصار السُّنة المحمدية، بالعدد الصادر في شهر شوال لعام 1430 هجرية، سبتمبر 2009م العدد رقم: (454) صـ (53- 56) وذلك فيما يلي:ـ
رواية نداء القبر يوميًا على ابن آدم :
نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثة للقارئ الكريم لبيان حقيقة هذه القصة التي اشتهرت على ألسنة القصاص والوعاظ، ومما زادها شهرة التحدث بها عند تشييع الجنائز، وإلى القارئ الكريم تخريج وتحقيق هذه القصة (قصة نداء القبر يوميًا على ابن آدم).
أولاً: متن القصة
رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال [خرجنا مع رسول الله في جنازة فجلس إلى قبر منها، فقال ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت طَلِقٍ ذَلِقٍ يا ابن آدم كيف نسيتني، ألم تعلم أني بيت الوَحْدَة، وبيت الغربة، وبيت الوحشة، وبيت الدود، وبيت الضيق إلا من وسَّعني الله عليه] ثم قال النبي: [ القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ] اهـ.
ثانيًا: التخريج
أخرجه الطبراني في الأوسط ح قال حدثنا مسعود بن محمد الرملي قال حدثنا محمد بن أيوب بن سُوَيْد قال حدثنا أبي قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال وذكر القصة.
ثالثًا: التحقيق
هذه القصة واهية، والخبر الذي جاءت به موضوع ومن الغرائب النسبية حيث قال الإمام الطبراني في «المعجم الأوسط» «لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا أيوب بن سويد تفرد به ابنه» اهـ.
قُلْتُ نستنتج من قول الإمام الطبراني أن في الخبر غرابتين نسبيتين
الأولى الخبر غريب عن الأوزاعي لم يروه عنه إلا أيوب بن سويد
الثانية وهذا الخبر أيضًا غريب عن أيوب بن سويد تفرد به عنه ابنه محمد. وهذه الغرابة المزدوجة هي أساس الوضع في هذه القصة، حيث بيَّن ذلك الإمام ابن حبان في كتابه «المجروحين» فقال «محمد بن أيوب بن سويد الرملي يروي عن أبيه عن الأوزاعي الأشياء الموضوعة لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه» اهـ.
قلت والموضوع اصطلاحًا هو الكذب المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله ، ورتبته «هو شر الأحاديث الضعيفة وأقبحها لذلك نجد أن هذا الخبر مسلسل بالعلل.
العلة الأولى: محمد بن أيوب بن سويد الرملي فقد أورده الإمام الذهبي في «الميزان» وقال محمد بن أيوب بن سويد الرملي عن أبيه وغيره ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان لا تحل الرواية عنه قال أبو زرعة رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة، وأورده الإمام الدارقطني في كتابه «الضعفاء والمتروكين» ت وقال محمد بن أيوب بن سويد الرملي ضعيف، وأورده الحافظ بن حجر في «لسان الميزان» قال: «محمد بن أيوب بن سويد الرملي عن أبيه وغيره ضعفه الدارقطني وقال ابن حبان لا تحل الرواية عنه قال أبو زرعة رأيته أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة»
قلت وبهذا يكون الحافظ بن حجر قد أقر قول الإمام الذهبي في محمد بن أيوب بن سويد الرملي، ثم زاد الحافظ بن حجر عليه بأن نقل قول الإمامين الحاكم وأبي نعيم في محمد بن أيوب بن سويد «قال الحاكم وأبو نعيم روى عن أبيه أحاديث موضوعة» .
العلة الثانية: أيوب بن سويد أبو مسعود الرملي
قال الإمام العقيلي في «الضعفاء الكبير» أيوب بن سويد أبو مسعود الرملي حدثنا عبد الله بن محمد المروزي قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن بشير المروزي قال حدثنا سفيان بن عبد الملك قال سمعت ابن المبارك يقول أيوب بن سويد اِرْمِ بِهِ.
قال الإمام البخاري في «التاريخ الكبير» ت أيوب بن سويد ليس بثقة
وأقر هذه الأقوال الإمام الذهبي في «الميزان» وقال «أيوب بن سويد الرملي أبو مسعود ضعفه أحمد وغيره، وقال النسائي ليس بثقة، وقال ابن معين ليس بشيء، وقال ابن المبارك ارم به، وقال البخاري يتكلمون فيه» اهـ.
العلة الثالثة: تدليس يحيى بن أبي كثير
قال الحافظ بن حجر في «التقريب» يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليماني يدلس ويرسل اهـ.
وأورده الحافظ بن حجر أيضًا في «طبقات المدلسين» المرتبة الثانية رقم وقال يحيى بن أبي كثير اليماني من صغار التابعين حافظ مشهور كثير الإرسال ويقال لم يصح له سماع من صحابي ووصفه النسائي بالتدليس اهـ.
وأورده الإمام السيوطي في «أسماء المدلسين» رقم وقال «يحيى بن أبي كثير مشهور بالتدليس ذكره النسائي» اهـ.
قُلْتُ وبالرجوع إلى السند نجد أن يحيى بن أبي كثير عنعن ولم يصرح بالسماع، ولقد بين الحافظ بن حجر في شرح النخبة النوع حكم التدليس فقال «حكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلاً أن لا يُقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح» اهـ.
بهذا التحقيق يتبين أن قصة «نداء القبر يوميًا على ابن آدم» قصة واهية وخبرها تالف مسلسل بالعلل من الوضاعين والمتروكين والمدلسين.
رابعًا: طريق آخر تالف لذات القصة هناك طريق آخر تالف جاءت به أكثر جمل هذه القصة الواهية رُوي عن أبي سعيد عن رسول الله قال [لم يأت على القبر يومٌ إلا تك...:وإلى اللقاء مع ا
أوهام عذاب القبر. الجزء الثاني:
تأليف: المستشار والمحكم الدولي أحمد عبده ماهرالمحامي.
تقديم :الأستاذ الدكتور/أحمد عبد الرحيم السايح
أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر وقطر وأم القرى.
ويجعله أضعافا مضاعفة لمن يشاء.
ألا يسأل فقهاء العذاب أنفسهم، لماذا أورد الله سؤال (كم لبثتم) لأهل الكهف، وسأل سيدنا حزقيال (كم لبثت)، فكان الجواب في الحالتين (يوما أو بعض يوم)، أي تساوت المائة سنة التي قضاها النبي في الموت، مع الثلاثمائة سنة التي قضاها أهل الكهف نيام، بما يدل على فقدان الشعور بالموت وبالنوم.
وفي ذلك يقول تعالى:
((أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *)) . سورة البقرة آية رقم : (259) .
فما كان ليتبين ما حدث له إلا بعد بيان الله له، وما شعر بمرور مائة عام عليه وهو ميت.
وسيدنا حزقيال هذا آية للناس لقوله تعالى:
(وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ)، فهو آية لنا لنعتبر، ولقد بحثت سورة البقرة في الآيات (258و259و260) عن البعث وإعادة الأحياء من الموت، وبدأت بقوله تعالى (ألم تر) فهو يسألنا جميعا أن نؤمن بما رآه سيدنا حزقيال من المتباينات الثلاثة (نفسه و الحمار و الطعام)، فقد وجد نفسه وقد مرت عليه مائة سنة وهو ميت كأنها يوم أو بعض يوم، كما أنه لم تتغير ملامحه، ولم يتم الإنعام عليه في قبره، ولم يتم تعذيبه أيضا، ولم يذكر القرءان شيئا عن القبر الذي هو بين الحياة والبعث.
وانظر إلى قول الله وهو ينتقل بك من سكرات الموت إلى البعث مباشرة:
((وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ*)) . سورة [ ق ] آية رقم : (19-20) .
وعلى ذلك فإن من يموت ينقطع الزمن عنده، فهو من سكرة الموت إلى يوم القيامة مباشرة، وبمجرد أن يموت تقوم عليه القيامة الكبرى، فيبعثه الله مع باقي الخلائق للحساب، أعاذنا الله من حسابه، وتجاوز عن زلاتنا...آمين.
والدليل على أن الموتى لا يعلمون شيئا مما يحدث على الأرض ولا يسمعون ما نقول ولا يشعرون بالوقت، يبرز في مثالين، الأول قول عيسى – عليه الصلاة والسلام- لربه جل جلاله:
(( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *)) . سورة المائدة آية رقم : (117) .
ومن القرءان والسُّنة النبوية ما يدل على أن النبي لا يعلم ما يفعله الناس بعده، وذلك لوجود البرزخ الحائل بين دار الدنيا والدار الآخرة، فبالقرءان قوله تعالى:
(( قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ *)). سورة ألأحقاف آية رقم : (9) .
وبالسُّنة النبوية، حيث روى الإمام أحمد بمُسْنَدِه، عن فاطمة الزهراء: - سمعته – عليه الصلاة والسلام- يقول:
{ أيها الناس بينما أنا على الحوض جيء بكم زُمرا، فتفرقت بكم الطرق، فناديتكم ألا هلموا إلى الطريق، فناداني مناد من بعدي، فقال: إنهم قد بدلوا بعدك فقلت: ألا سحقا ألا سحقا }،
ألا تدل تلك الرواية على عدم معرفته – عليه الصلاة والسلام - الأحداث بعد موته؟!.
وبعد أن ذكرت لكم بالآية والحديث ما يدل على عدم معرفة النبي بما يحدث بعده، وعدم معرفته الغيب، إلا في حدود ما أطلعه الله عليه بالقرءان، نجد أصحاب البدع المزورة يقولون بأن النبي يعلم شكل عذاب أهل القبور، ويعلم بالجرائم التي ارتكبوها، وذلك من قولهم بالحديث: [ إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى إنه لكبير، فأما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة ]، ثم وضع على قبرهما عودا أخضر بعد أن شقه نصفين، ونسبوا إليه القول إنه يخفف عنهما ما لم ييبسا، رغم أن رواة الأحاديث زعموا عنه القول: [ إن الموتى يعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم ]، وأن ذلك العذاب لا يسمعه الإنس والجان [ راجع فساد تلك الروايات بآخر الكتاب ].
أَفَهُمْ يسُبُّون النبي – عليه الصلاة والسلام - بتلك الأحاديث أم أنهم لا يفهمون ما يقصونه على الناس، أم سيقولون بالخصوصية للنبي حتى يبرروا فقههم الذي لا سند سماوي له؟، بينما ينافسون به كتاب الله.
وعلى ذلك فتعبير (حياة البرزخ) تعبير خاطئ، لأنه لا حياة بالبرزخ، إنما هو فاصل بين الحياة ومستودع الموتى الذي يسميه العامة بالبرزخ، وهو لا زَمَنَ فيه، وتقوم القيامة العامة على كل من فيه دفعة واحدة بمجرد موتك أنت، وقد تكون من الأحياء (ﯧ).
حادي عشر: النـَّفْس والإدراك:
وليعلم المسلم أن وجود النَّفْس هو سبب سماعنا الأصوات ورؤيتنا للأشياء وإدراك المحسوسات، فالنَّفْس هي مُحرِّك الحياة بالكيان البشري، وبغيرها لا نسمع ولا نرى ولا نفقه ولا نحس، لذلك فإن من سمات يوم القيامة أن تُزَوَّج النفوس بالأجساد، وذلك من قوله تعالى:
(( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ*)). سورة التكوير آية رقم : (7) .
فالبعث يعني إعادة النفوس للهيكل البشري لتعي، لذلك فإن الله تعالى يقول:
((قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ*)). سورة الملك آية رقم : (23) .
وهم يتصورون أن الميت يتأذى بجاره المدفون معه بذات القبر إذا ما كان ذلك الأخير من العصاة، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: (( رَّبَّنَا إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ*)) . سورة آل عمران آية رقم : (193) .
فهم يتصورون قوله تعالى: (وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ*) تعني وادفنا مع الأبرار، بما يعني تأذي الميت بجار السوء، وسعادته بجار الهناء، وهو الأمر المخالف لمرمى الآية، وبما يعني الزعم بإدراك المقبورين من الموتى.
وتفنيد ذلك بأن الآية دعاء من الذين آمنوا أن يغفر لهم ويحشرهم يوم القيامة مع الأبرار، فذلكم هو معنى (وتوفنا)، وليس أيضا معناه (أمتنا)، فقول عيسى:
(( مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ *)). سورة المائدة آية رقم : (117)
فلما جعلت بيني وبينهم حاجز الموت، وفي ذلك يقول فضيلة الشيخ/محمد متولي الشعراوي في خواطره: [أي اختم لنا سبحانك هذا الختام مع الأبرار].
وترمي أيضا كلمة (وتوفنا) لمعنى المحاسبة، أي وحاسبنا حساب الأبرار الذين تتجاوز عن سيئاتهم وتجزيهم بأحسن ما عملوا، وذلك لقوله سبحانه وتعالى:
(( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ*)) . سورة النور آية رقم : (39) .
لكنها ليست ذات علاقة بالقبر ولا الإدراك فيه أبدا، بما يدل على فساد ما يرمي إليه التأويل الآخر وأهدابه واستنتاجاته، فلا إدراك بالقبر.
ثاني عشر: العذاب وأنواعه وطبيعته:
والله يذيق أهل السعير العذاب بالإحساس الفعلي المادي، لذلك فهو بعد أن يُزَوِّج أجسادهم مع نفوسهم ويدخلهم النار، فإنه كلما نضجت جلودهم بدلها بجلود جديدة، ليذوقوا الإحساس بحرارة جهنم، بما يعني ضرورة توافر الموصلات العصبية بين الجلد والمخ لإدراك العذاب، وفي ذلك يقول تعالى:
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا*)). سورة النساء آية رقم : (56) .
فمن غير هذا التبديل لن يكون هناك إحساس، وهو أمر غير متوفر للموتى في قبورهم.
ودليل آخر على أن العذاب يكون ماديا، وهو قوله تعالى: ((هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ*يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ*وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ*كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ)). سورة الحج آية رقم : (19-22) .
نعم إن هناك عذابين، أحدهما في الحياة الدنيا، وهو عذاب الخزي، والثاني ـ وهو الأشق ـ بالآخرة، لكن ليس من بينهما عذاب القبر المزعوم، وذلك من قوله تعالى:
(( لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ*)). سورة الرعد آية رقم : (34) .
ويقول تعالى عن عذاب الدنيا:
((فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ*)) . سورة فصلت آية رقم : (16) .
فالعذاب ماديا، ويصاحبه خزي ويكون حال الحياة؛ لقوله تعالى: ((... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ*)) . سورة البقرة آية رقم : (85) .
فالعذاب الدنيوي يقع على الأحياء، ومن بينه الخزي للكافرين، والمعيشة الضنك لمن أعرض عن ذكر الله.
أما من يتصورون عذاب القبر معنويا فقط فهم في أوهام من السطحية، لأن العذاب المعنوي يحتاج أيضا إلى إدراك، فكيف بالجسد وقد انسلخت منه النفس، وأصبح جثة بلا حراك، فإنك إن غمسته بالماء فلن يشعر بغمر الماء، وإن ضُغِطَ عليه بالقبر فلن يشعر، وإن تركته في غرفة فسيحة فلن يسعد، فكيف بهم يقولون بأن الجسد يُدرك العذاب المعنوي المزعوم؟.
بل هم يناقضون أنفسهم في معنوية العذاب، إذ ان تفصيلات المرزبات والثعبان الشجاع الأقرع وفتح الطاقات إلى النار ليأتيه من سمومها وحياتها وعقاربها بالقبر، كل ذلك عذاب مادي تم تفنيده، فضلا عن عدم وجود آليات الإدراك التي ستعود لتلك الجثث يوم القيامة، لتذوق العذاب، أو لتشعر بالنعيم.
وحيث إن العذاب الإلهي مادي سواء أكان عذابا بالدنيا أو بالآخرة، وحيث إن المادة (الجسد) معدومة بقانون الفناء المادي بالموت، فإن العذاب بالقبر غير موجود لعدم تزاوج الأنفس بالأجساد، فلن يتم الإحساس، وهذا الأمر (إحساس الموتى) هو الذي جعل الأزهريين يقفون حائلا أمام قانون تغيير الأعضاء، لذلك تجد الأحياء منا يبيعون أعضاءهم.
ثالث عشر: الكذب حتى بالقيامة:
إن السؤال ووزن الأعمال ومجادلة كل نفس عن نفسها، وقيام الشهود على العبد بواجباتهم، كل ذلك من آليات يوم القيامة، وتلك الآلية إن سبقناها بعذاب القبر الموهوم لكانت كل أعمال الآخرة تمثيلية هابطة معلومة نتائجها سلفا، بل كذب الناس يوم القيامة عسى أن يتخلصوا من عذاب الله ليؤكد في جلاء عدم وجود عذاب قبر، وسأسرد الأدلة القرءانية عن كل ما ذكرت فيما يلي:
1 ـ ((الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُاْ السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ*)). سورة النحل آية رقم : (28) .
2ـ ((وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ*ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ*انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ*)) . سورة الأنعام آية رقم : (22-24) .
3ـ ((الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ*)). سورة يس آية رقم : (65) .
4 ـ ((يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*)). سورة النور آية رقم : (24) .
رابع عشر: الميزان والوجوه البيضاء:
وزن الأعمال من بين أعمال الآخرة، حيث يقول تعالى:
((وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ*)). سورة الأنبياء آية رقم : (47) .
فما فائدة ذلك الميزان طالما تحدد مصير العبد بالقبر؟!.
وميزان يوم القيامة يكون بعد حصر أعمال كل إنسان وتدوينها بكتب يتسلمها أهل موقف البعث، إما بأيمانهم أو بشمائلهم أو من وراء ظهورهم، ويتميز ميزان القيامة بأنه ميزان قسط لا مجاملة فيه لأحد، وصنجه من لدن قواعد أسسها الرحمن، فالحسنة فيه بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، والسيئة فيه بمثقال واحد.
وبعد انتهاء كافة أعمال الحساب وبعد الميزان تبيض وجوه وتسود أخرى، وهو أمر يدل على بزوغ فجر حقائق كانت غائبة حتى عن أصحابها، وفي ذلك يقول تعالى:
(( يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ*)). سورة آل عمران آية رقم : (106-107) .
ويقول تعالى:
((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ*)). سورة آية رقم : (60) .
وعلى ذلك يتحدد فريق النعيم باللون الأبيض، وفريق الجحيم باللون الأسود، وذلك إيذان ببدء الدخول في مرحلة تنفيذ الجزاء الذي لا توجد مرحلة قبله، إلا الإفك والضلال المسمى عذاب القبر المزعوم.
خامس عشر: الصـراط المستقيم
الصراط جسر على جهنم يُطلب من الخلق عبوره، فأي فائدة للصراط المستقيم في الآخرة إذا كان الناس سيتعذبون عذابا ماديا في قبورهم قبل عبور ذلك الصراط، وأول العذاب المادي بزعمهم أن يضغط القبر على الجثة ضغطة تختلف فيها أضلاعه، وغير ذلك من صراخ.
فمما رواه البخاري في صحيحه باب { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } بالحديث رقم: (7000) عن أبي هريرة: [ أن الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال ......ويُضرب الصراط بين ظهري جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها......]، فسوف نضرب المثل فيما يلي:ـ
فيا ترى ما حال رجل كان يتعذب في قبره أربعين ألف سنة مثلا؟، كيف سيكون حاله وهو يعبر الصراط المستقيم وتحته جهنم لا شك أنه سيهوي من الرعب الذي عاين نماذج منه طوال تلك الأحقاب بالقبر، فما فائدة ذلك الصراط طالما دخول جهنم أمر محتم؟.
والناس جميعا ستعبر على ذلك الصراط المضروب على جهنم، ولن يستطيع أحدا أن ينقذ نفسه، إلا إن أنقذه الله من هول ذلك الصراط، وفي ذلك يقول تعالى:
(( وَإِن مِّنكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا*ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا*)). سورة مريم آية رقم : (71-72) .
فعلام كل هذه الإجراءات طالما تم العذاب قبلها، وسيتم بعدها؟، وذلك فائدة أن تقول بإخلاص وتضرع (اهدنا الصراط المستقيم) حتى يهديك الله ويُحبب إليك الإيمان ويُزَيّنه في قلبك في الدنيا فتستقيم سلوكياتك على منهاج الله، فيكون في ذلك نجاتك على الصراط يوم القيامة، فالصراط المستقيم ليس تمثيلية، إنما عذاب القبر هو التمثيلية الهابطة التي قام بتأليفها بشر الله أعلم بهم.
وبعد فقد ذكرت لك خمسة عشر بندا، وبكل بند أكثر من دليل على عدم وجود عذاب بالقبر، بل دللت بعدم وجود زمن بالقبر أصلا، وعدم معرفة الموتى ولا رؤيتهم لمقعد النار أو الجنة، فهل سنجحد مئات الأدلة التي لا تحتاج إلا قراءة واعية، لأجل ما ذمه الله فينا حين نقول: (هذا ما ألفينا عليه آباءنا)، لذلك فإن لي أن أُذكر أهلي والناس أجمعين بقوله تعالى:
((تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ*وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ*يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*)). سورة الجاثية آية رقم : (6-8) .
ولا يظنن غُـرٌ مفتون ببضاعته القديمة أن تلك الآيات السابقة نزلت في الكافرين، فإن تلك مصيبة أخرى أن نتصور بأن هناك آيات تحكم حياتنا وآيات تحكم حياتهم، وآيات تم تجميدها وتعطيل فعاليتها باسم الناسخ والمنسوخ داخل كتاب الله، وآيات لمناسبات خاصة، وآيات نسختها أحاديث مفتراة... وغير ذلك من علوم الإفك، وهكذا نحطم منهجية القرءان بعد أن عجز الشيطان عن تحريفه، فكل ذلك من بعض الفكر القديم الواجب علينا تصويبه.
الفصل الثالث
تفنيد حُجج أنصار فكرة العذاب بالقبر
في يوم الأحد الموافق الأول من نوفمبر لعام 2009 ميلادي، دعتني قناة المحور الفضائية لبرنامج يدعى (ضرب نار) وكان معي الأستاذ الدكتور/أحمد عبد الرحيم السايح (مقدم هذا الكتاب)، وفي مواجهتنا اثنان من المتخصصين بالعذاب، وكان موضوع الحلقة (عذاب القبر حقيقة أم خيال؟)، ومن البدهي أن شرحت وجهة نظري وسط ركام من الصراخ والبكاء على السُّنة النبوية المهدرة، ولم ينس أحد قطبي الخصومة أن ينعتني والدكتور/أحمد السايح بأننا قرءانيان، وكم بكيت بعدها على حال الكثير من المتخصصين، حيث تمت مداخلات من أساتذة صنعتهم مناهج ضالة، تؤكد وجود ذلك الوهم، رغم إبرازي للدليل تلو الدليل، ولقد انتهت الحلقة بأن اقتنع كل من بالاستديو، وكثير من المشاهدين ـ بعد الإذاعة ـ بعدم وجود ذلك العذاب الموهوم، وما زلت أهيب بالإعلام المساهمة لإزالة غشاوة ذلك الإفك عن الناس.
ولقد تأكد لي أن بعض المتخصصين قد انضموا إلى قافلة تحريف القرءان بإهماله، فمرة يضاهونه بالسُّنة ويغلِّبونها عليه، ومرة يقولون بأن فيه ناسخًا ومنسوخًا، فوضعوا بعلمهم ـ المسمى بالناسخ والمنسوخ بكتاب الله ـ كثيرا من آيات القرءان بثلاجة التجميد، فهذه آية تتلى فقط وزال حكمها، وتلك كانت قرءانا فانقرضت ولا تتلى لكن بقى حكمها (حديث الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)، وآيات أخرى يتأولونها وفق مراد الحديث النبوي المدسوس، وبضع كلمات من آية يتخذونها سندًا لهدم كتاب الله، مثل ما يتأولونه من قوله تعالى بالقرءان في جزء من آية: (وما آتاكم الرسول فخذوه)، بينما ينكرون على الآخرين قولهم (لا تقربوا الصلاة) رغم أنها جزء من آية أيضا، فهم يطوعون النصوص القرءانية لهواهم في الروايات المدسوسة على النبي، ولا يطرف لهم جفن، فقد أمدهم الشيطان بمدد من عنده.
وخرافات عن الموتى وقدراتهم الخارقة بعد الوفاة بعلة أن بصرهم أصبح حديدًا بمجرد الوفاة، مع عدم إمكانهم التفرقة في المعنى بين الرؤية والنظر والبصر، والزعم بأن الموتى يسمعون ويبصرون أفضل منا، وعدم قدرة أولئك المتخصصين تصور اختلاف مرور الزمن بين الأحياء وأهل القبور من الموتى، وقذف وسط الكلام بالكفر والفسق وخلافه، فحزنت أشد الحزن على أولئك العلماء، سواء في كيانهم العلمي، أو كيانهم الثقافي، فضلا عن العقلي، وأسفت على حال الدعوة وهي بأيدي هؤلاء، لكن كلي أمل أن أساهم في تصويب أفكارهم.
وسوف أتناول في هذا الفصل تبريراتهم وتأويلاتهم الفاسدة عن القبر، وما يعتبرونه حجة لهم فيما يلي:ـ
أولا: حججهم من القرءان:
يحتج أنصار فكرة عذاب القبر بتأويلات عن فهم محدود لهم لبعض آيات معدودة من القرءان، وأحاديث ما أنزل الله بها من سلطان، فهم علاوة على فقدانهم لأي نص قرءاني قطعي الدلالة في ذلك الأمر [راجع معنى اصطلاح (قطعي الدلالة) بالفصل الأول]، فهم يتأولون النصوص القرءانية ويلوون أعناقها ليًا، لتتوائم مع ثقافتهم الروائية المدخولة على الحديث النبوي، وسنستعرض أدلتهم بالتمحيص فيما يلي:ـ
1 ـ فهم يحتجُّون بقوله سبحانه وتعالى:
((النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ*)). سورة غافر آية رقم : (46) .
لكن تأويلهم مردود عليهم بأن أمر العرض على النار يخص آل فرعون فقط، فكما كانوا مُتَفَرِّدِين في الكفر، كان لهم تَفَرُّد مخصوص بعد الموت، وهذه الآية تحكي مصير كافرين فكيف نسحبها على كل المسلمين، وتلك الآية من الآيات قطعية الثبوت لكنها ظنية الدلالة، فلا يمكن استخراج أحكام منها، ليتم تعميمها كحقيقة إيمانية لا تقبل الجدل حولها.
أ ـ فآل فرعون يُعرضون على النار، ولا تُعرض النار عليهم، ولا تنزل لهم في قبورهم، ويكون ذلك على فترتين فقط من مثل فترات الدنيا {الغدو والعشي}، ولعل المعنى ينصرف إلى دوام العذاب، لكن لا ينطبق الأمر على البشرية عموما، ولا على المسلمين خصوصا لأن الأمر يخص الكافرين من آل فرعون فقط، وعذابهم معنوي وليس ماديا، وذلك لأنهم يُعرضون على النار، ولا يدخلونها، ومدة ذلك العرض هي مدة مكوثهم بالقبر، وهي لحظة أو مجرد لحظات، كما ذكرنا ص59 تحت عنوان (الموتى/الزمن/ الشعور).
ب ـ بينما يجد الباحث أن عذاب المعذبين بالدنيا حال الحياة مادي، فمنهم من أُغرق، ومنهم من خُسف به الأرض، ومنهم من ابتلي بالضفادع والدم في مياه الشرب، وهكذا.
ج ـ وبالآخرة أيضا يكون العذاب ماديا بالإحراق، وبمقامع من حديد، والذين يزعمون عذاب القبر يصورونه ماديا، فجعلوا لكل ذنب عقابًا، فمنهم من ترضخ الملائكة رأسه بالأحجار، ومنهم من يضغط عليهم القبر حتى تختلف أضلاعهم فيه، وهم جميعا يصرخون صراخا تسمعه البهائم وهكذا، فأصحاب ذلك السيناريو المسرحي لا يتفقون مع الآية التي تُبين أن العذاب معنوي، لأنه مجرد عرض على النار لفترتين يوميا، فهم بذلك خالفوا النص الذي يحتجون به.
وبذلك تكون الآية تصور شأن مخصوص لأناس بأعينهم، فلا ينطبق الأمر على البشرية كلها، لأن الأصل في عذاب الله في الدنيا أو الآخرة يكون ماديا وليس معنويا، ولم يكن الله ليترك الأمر للمتأولين.
د ـ ودليلنا أنه عذاب خاص ولا ينطبق على البشرية جمعاء أن الله سبحانه أجرى التحلل على مخلوق (حمار سيدنا حزقيال)، ومنع آخر من التحلل (طعام سيدنا حزقيال)، ودليل آخر هو عدم رؤية سيدنا حزقيال لعذاب أو نعيم بقبره طوال مائة سنة مرت عليه وهو ميت، ودليل ثالث وهو مُتعة الذين قتلوا في سبيل الله من دون الناس جميعا.
هـ ـ ووجه آخر من وجوه تفنيد دلالة الآية، أن الله يقول عن آل فرعون في آية أخرى:
((كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ*)). سورة آل عمران آية رقم : (11).
فقوله: (فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ) فعل ماض، لكنه سيحدث في الحقيقة بالمستقبل حين تقوم الساعة، مما يعني أن للقرءان تعبيراته الموحية بالفزع حين يذكر مصير الكافرين.
وعلى ذلك فتعميم مصيرهم وتعميم العذاب وتصويره ماديا على كل البشر أحيانا، بينما تراهم يرددون مرة أخرى يقولون بأن عذاب القبر معنوي، وأنه مجرد عرض مقعد النار أو الجنة على الميت، فإن ذلك لا يُعبِّر عن النص القرءاني قدر ما يُعَبِّر عن خيال وتخبط فقهي.
و ـ ولابد أن نعلم أن هناك استثناءات، فكما استثنى الله الذين قُتلوا في سبيل الله بالنعيم والحياة بشكل مُعيَّن، فقال عنهم:
((وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ*)) . سورة آل عمران آية رقم : (169-170) .
فقد استثنى آل فرعون بعذاب غير باقي الناس، وهو العرض على النار فترتين يوميا من مثل أيامنا، لكن حكم عموم الناس مدون بعموم القرءان، أما الفئات المستثناة فلا يُقاس عليها.
2ـ كما أنهم يحتجون بوجود عذاب قبر حين يُفَسِّرُون قوله تعالى:
(( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *)). سورة السجدة آية رقم : (21) .
وكلمات العذاب الأدنى والعذاب الأكبر المذكورة بالآية لا تعنى أن عذاب القبر هو العذاب الأدنى وعذاب الآخرة هو الأكبر، بل تعني أن الله يرسل العذاب في الدنيا حال الحياة قبل أن يتعذب الناس في الآخرة، لعل الناس يرجعون عما هم فيه، لذلك ذُكرت كلمة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *} بنهاية الآية، فإن الأمر إن كان يعني الموت ما كان لكلمة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *} معنى، لأنه لا أحد يموت ثم يرجع، وهي آية تدل على مراقبة الله للعباد، ودفعهم لإصلاح أنفسهم، وليس بها ما يدل على عذاب قبر.
3ـ ويزعمون القول بعذاب القبر وهم يفسرون قول الله عن الكافرين: ((مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا*)). سورة نوح آية رقم : (25) .
فقالوا إنهم بمجرد الموت دخلوا النار فيكون ذلك في القبر، وما أرى ذلك إلا من تعطل فهم حقيقة الزمن بعد الموت، وعدم فهم القرءان، فالميت بمجرد أن يموت يجد القيامة العامة فورا، وما ذلك إلا لتوقف الزمن عند الموتى، وعلى ذلك فهو يدخل الجنة أو النار فورا، وفق إيمانه وعمله، فذاكم تفسير كلمة (فَأُدْخِلُوا نَارًا.) عموما .
هذا فضلا عن أن القرءان الكريم له أسلوبه في عرض الأمور، فهو يتكلم عن دخول الجنة ودخول النار كفعل ماض رغم أنه لم يحن بعد، لكن لأنه حتمي فإنه يذكره كفعل ماض ليؤكد حتمية حدوثه، وحتمية قََـدََر الله فيه.
فكذلك حرف الفاء الذي يصاحب كلمة (فأُدخلوا) إنما ليؤكد أن الساعة قريب، وأن الله سريع الحساب، وأن انعدام وجود الزمن بالقبر يعني أن كل من يموت يجد القيامة العامة تقوم عليه فورا، لأننا جميعا سنموت ولن يمر عليه ما مر علينا من أزمنة.
لكن من الشذوذ الفكري أن يُستنبط من الآية حُكم لم يرد بالقرءان إلا ما يخالفه، ولابد لاستخراج حكم من القرءان أن يدرك المرء كل ما جاء بالقرءان عن ذلك الأمر، فلا يصح أن تستقطع آية من كتاب الله لتخرج على الناس بحكم ورد ما يخالفه بالقرءان أيضا، فإن ذلك يصيب استنتاجك بالعوار.
وهناك من ذهب إلى أن كلمة (نارا) التي وردت بالآية لا تعني النار المعروفة لأنها نار مُجَهَّلَة وغير مُعَرَّفَة، وهي تعني أنهم بعد إغراقهم دخلوا فوهة البركان الذي انفجر، حيث يقول تعالى:
((حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ *)) . سورة هود آية رقم : (40) .
فالتنور هو البركان، وقد كانت بلدة نوح على ساحل البحر، وحدث فيها مثل ما حدث لمدينة تسونامي، فلما انفجر البركان ثار البحر وأمطرت السماء، فالتقى الماء على أمر قد قُدِرْ، وقذفت الأمواج بجثثهم الغارقة إلى فوهة ذلك البركان الثائر، بينما نجا سيدنا نوح ومن آمنوا من الغرق بالطوفان وكذلك من الحرق بالبركان.
4ـ ومن بين ما يحتجون به لإثبات عذاب القبر، تأويلهم لقوله تعالى: ((أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ *)). سورة التكاثر آية رقم : (1-8) .
فتصوروا زيارة المقابر تعني عذاب القبر، وتصوروا الوعيد المذكور بعدها يعني عذاب قبر، وهو خيال لم يرد بالقرءان ولا حتى ظلال عنه.
فزيارة المقابر الواردة بالآية والوعيد بعدها يعني العذاب يوم القيامة بعد الموت، لأنهم ألهتهم الدنيا وزخارفها، لذلك فهم حين يزورون القبور وينقطع عملهم بالموت، فإنهم سوف يعلمون ما يحيق بهم من عذاب الله يوم القيامة ولا تعني بحال عذاب القبر المزعوم.
فالمؤمنون حال حياتهم يوقنون بوجود الجحيم حق اليقين، لذلك فهم يلتزمون بتعاليم الدين، وهم الناجون يوم القيامة، أما الذين ألهاهم التكاثر ممن لا يؤمنون ويكذبون بحساب الآخرة فسوف يرون الجحيم عين اليقين، بعد أن يزوروا القبور، وتعبير الزيارة يعني أن القبر مجرد زيارة سريعة، يكون بعدها عذاب الجحيم، فأين حرف (الفاء) الذي أقام عليه المفسرون تفسيرهم لفورية العذاب بالقبر بآية قوم نوح؟، إنه هنا يقول (سوف تعلمون)، لا أرى تأويلاتهم إلا محض خيال بعد أن تأثرت تفسيراتهم بتلك الروايات المدسوسة على النبي.
5ـ ومن بين ما يحتجون به قوله تعالى:
((يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء *)) . سورة إبراهيم آية رقم : (27) .
فقالوا إنه تثبيت الله الموتى من المسلمين بالقول الثابت (الشهادتين) في قبورهم حين سؤال الملكين، وهذا القول مردود عليه بما يلي:ـ
أ ـ أن القبر ليس من ضمن الحياة الدنيا، لكنه من منازل الدار الآخرة، وكما أن للجسد قبرا بالتراب فإن للنفس قبرا عند الله، وبذلك فالآية لا تعني السؤال المزعوم بالقبر.
ب ـ أن التثبيت حال الحياة يكون بالقرءان الكريم، فهو القول الثابت بالحياة الدنيا، وذلك من قول الله سبحانه: ((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا *)) . سورة الفرقان آية رقم : (32) .
ج ـ وقوله جل شأنه:
((وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً *)).سورة الإسراء آية رقم : (74) .
دـ ويقول تعالى:
((قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ *)).سورة النحل آية رقم : (102) .
ه ـ وقوله سبحانه وتعالى:
((وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *)).سورة هود آية رقم : (120) .
فها هو التثبيت الذي قرره الله للذين آمنوا بالحياة الدنيا، لا يكون إلا بالقرءان، ويكون حال الحياة أولا، فهو البشرى للمسلمين في الدنيا، فالمؤمن الذاكر يكون صاحب قلب مطمئن، وهو حين الموت يكون مطمئنا لقوله تعالى:
((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ *ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً*)).سورة الفجر آية رقم : (27-28) .
كما يثبت الله المؤمنين من الفزع الأكبر يوم تقوم الساعة، بلا إله إلا الله.
أما الرواية التي ذكرها الترمذي وغيره والتي تذكر زورًا عن النبي أنه قال إن التثبيت يكون عند سؤال الملكين بالقبر، فهي ليست بشيء لتعارضها مع نصوص القرءان، والرواية التي ذكرها الإمام مسلم في صحيحه برقم : (5118) باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وذكر فيها التثبيت بالقول في القبر ففيها مدلس، (راجع التخريج من ص135).
ولقد ذكر الله كلمة (القبر) بالقرءان ثماني مرات، وذكر كلمة (عذاب) مائتين وخمس وستين مرة لم يقرن بينها وبين القبر أبدًا.
6ـ ويحتجون بقوله تعالى:
((وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ *)).سورة التوبة آية رقم : (101) .
فيتصورون قوله: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) أن الأولى عذاب القبر والثانية عذاب الآخرة.
ولست أدري لماذا لم يدر بخلدهم قوله تعالى:
((وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *)).
سورة السجدة آية رقم : (21) .
((وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ *)).سورة السجدة آية رقم : (21) .
وقوله تعالى:
((وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ *)).سورة الأنعام آية رقم : (42) .
فالبأساء عذاب، والضراء عذاب، ثم يردون إلى عذاب يوم القيامة، وكثير من مثل تلك الآيات التي تثبت أن بالدنيا أنواع من العذاب لإيقاظ للناس من غفلتهم، وذلك من رحمة الله، فضلا أن مرتين + عذاب الآخرة =3، وهل عذاب القبر يحتسب بمرتين؟، فضلا أن تلك الآية (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) قيلت في المنافقين، فلا يجوز قياسها على المسلمين، فبهذا نكون فسرنا القرءان بالقرءان، لكن قل في تحريف القرءان ما تشاء.
فالمسلم الموحد لا يستقي العقائد إلا من صريح آيات كتاب الله القطعية الدلالة، وهي في موضوعنا بالمئات، أما من يتأولون بعض آيات معدودة من كتاب الله على أنها عذاب قبر لتأثرهم بالأحاديث القولية الأحادية، فهو فضلا عن الفساد المنهجي، فهو نبذ لآيات كتاب الله، وما كان الله ليضع العقائد تحت رحمة اجتهاد الفقهاء، أصابوا أو أخطئوا، أما الأحاديث القولية فمرحبا بها فيما عدا العقائد والحدود والتحريم ومخالفة كتاب الله.
ثانيا: مسرحية العذاب كما أُلصِقَت بالسُّنة:
بالبداية لابد لي أن أنوه أن الإسلام قد قضى على الأصنام الحجرية فصنع الناس أصناما أخرى أطلقوا عليها ثوابت الأمة، ويا ليت تلك الثوابت تتوافق مع ما جاء به محمد – عليه الصلاة والسلام - ، لكنك تجد من بينها صنما يدعونه أصح كتاب بعد كتاب الله فهم عليه يعكفون أكثر من تعبدهم بالقرءان، ولست أدري كيف يكون من ثوابتهم وأصح كتبهم ما عج بروايات المدلسين وأصحاب الأوهام وغيرهم (سيأتي تبيان ذلك بملحق تخريج الروايات المنسوبة زورا للنبي)، بل تجد أجِلَّة الدُّعاة منهم لا يمايزون بين القرءان وبين الرواية عن النبي في القيمة والاستدلال، بل يُقدِّمون الرواية على الآية في الاهتمام واليقين والعمل، وما أرى ذلك إلا إشراكا بالله، فهل من ثوابت الأمة أن يضاهي صحيح البخاري كتاب الله ويستكمل أحكام القرءان بأقانيم ما أنزل الله بها من سلطان؟، هل وصل بنا تعظيم روايات ذكرها واحد عن واحد لنطغى بها على حكم الله وآياته؟، فأي دين نحن عليه ما دامت حالنا كذلك؟!.
ولقد جمعت للقارئ قطوفا أثبت بها بعضا من زيف مدسوسات السُّنة البشرية المزعومة وضعتها بنهاية الكتاب تحت عنوان: (بحث فقهي مع سرد وتخريج للأحاديث المزعومة عن القبر وعذابه ص107 وما بعدها) فيمكن الرجوع إليها.
فتراهم قد استغرقوا في مسرحية عذاب القبر، وابتدعوا لكل زيف رواية نسبوها بهتانا للنبي – عليه الصلاة والسلام - ، فقالوا بوجود ملكين يسألان العبد مجرد دخوله القبر عن ربه ودينه ونبيه، وتجد أئمة عذاب القبر يصرخون ويتحدون المعارضين بتلك الرواية العجيبة، بل ويلوون عنق الآية :
((يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء *)).سورة إبراهيم آية رقم : (27) .
ويفسرونها على أنها تخص سؤال الملكين المزعوم، رغم أنهم يقولون بأن القبر أول منازل الآخرة، بينما يقولون بأن التثبيت بالقول الثابت في الدنيا يكون بالقبر، فهل القبر من الدنيا أم من الآخرة؟ وللأسف تجد التدين الشعبي يدين بالولاء لذلك الإفك (راجع تخريج حديث الملكين منكر ونكير ص 135 من الكتاب).
وقالوا بأن القبر يضغط على الميت حتى تختلف فيه أضلاعه، أي تتحرك أضلاع قفصه الصدري لتكون اليمنى محل اليُسرى، واليُسرى محل اليُمنى، بما يعني وجود إحساس للجثة، فضلا عن زعمهم بإدراك الجثث وسماعهم لمن يلقي السلام عليهم، وقالوا بثعبان اسمه الشجاع الأقرع، يضرب الذين كانوا لا يُصَلُّون، وقالوا بمرزبات الحديد يضرب بها الملائكة أولئك الموتى فيتجلجلون أسفل سافلين بالقبر، ثم يعودون من الأرض السابعة ليعود الملائكة عليهم بعذاب المرزبات مرة ثانية وثالثة وهكذا.
وقالوا بملك موكَّل يرضخ رءوس الذين كانوا يتتثاقلون عن الصلاة المكتوبة (مجرد تثاقل فقط)، وقالوا بنساء مُعَلَّقَاتٍ من شعورهن وأُخريات من صُدُورهن لكشفهن تلك الصدور والشعور للأجانب، وقالوا بصراخ أهل القبور يسمعه كل الخلائق إلا الإنس والجان، وقالوا بعذاب خاص للزناة والزواني ويستجير القبر من نتن ريحهم، وقالوا بتقطيع الملائكة لألسنة خطباء الفتنة.
ولم يكن هناك عذاب بالقبر عندهم للحاكم الظالم، ولا لقتلة أهل بيت النبوة، ولا لمزوري الانتخابات، ولا عذاب عندهم لأصحاب الأغذية المسرطنة، لذلك أرى كل ما سبق مسرحية تم كتابة سيناريوهاتها بشريا ممن هم دون الأنبياء، بعد عصر الخلفاء الراشدين، حتى يُفتن الناس، وأراهم قد فُتنوا فعلا، فلا تكاد ترى مسلما إلا يؤمن بذلك الوهم، وجعلوا منا مجموعة من المرضى نفسيا.
ولقد اهتموا بإفساد جزء من مناجاة العبد لربه في الصلاة بعد أن قالوا بالتعوذ من عذاب القبر بنهاية التشهد بكل صلاة، وقالوا إنه من السُّنة، وقالوا بالتعوذ منه لكسوف الشمس، وبالتعوذ من عذاب القبر عموما، وما هي إلا سُنَّة الخيال، وتقديس لتراث الأموات بلا سند شرعي، إلا لأنهم من الأقدمين.
وقالوا بالميت الذي يؤذي من يجلس على قبره، وقالوا بفتح طاقة بالقبر للميت؛ ليأتيه من ريح النار وزمهريرها ونتن رائحتها، وقالوا بمخلوق يخرج على الميت في قبره يقول له: (أبشر بأسوأ يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)، وأن الميت يصيح ويقول: (يا ربِّ لا تقم الساعة)، ألا ترى معي الإخراج المسرحي؟!!، وللعجب فكل ذلك لم يرد لا بالقرءان ولا بالبخاري ولا مسلم، لكنه التدين الشعبي الذي غرسه دعاة الإضلال باسم الإسلام.
ولست أدري لماذا لم يقل أحد الأنبياء بعذاب القبر في أي شريعة أو كتاب سماوي؟، وإن كانوا نسبوا زورًا لنبينا القول بأن اليهود تُعَذَّب في قبورهم، وكأن العالم انحصر في اليهودية والإسلام ومشركي مكة فقط، فهل كان الموتى لا يعذبون في قبورهم حتى جاء الإسلام بذلك العذاب؟، أوتم لصق عذاب القبر بالإسلام لأن نبينا نبي الرحمة!!؟، أَوَ ذلك يتبع منهج تخفيف الشرائع!؟، أم التغليظ على الناس حتى ولو معنويا، وكيف يكون العذاب قبل الحساب؟.
وحين يضع أهل الملل الأخرى الزهور على القبور، بينما نضع نحن عليها نبات الصَّبَار فهل يكون سبب ذلك علومنا الفتَّاكة عن عذاب القبر، ورحمة منا على ما اختص به موتانا من ضنك القبر وعذابه؟، وأين فقهاء العذاب من نعيم القبر؟، أم أن العذاب بالقبور غطى كل شيء حتى إننا لا ندعو به في صلاتنا، وكأنه شيء مزهود.
من بدع وغرائب الدُّعاء للميت:
مما ينتهجه المُدَّعون بالسُّنة من بدعهم المخلوطة والمنسوبة زورًا للنبي، مسألة الدعاء للميت، فالدعاء للموتى أمر محمود خاصة من الأقارب والصالحين، لكن من غير المتصور أن ننقل عنهم الدعاء على الميت بحسبان أنه دعاء له، وبحسبان أنه من السُّنة.
فمن مأثوراتهم في الدعاء: [ اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نُزُلَهُ، ووسع مُدْخَلَهُ، واغسله بالماء والثلج والبَرَدْ، ونَقِّهِ من الذنوب كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدَنَسْ ]، وهذا الدعاء يقولونه حتى في صلاة الجنازة.
فهل من الممكن أن نغسل أحد الأحياء بالثلج إلا إن كنا نستهدف أذاه، فما بالنا بالدعاء بذلك للميت؟، وندعو أيضا بأن يغسله بالبَرَد، لا شك أننا نكرهه، إلا إن قال لنا علماء التبرير علما من علومهم الجهنمية التي تستحسن ذلك، وتنسبه للنبي – عليه الصلاة والسلام -.
لقد رأيتهم في غُسل الميت يغسلونه بماء فاتر، لا هو ساخن ولا هو بارد، أفنفعل ذلك بينما ندعو الله جل جلاله عليه بأن يغسله بالثلج البارد؟!، أم أن الدعاء مخصص لأهل البلاد الحارة فقط، أما أهل البلاد الباردة فنحن ندعو لهم بغسول ساخن!؟.
ودعاء آخر من الأدعية العجيبة التي ساقونا إليها بقولهم:[اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره وأهلا خيرًا من أهله وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار].
فهذا الدعاء به تضاد مع الدعاء بكتاب الله القائل:
((رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدتَّهُم وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *)).سورة غافر آية رقم : (8) .
أسن دعوا بدعاء القرءان الذي لا استبدال فيه للصالحين والصالحات من أزواجنا ، أم سندعو باستبدالهم مهما كان صلاحهم بأزواج خيرا منهم؟!، لأننا ذكورا وإناثا نحب التبديل!!.
لقد قَبِلَ الله الدعاء القرءاني، ولم يقبل دعاء السُّنة المزورة، فأدخل الزوجة الصالحة والزوج الصالح الجنة معًا، حيث قال سبحانه: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ *)).سورة الرعد آية رقم : (23)
فألغى بذلك نظام الاستبدال الأهوج الذي يتراقص لشهوات أولئك الدعاة.
وكم أرى من قِلَّة حياء الدَّاعين بهذا الدعاء لرجل أو امرأة قضيا نحبهما بينما الزوج الحي، أو الزوجة الحية، يسمع أو تسمع هذا الدعاء (أن يبدله الله زوجا خيرا منه أو منها)، ومطلوب من أيهما التأمين عليه، فهل في ذلك أي تعقل!؟.
ومن أدعيتهم التي يدَّعون أنها من المأثورات قولهم: [اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حُفْرَةً من حُفَر النار].
فمن قال بأن القبر روضة، وهل تتنعم الجُثث؟، وهل تتعذب الجُثث في حُفر؟، ولم يقل أحد من البشر غيرهم ولا كتاب سماوي بأن النار عبارة عن حُفَر، إن القرءان يقول بأن النار واسعةً جدًا، وذلك من قوله تعالى (( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا *)).سورة الكهف آية رقم : (29) .
فالقرءان يقرر بأن النار سُرادق ضخم يضم كل المُعذبين، ويرش عليهم ماء النار يشوي وجوههم، بينما الذين يتزعمون الفوضى في السُّنة النبوية المطهرة يقولون بأن النار عُبارة عن حُفَر، فأي النهجين ننتهج؟!، أم نقف لننتظر علماء التبرير ليبرروا لنا سبيلا جديدًا لخيبة أمل الأمة حتى في فن الذكر والدعاء.
والنار لها سبعة أبواب، فهل هناك سبعة أبواب لمجرد حُفَر؟، إن القرءان يقرر أن دخول النار يكون بالأفواج والأمم، وفي ذلك كله يقول تعالى:
((وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ*)).سورة الحجر آية رقم : (43-44) .
(( قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ *)).سورة الأعراف آية رقم : (38)
((وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ*)).سورة النمل آية رقم : (83) .
إن السرد السابق يصوِّر لكل ذي لُب أن النار وأفواج الداخلين فيها من الأمم ليست تلك الحفر الضيقة، إنما الخطب جلل والأمر أعظم.
نعم هناك أماكن ضيقة بالنار، لكنها أمر عارض، وفي ذلك يقول ربنا: ((وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا *)).سورة الفرقان آية رقم : (13) .
لذلك ففقهاء الأحاديث لا يتبينون القرءان، فقوله تعالى بأول الآية (وإذا) تعني أنها حالة عارضة، والله هو الذي يعلم شكل النار، ولأنها من الغيب فالنبي يعلم بوجودها لكنه لا يعلم شكلها تحديدا إلا بما تنزل عليه من قرءان، وعلى ذلك يكون فقه الحُفَر في غير محله.
وأهدي لفقهاء العذاب الذين لا هم لهم إلا ترويع الناس من الله، أنه إذا ما كانت النار التي يتكلمون باسمها ذات أبواب سبعة، وبها أماكن ضيقة، فإن الجنة لها ثمانية أبواب، وعرضها كعرض السماوات والأرض، أي أنها تشمل سعة الكون المرئي وغير المرئي، وذلك لأن رحمة الله أعظم من غضبه، وفي ذلك يقول تعالى:
((سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ *)).سورة الحديد آية رقم : (21) .
صدق أو لا تصدق من أحاديث الصحيحين وفقه البعض
سبق وذكرت أن كثيرا من الدعاة يقولون بقصر أدمغتنا في أن نفهم القرءان أو ندرك الحديث، وإني أستشهد كل قارئ على نفسه أن يقرأ معي بعض أعاجيب الصحيحين (البخاري ومسلم) عن القبر وذلك مما يلي:ـ
ففي صحيح مسلم كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث رقم: (2773). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأحمد بن عبدة الضبي واللفظ لابن أبي شيبة قال ابن عبدة أخبرنا وقال الآخران حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو أنه سمع جابرا يقول: أتى النبي – عليه الصلاة والسلام - قبر عبد الله بن أُبَيّ، فأخرجه من قبره، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، وألبسه قميصه، فالله أعلم.
وبكتاب فضائل الصحابة حديث رقم: (2400). حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا عبيد الله عن نافع عن بن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أُبَيّ بن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام - فسأله أن يعطيه قميصه أن يُكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله – عليه الصلاة والسلام - ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه، فقال رسول الله إنما خيرني الله فقال: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة }، وسأزيد على سبعين قال إنه منافق فصلى عليه رسول الله وأنزل الله عز وجل { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره }.
وأيضا بذات الترقيم بذات صحيح مسلم [ 2400 ] وحدثناه محمد بن المثنى وعبيد الله بن سعيد قالا: حدثنا يحيى وهو القطان عن عبيد الله بهذا الإسناد في معنى حديث أبي أسامة وزاد قال فترك الصلاة عليهم.
أنصدق الرواية رقم: (2773) التي تثبت عدم صلاة النبي على المنافق عبد الله بن أُبي، أم نصدق الرواية رقم: (2400) .التي تثبت أنه صلى عليه؟، وكلاهما بصحيح مسلم.
وفي صحيح البخاري عن ذات الموضوع باب { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم }، حديث رقم: (4393). حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لما توفي عبد الله جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام - فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله – عليه الصلاة والسلام - إنما خيرني الله فقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة } وسأزيد على السبعين قال إنه منافق قال فصلى عليه رسول الله فأنزل الله { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره}.
وبالحديث رقم: (4394). حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل وقال غيره حدثني عقيل عن بن شهاب قال أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال لما مات عبد الله ابن أُبي بن سلول دعي له رسول الله – عليه الصلاة والسلام - ليصلي عليه فلما قام رسول الله وثبت إليه فقلت يا رسول الله أتصلي على بن أبي وقد قال يوما كذا وكذا وكذا قال: أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله وقال أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال إني خيرت فاخترت لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها قال فصلى عليه رسول الله ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } إلى قوله { وهم فاسقون } قال فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله – عليه الصلاة والسلام - والله ورسوله أعلم.
بينما وفي باب { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } حديث رقم: (4395). حدثني إبراهيم بن المنذر حدثنا أنس بن عياض عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال لما توفي عبد الله بن أُبي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله – عليه الصلاة والسلام - فأعطاه قميصه وأمره أن يكفنه فيه ثم قام يصلي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم قال إنما خيرني الله أو أخبرني فقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } فقال سأزيده على سبعين قال فصلى عليه رسول الله وصلينا معه، ثم أنزل الله بالقرءان:
((وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ *)).سورة التوبة آية رقم : (84) .
بما يعني أن النبي قد صلى الجنازة على رأس النفاق بالمدينة.
فهل يقنع القارئ ـ مهما كان عقله كبيرا أو صغيرا ـ أن يقوم رسول الله بإخراج جثة منافق أو صحابي، ليتفل فيه فيتبلل جسد الميت بريق رسول الله؟، وهل لا بد إذا ما أخرجه من قبره أن يضعه على ركبتيه الشريفتين – عليه الصلاة والسلام -!؟، وكيف يعطى النبي قميصه أو يلبس الميت قميصه بينما من السُّنة أن يكون الكفن بلا قميص أو عمامة؟!. فهل ذلك المسلك المزعوم فعله لرسول الله من بين الأحكام التي يريد أهل السنن أن نتلاطم فيها، أم ماذا يريدون منا أن نفهم؟.
وكيف تكون الآية بسورة التوبة:
((اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ *)).سورة التوبة آية رقم : (80) .
ثم يقوم رسول الله ليصلي عليه الجنازة، ترى ماذا سيقول في صلاته؟، ألن يستغفر له؟، أم بماذا سيناجي ربه في تلك الصلاة، وكيف تنهى الآية عن الاستغفار بينما يوجه عمر بن الخطاب النبي لعدم الصلاة طالما أن المنهي عنه الاستغفار فقط!؟.
أرى أن علم أسباب النزول مشكوك في غالبه، وما روي من أحاديث يساندون بها تلك المصنوعات الروائية إنما هي إفك افتراه البعض على الله ورسوله.
ومن جماع أحاديث البخاري ومسلم عن أمر عبد الله بن أُبي لا تعلم إن كان رسول الله صلى عليه الجنازة أم لم يصل، وبمناسبة موت رأس النفاق بالمدينة المنورة لماذا لم يتكلم النبي – عليه الصلاة والسلام - شيئا أو يذكر عن عذاب القبر في شأن عبد الله بن أبي بن سلول؟، ألم يكن يمشي بين الناس بالنميمة كذاك الذي زعم به يتعذب في قبره لأنه كان يمشي بين الناس بالنميمة؟، وهل تم دفنه بمقبرة وحده أم دفن بالبقيع؟، أذكر ذلك لمن يزورون البقيع على أنه مدفن للصالحين، ويتمنون أن يدفنوا بالبقيع ظنا منهم أن من جاور السعيد يسعد، وهل فكر أحد المتسننين بلا سُنَّة عما إذا كان الصالحون من الصحابة يتأذون من مجاورة المنافقين بمدفن واحد، وذلك وفق فقه من يتحرون أن يُدفنوا وسط الصالحين ويتصورون ذلك من الفقه.
وأرى أن ذكر مثل تلك الأحاديث دعوة للتحايل على أوامر الله، أكان رسول الله لا يعرف مرمى الآية القرءانية التي تنهى عن الاستغفار للمنافقين والمشركين؟، أو لم يكن يعلم معنى { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } أنها تعني مُطلق الكثرة؟، ومن الذي أعلم الفقهاء بعد ذلك بهذا المعنى؟ (أنها تعني مطلق كثرة الاستغفار مهما بلغ العدد)، لذلك فإن وضع تلك الروايات وأمثالها إنما يعبر عن فتنة لعقول العقلاء من المسلمين.
إن كثيرًا من فقهاء المسلمين حينما يخالفون بعض ما جاء من روايات بالبخاري ومسلم، فإنهم يقومون بذلك دون أن يطرف لهم جفن، ويسوقون من أعاظم المبررات ما يسوقون، وإذا ما خالف أحد غيرهم أصغر صغيرة بتلك الكتب فإنهم يرجمونه بإنكار السُّنة، وغيرها من أفاعيلهم وسُبابهم المشهور.
ودعني أسوق لك المثل، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم بصحيحيهما (مسلم ح رقم: (529-532). والبخاري ح رقم: (1265). و رقم: (3267). و رقم: (4177). (وغيرهما كثير) ما يفيد تحذير النبي للمسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ونهى عن تجصيصها ووضع صورهم عليها، وغير ذلك، لكن لأن تلك الأضرحة تستجلب الفرج المادي الدنيوي لبعض المُلتصقين بها فقد باركها بعض أساطين الفقهاء، وجعلوا للنذور الممنوحة لها حصصا قانونية للبعض يقتسمونها رغم أنف ما جاء بالصحيحين، وقالوا تبريرا لأفعالهم أن نهي النبي في ذلك الشأن نهي تنزيه، وليس نهي تحريم، فهنيئا مريئا لمن حذا حذوهم واغترف بغرفتهم، واستمتع بفقههم.
ومما يؤسف له أن الشيطان حين يئس وأعوانه أن يدس بالقرءان مدسوساته، لجأ إلى السُّنة لينفث فيها سمومه، يفسد بها العقائد، ثم دعا الناس لتعظيم السُّنة، لذلك تجد ثقافة الناس وقد اهتمت بالسُّنة على حساب القرءان، وتصوروا في النبي مُشرِّعا، فهم يخالفون بذلك القرءان، بل ويعمدون إلى مثل فعل الكافرين، وفي ذلك كله يقول جل جلاله: ((وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ *)).سورة الأعراف آية رقم : (203) .
فتراهم يقولون برجم الزناة المحصنين، وبقتل تاركي الصلاة عمدا، وبعذاب القبر، وغير ذلك من السنن المفتراة، تماما كما فعل اليهود حين اهتموا بالتلمود (كتاب الأحاديث عندهم) على حساب التوراة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وما كان الله ليضع شيء يجب الإيمان به في يد الرواة والمفسرين ولا يوضحها إلا على أيديهم، ولي أن أتساءل ما حال المسلمين بقارة آسيا وهم أضعاف عدد العرب، كيف سيكون إيمانهم وليس لديهم تفاسير مفسرينا وكتابات الرواة؟، فليس عندهم إلا القرءان، بينما نحن ننادي باستكمال القرءان بالسُّنة، بما يعني احتياج الأصل للفرع، واحتياج الكل للجزء، واحتياج المحفوظ بحفظ الله لغيره ممن هو دونه، بل هناك من تطاول وقال بأن القرءان يحتاج للسُّنة أكثر من احتياج السُّنة للقرءان، وما أرى ذلك إلا من ضلال تلك المذاهب.
كما أن أعلام الخرافات حين ترفرف على عقول المسلمين لا ترفرف عليها إلا من خلال موروثات أضرت بالمسلمين أكثر مما نفعتهم، فبتلك الموروثات تقاتل المسلمون وحتى يومنا هذا، فلم يترك رسول الله مسلما سنيا وآخر شيعيا، إنما هي أسماء نتشيع لها لنفترق ونتباغض ونتخاصم بعد موت رسول الله:
((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ *)).سورة آل عمران آية رقم : (144) .
وأقصوصة عذاب القبر لن يرضى بنفيها من حصلوا على شهادات جامعية عليا من خلالها، وإلا لكانت شهاداتهم باطلة، فهم يدافعون عن كيانات دنيوية ودونية تنتهي بإفساد عقائد المسلمين.
وقد ورد بالحديث [ دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ]، فإن معنى ذلك أن يحتاط المسلم لنفسه، خاصة في شأن العقيدة، فطالما لم يرد نص صريح بالقرءان ـ نص بلا تأويل لمتأول ـ فإن من الحكمة ألا أعتقد فيه، فلن يحاسبني الله بمقتضى البخاري ومسلم، كما أن اختلافهم (البخاري عن مسلم عن غيرهما) وما سكت عنه أحدهم وأورده الآخر، لا شأن لأحد به فيما يخص العقائد والإيمانيات، إنما سيحاسبنا جميعا على الإخلاص بمقتضى صريح نصوص القرءان، وليس بما يغوص له البعض ليستخرجوه ويقولون بأنه عقيدة، أو بأنه حرام، فما وضع الله ذلك بيد بشر، حتى إن كانوا أنبياء، وليس في ذلك تسفيه للسُّنة كما يحلو للبعض أن يُزايد، لكن الأمر أمر تأصيل فقهي لأمور العقائد والإيمانيات، وترتيب للأولويات؛ فمن الأدب تقديم القرءان على السُّنة، ومن الأدب والإيمان ألا نتوهم النقص في كتاب الله.
وعودة إلى أمر الحلقة التليفزيونية بقناة المحور عن إنكاري لعذاب القبر، فلقد تصدى بعدها جهابذة السُّنة للأمر يدافعون، وما كان يهمهم إلا الدفاع عن صروحهم التي شيدوها عن قيمة ومدى الاستدلال بالسُّنة القولية، أما موضوعية الأمر فقد كانوا أبعد الناس عنه، بل تركوا كافة الآيات القرءانية التي استدللت بها في عدم وجود عذاب أو نعيم بالقبر، ولم يردوا عليها، ودعني أسرد لك ما قاله أحد هؤلاء الجهابذة بقناة الرحمة يوم الأربعاء الموافق 11/11/2009، لتدرك كيف أشرك هؤلاء رسول الله بالله في الحكم، أو على الأقل كيف يدلسون على الناس ويظهرون أشياء ويخفون أخرى.
فقد قال وهو يحاول التعريض بإسلامي ما يلي:[ يقول الإمام الشوكاني في كتابه إرشاد الفحول: إن ثبوت حجية السُّنة واستقلالها بتشريعات الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف ذلك إلا من لا حظ له في الإسلام ].انتهى.
أرأيت تعبير [ استقلال السُّنة بتشريعات الأحكام ]، فإن كان يقصد السُّنة العملية فنحن معه، ويكون في هذه الحالة يضرب الكلام بعضه ببعض وليفهم من شاء ما شاء، وإن كان يقصد السُّنة القولية فقد أسند لرسول الله مهمة لم يُرسل بها، فما كان رسول الله مُشرعا، إنما كان مبلغا ومبينا وبشيرا ونذيرا:
((مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ *)).سورة المائدة آية رقم : (99) .
وقال تعالى: (( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ *)).سورة النحل آية رقم : (44) .
فكيف بعد تلك الآيات نقول بأن السُّنة القولية تستقل بالأحكام الإيمانية؟، أي تكون ناشئة لحكم يخضع له الناس في إيمانهم؟!.
هذا فضلا عن أن عذاب القبر ليس حكما تشريعيا حتى يقول ذلك الشيخ الشهير مقالة الإمام الشوكاني، ويضعها بغير موضعها، فعذاب القبر قضية إيمانية وليست حكما بفريضة ولا سُنة، فالحاكم له أن يُشرِّع من الأحكام ما يفي بمصلحة العباد، فكيف ننكر ذلك على أقوال الرسول – عليه الصلاة والسلام - ؟، لكن للإيمانيات شأن آخر عجز الشيخ عن إدراكه.
كما عجز الشيخ الشهير عن إدراك الفرق بين النظر والرؤية والبصر، فلم يفرق بينهم، وكم أشفقت عليه وعلى عقله وقد عجز عن إدراك تناقض مقاله، وعجز عن كشف إشراكه الذي أوقعه به إبليس، فقد قال نقلا عن شيخه بن القيم في معرض ذكره أنواع السُّنة النبوية، بأن [ هناك سُنة موجبة لما سكت القرءان عن إيجابه، أو محرمة لما سكت القرءان عن تحريمه ] ...ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن لا يصدق فعليه بتسجيل برنامج (جبريل يسأل والنبي يجيب) بقناة الرحمة، فليرجع إليه ليدرك حجم الإشراك لمن يزعم الوحدانية والحكم لله، وتكلم الشهير فقدَّم العلم على العقل، ولم يدرك أن العلم نتاج العقل، فما يمكن لمجنون أن يكون عالما، لكن العكس صحيح، وبرهن على مقاله في ذلك بأن لله اسم (العليم)، ولا يوجد لله اسم يسمى (العاقل)، وهو مما يجعل الإنسان يشفق على مثل تلك العقول النقلية التي لا تتحرك عن أقوال وجهد الأجداد من السلف، بل تراه فقد الهداية وهو يفرح بالعلم.
وتكلم عن أن النقل ضرورة لإدراك الفقه، لكن لا يمكن الاكتفاء بالعقل لإدراك الأمور، وأوافقه لكن مع التعديل، لأن القرءان منقول لنا ومع ذلك أمرنا ربنا أن نتفكر ونعمل عقولنا فيه، وطالما أعملنا العقول في القرءان فلماذا لا نُعمل العقول بالسُّنة النبوية القولية التي لم يتعهد الله بحفظها، والتي اختلف رواتها؟، فهذا ثبت عنده الحديث لكنه لم يثبت عند الآخر، وهذا حديث حسن، وآخر حسن صحيح، وثالث صحيح، ورابع ضعيف، وخامس مرسل، ومعلول إلى ستين نوعا، فكيف يكون المختلف فيه من الإيمانيات؟، وكيف نتعبد الله بحسن وصحيح وضعيف أيكون ذلك من الإيمانيات الواجبة!؟.
وهم لا يقولون لك أبدًا أن البخاري ومسلم حين ذكرا حديث: [ تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله ]، لم يذكرا أبدًا كلمة (وسنتي) التي يحلو لدعاتنا القول بها نقلا عما انفرد به مالك، إني أراهم وهم يُفسدون عقول الناس ويمنعون أدمغتهم أن تنطلق من وصايتهم وعقالهم اللعين، وأراهم يعزفون لكم لحنا في الدين ولا يريدون لكم أن تسمعوا غيره.
ورأيته وهو يقول كلمة الحياة البرزخية، إن هؤلاء الأشياخ عبثوا بمعاني كلمات القرءان خارج الأُطر والموضوعية القرءانية، لأنهم يؤصِّلُون في الناس كلمة حياة البرزخ، بينما لا يوجد شيء اسمه البرزخ يحيا الناس فيه، فالبرزخ هو الحائل والفاصل، وليس مكانا نذهب إليه ونعيش فيه بهذا الاسم، لقوله تعالى:
(( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ *)).سورة المؤمنون آية رقم : (100) .
ويقول تعالى:
((بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ *)).سورة الرحمن آية رقم : (20) .
ولن يسعفني الوقت ولا الصفحات لأتتبع هذا الشيخ وأمثاله في تُرَّهاتِهم للرد عليها، لكن عزائي أن تلامذته ـ وقد سمعوه ـ سيقرءون كتابي هذا، ويوما ما سيفيقون من إغماءة المخدر الذي وضعه فقهاء جهل الناس في الناس، فما كان لهؤلاء أن يكونوا فقهاء إلا بجهل كثير من الناس وتوقف عقولهم عن العمل، فهم فقهاء بالصدفة، ويزعمون بأننا نعادي النقل، بينما نحن نذم من توقف عن تطهير المنقول البشري الذي يمكن تطهيره، وننادي أن يتم التطهير بالعقل وآليات اليوم.
والذين ينادون بكل فقه السلف، ويؤثمون كل من حاول نقد فقه الأسلاف، هم في الحقيقة ليسوا بفقهاء، فالفقيه هو من يستنبط الأحكام، ويُعمل العقل، أما هؤلاء فهم مجرد نَقَلَة لتراث بكل ما فيه، ومهما كان ما فيه، ولا يهمهم وهم في ذلك الهدير إلا أن يكونوا على فقه السلف، وكأن السلف هم أهل العصمة بينما نحن نُمَثِّل الخطيئة في نظر وعقول هؤلاء الناقلين بلا تعقل.
بحث فقهي:مع سرد وتخريج للأحاديث المزعومة عن القبر وعذابه
بالبداية أود أن يعلم القارئ أن هذا الجزء من الدراسة لمن تعوَّد المُدارسة الفقهية، فالعوام والذين لا همَّ لهم إلا الطعن في جهد الآخرين بلا علم إلا من قلوب طيبة يملكونها، قد يجدون صعوبة في تتبع وتذوق وإدراك قيمة المعاني العلمية الواردة بذلك الجزء، لكن حسب الجميع أن يتبع أحسن القول كما أمر الله جل في علاه.
ولقد اعتدنا على تناقض الروايات المنسوبة لرسول الله – عليه الصلاة والسلام - ، واعتدنا على اختلافات أئمة الحديث والفقه، ورجمهم من يقول بتناقض بعض الأحاديث مع القرءان بعدم الدراية وبالقصور العلمي، لذلك أنقل للقارئ الكريم بعضا من فقههم بخصوص الأحاديث الواردة بعذاب القبر، ثم تخريجًا لبعض الأحاديث الواردة بالصحيحين (البخاري ومسلم)، من خلال علم الجرح والتعديل الذي ينتهجه أئمة علم الحديث، ليقف القارئ على حقيقة وأصل ما يعتنقه من فكر.
لكن أوضح بالبداية أن الحديث النبوي مهما صحت درجته، ومهما تم تدوينه بكتب الصحاح، فلا يؤخذ به ولا يعتمد عليه لاستخراج أحكام الإيمان والعقائد، وقد أوضحنا ذلك بالفصل الأول من تلك الدراسة، كما أن فقهاء الحديث اعتمدوا لصحة الحديث أن يكون سنده صحيحا، فهم بذلك يحكمون على صحة المتن، وهو الأمر المخالف للسوية الفكرية، إذ ان صحة المقولة هي التي تُبين صدق القائل وليست شهرة الراوي بالصدق هي التي تجعلنا نحكم صدق كل مقولة تصدر عنه، لكن اعتماد الأمة عكس ذلك النهج دهورا أفقد الكثير من مناهجنا الرشاد.
ولابد أن نعلم أن التصور القرءاني هو أصدق تصور لما يحدث بالحياة وما يحدث بالممات وبعده، وليثق كل منا ويعيد إيمانه بالآية الكريمة التي قال تعالى فيها:
((وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ *)).سورة الأنعام آية رقم : (38) .
والآية الكريمة:
((وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا *)).سورة النبأ آية رقم : (29) .
وليس هناك كتاب بعد كتاب الله يمكن الاعتماد عليه في شأن العقائد، والله عز وجل لم يجعل الإيمانيات مُجَهَّلَة يستنبطها من يستنبطها ويجهلها من يجهلها، ولم يتركها لرسوله ليبينها في علم الحديث الذي نهى – عليه الصلاة والسلام - الصحابة عن كتابته، وهو النبي الصادق القائل:[من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا]، وهو القائل: [من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار]، وقد قال الله تعالى للصحابة وللناس جميعا:
((وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ*)).سورة آل عمران آية رقم : (144) .
وفيما يلي نبدأ التأصيل والتخريج للأحاديث النبوية التي دونت بعد وفاته – عليه الصلاة والسلام - بمائة وخمسين سنة لكن بعد شرح لأمر معضل.
الـتدليـس
لست أدري كيف استساغ فقهاء علم الحديث واعتمدوا روايات المدلسين، بل ووضعوا رواياتهم ضمن الصحاح ويقولون عن أحدهم أصح كتاب بعد كتاب الله، فهل يكون التدليس ورواياته أصح الكلام؟!.
والتدليس في اللغة مصدر الفعل (دلس)، ويقال دلس البائع أي كتم عيب سلعته، وأصله مأخوذ من الخديعة، أو الظلمة التي لا يهتدي من فيها إلى الصواب.
ومعنى التدليس في علم الحديث [هو إخفاء عيب في الإسناد لتحسين ظاهره]، والمدلِّس هو الراوي الذي يفعل ذلك، والمدلََّس هو الحديث الذي فيه تدليس، ومن كثرة المدلسين في الرجال الذين تم نقل الحديث النبوي عنهم فقد قسمه فقهاء الحديث إلى أنواع لتحسين صورة البعض، ويكفيك أن تعلم أن ابن حجر قد صنف البخاري بالمدلس، لأنه نقل الحديث عن مجاهيل فقال في صحيحه (عن فلان) ولم يذكر اسم فلان هذا، ومع ذلك وللعجب أن يقوم الفقهاء بتحفيظنا أنه أصح كتاب بعد كتاب الله.
وقد قال بعض فقهاء الحديث إن التدليس هو الكذب، وقد قسم الفقهاء التدليس إلى أنواع كثيرة يجمعها قسمان رئيسيان هما:
تدليس الإسناد: تدليس الشيوخ:
وقد استقبحه علماء الحديث، وأنكروه بشدة على المدلسين، وأشد قبحا عندهم تدليس التسوية، وهو فرع من تدليس الإسناد، وتجد أحاديث عذاب القبر وقد عجَّت بالمدلسين.
ولمزيد من المعلومات عن التدليس والمدلسين يمكن الرجوع إلى كتب الخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هـ، وإلى كتاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة 852 هـ في كتابه تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس، وكتاب عبد الرحمن بن أبي بكر الشهير بالسيوطي تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، وكتاب مقدمة ابن الصلاح لمؤلفه ابن الصلاح (أبو عمرو عثمان) تحقيق الدكتورة عائشة عبد الرحمن طبعة دار المعارف عام 1411هـ.
حكم رواية المُدلِّس :
اختلف العلماء حول رواية المدلس ( تدليس الإسناد ) على ثلاثة أقوال :
القول الأول : رد خبر المدلس مطلقاً، سواءٌ صرح بالسماع أو لم يصرح، أو دلس عن الثقات أو عن الضعفاء، وهو قول بعض أصحاب الحديث وفريق من الفقهاء، وهو ما أتبناه في كتابي هذا .
القول الثاني: قبول خبره مطلقًا، صرح بالسماع أو لم يصرح، وقال به جمهور من قبلَ رواية المراسيل في الحديث .
القول الثالث: التفصيل: تُقبل إذا صرح بالسماع أو ما يقوم مقامه، وإلا فترد روايته، وقال بذلك الشافعي والخطيب البغدادي وابن الصلاح وأبو الحسن ابن القطان والنووي وابن حجر ومن جاء بعده، وهو الذي عليه العمل في عصرنا.
وإليك فيما يلي باقة من الروايات المنسوبة زورًا لسيد الثقلين – عليه الصلاة والسلام - والتي دخلت على الأمة فاعتنقت فقه القبور في أفكارها، وتركت كتاب ربها لأجل تلك الروايات، وقامت بتأويل نصوص بعض الآيات لتتناغم مع روايات العذاب، وليتخيل القارئ أنه تم حصر الأحاديث عن فقه القبور والمنسوبة زورا للنبي فوجدت كما يلي:ـ
عدد أحاديث عذاب القبر في الكُتُب التسعة:
أولا - روايات عذاب القبر في مصنف البخاري وعددها (32) رواية :
ثانيا - روايات عذاب القبر في مُصنف مسلم وعددها (33) رواية :
ثالثا - روايات عذاب القبر في مصنف الترمذي وعددها (18) رواية :
رابعا - روايات عذاب القبر في مصنف النسائي وعددها (67) رواية :
خامسا – روايات عذاب القبر بمُصنف أبي داود وعددها (15)رواية :
سادسا - روايات عذاب القبر في مُصنف ابن ماجة (14) رواية :
سابعا - روايات عذاب القبر في مُصنف أحمد بن حنبل (114) رواية :
ثامنا - روايات عذاب القبر في مُصنف مالك وعددها (4) روايات فقط
تاسعا - روايات عذاب القبر في مصنف الدارمي وعددها (4) روايات:
أهم النتائج التي خلص إليها علماء الحديث
أولاً : التدليس طعنٌ في المروي لا في الراوي .
ثانياً : أحاديث المدلسين في صحيح البخاري غير طاعنة في شرط الصحة ، وذلك لأن احتمال الانقطاع قد زال ، إما بإثبات التصريح بالسماع للمدلس المعنعن الذي لا تُقبل روايته إلا بذلك ، أو ما يقوم مقام التصريح بالسماع من اعتبارات قبول عنعنة المدلس .
ثالثاً : روايات المدلسين في صحيح البخاري تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : أحاديث المدلسين الذين لا تضر عنعنتهم مطلقاً ، وهي كالتالي :
المرتبة الأولى : عدد الرواة : 18 راويا، عدد الـروايات : 1860 رواية .
المرتبة الثانية : عدد الرواة : 21 راويا، عدد الروايات : 3006 روايات
القسم الثاني : أحاديث المدلسين الذين لا تُقبل أحاديثهم المعنعنة إلا إذا جاء مصرحاً بها بالسماع أو باعتبارات تقوم مـقام التصريح بالسماع، وهي كالتالي :
المرتبة الثالثة : عدد الرواة : 23 راويا، عدد الأحاديث المصرح فيها بالسماع : 547 حديثا، عدد الأحاديث المعنعن فيها : 796 حديثا، نسبة الأحاديث المعنعنة : 59.27 % ، مجموع الأحاديث : 1343 حديثا .
المرتبة الرابعة : عدد الرواة : 6 رواة، عدد الأحاديث المصرح فيها بالسماع 37 حديث، عدد الأحاديث المعنعن فيها : 26 حديثا، نسبة الأحاديث المعنعنة : 41.26 % ، مجموع الأحاديث :63 رواية .
رابعاً : نسبة أصحاب المرتبتين الأولى والثانية الذين لا تضر عنعنتهم مطلقاً ( 57.3 % ) من عدد المدلسين في صحيح البخاري .
خامساً : مجموع المدلسين في صحيح البخاري من كل المراتب ( 68) مدلساً، علماً بأن عدد المدلسين الذين ذكرهم الحافظ بن حجر (152) مدلساً ، أي ما نسبته ( 44.7 . ( %
وسوف أسرد لك بعضا من تلك الرِّوايات التي اشتهرت على ألسنة الدعاة والعامة على السواء، لتعلم من أي مغترف يغترف دعاتنا علومهم، وكيف يتم إضلال الأمة باسم (حديث صحيح)، ومرفق بكل حديث رواته ودرجته من الضعف أو الوضع، وذلك مما يلي:ـ
1ـ أبدأ بما بدأ به شيخ محدثي العصر الحديث، الشيخ/محمد ناصر الألباني ـ يرحمه الله ـ في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وقد دونت الأحاديث بأرقامها وكلماتها بالكتاب، وذلك فيما يلي:ـ
563 - ( موضوع )
[ادفنوا موتاكم وسط قوم صالحين، فإن الميت يتأذى بجار السوء كما يتأذى الحي بجار السوء].
966 - ( منكر )
[من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة ] ( منكر بهذا اللفظ) وقد روي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ [ لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر] رواه مسلم وأصحاب السنن إلا الترمذي والطحاوي وغيرهما.
1021 - ( باطل )
[ من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ].
1147 - ( منكر )
[ إذا مررت عليهم ( يعني أهل القبور ) فقل : السلام عليكم يا أهل القبور من المسلمين والمؤمنين أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. فقال أبو رزين: يا رسول الله أو يسمعون؟، قال: ويسمعون ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا أو لا ترضى يا أبا رزين أن يرد عليك ( بعددهم من ) الملائكة؟].
1166 - ( ضعيف ) [من مات فقد قامت قيامته ] . ( ضعيف ).
1782 - ( موضوع )
[اتقوا البول، فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر].
4990 - ( موضوع )
[ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت طلق ذلق : يا بن آدم كيف نسيتني ؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق إلا من وسعني الله عليه ؟ القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار].
4085 - ( ضعيف )
[ كبروا على موتاكم بالليل والنهار أربع تكبيرات ]
- " إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه " وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه ".
أخرجه الشيخان وأحمد من حديث ابن عمر، والرواية الأخرى لمسلم وأحمد ورواه ابن حبان في صحيحه (742) من حديث عمران بن حصين نحو الرواية الأولى.
7 - " من ينح عليه يعذب بما نيح عليه (يوم القيامة) "
(1) في هذا الحديث بيان أن البكاء المذكور في الحديث الذي قبله، ليس المراد به مطلق البكاء، بل بكاء خاصا وهو النياحة، وقد أشار إلى هذا حديث عرم المتقدم في الرواية الثانية، وهو قوله: " ببعض بكاء...".
ثم إن ظاهر هذا الحديث واللذين قبله مشكل، لأنه يتعارض مع بعض أصول الشريعة وقواعدها المقررة في مثل قوله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى"، وقد اختلف العلماء في الجواب عن ذلك على ثمانية أقوال، وأقربها إلى الصواب....(راجع الاختلافات بالمرجع المذكور، ثم انظر هل تكون الاختلافات في العقائد لدرجة ثمانية أقوال، وهل تصح بذلك عقيدة؟!!!).
2ـ ثم أتناول بالكتابة فيما يلي سرد ما نشرته مجلة التوحيد الناطقة باسم جماعة أنصار السُّنة المحمدية، بالعدد الصادر في شهر شوال لعام 1430 هجرية، سبتمبر 2009م العدد رقم: (454) صـ (53- 56) وذلك فيما يلي:ـ
رواية نداء القبر يوميًا على ابن آدم :
نواصل في هذا التحذير تقديم البحوث العلمية الحديثة للقارئ الكريم لبيان حقيقة هذه القصة التي اشتهرت على ألسنة القصاص والوعاظ، ومما زادها شهرة التحدث بها عند تشييع الجنائز، وإلى القارئ الكريم تخريج وتحقيق هذه القصة (قصة نداء القبر يوميًا على ابن آدم).
أولاً: متن القصة
رُوِيَ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال [خرجنا مع رسول الله في جنازة فجلس إلى قبر منها، فقال ما يأتي على هذا القبر من يوم إلا وهو ينادي بصوت طَلِقٍ ذَلِقٍ يا ابن آدم كيف نسيتني، ألم تعلم أني بيت الوَحْدَة، وبيت الغربة، وبيت الوحشة، وبيت الدود، وبيت الضيق إلا من وسَّعني الله عليه] ثم قال النبي: [ القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار ] اهـ.
ثانيًا: التخريج
أخرجه الطبراني في الأوسط ح قال حدثنا مسعود بن محمد الرملي قال حدثنا محمد بن أيوب بن سُوَيْد قال حدثنا أبي قال حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال وذكر القصة.
ثالثًا: التحقيق
هذه القصة واهية، والخبر الذي جاءت به موضوع ومن الغرائب النسبية حيث قال الإمام الطبراني في «المعجم الأوسط» «لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا أيوب بن سويد تفرد به ابنه» اهـ.
قُلْتُ نستنتج من قول الإمام الطبراني أن في الخبر غرابتين نسبيتين
الأولى الخبر غريب عن الأوزاعي لم يروه عنه إلا أيوب بن سويد
الثانية وهذا الخبر أيضًا غريب عن أيوب بن سويد تفرد به عنه ابنه محمد. وهذه الغرابة المزدوجة هي أساس الوضع في هذه القصة، حيث بيَّن ذلك الإمام ابن حبان في كتابه «المجروحين» فقال «محمد بن أيوب بن سويد الرملي يروي عن أبيه عن الأوزاعي الأشياء الموضوعة لا يحل الاحتجاج به ولا الرواية عنه» اهـ.
قلت والموضوع اصطلاحًا هو الكذب المختلق المصنوع المنسوب إلى رسول الله ، ورتبته «هو شر الأحاديث الضعيفة وأقبحها لذلك نجد أن هذا الخبر مسلسل بالعلل.
العلة الأولى: محمد بن أيوب بن سويد الرملي فقد أورده الإمام الذهبي في «الميزان» وقال محمد بن أيوب بن سويد الرملي عن أبيه وغيره ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان لا تحل الرواية عنه قال أبو زرعة رأيته قد أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة، وأورده الإمام الدارقطني في كتابه «الضعفاء والمتروكين» ت وقال محمد بن أيوب بن سويد الرملي ضعيف، وأورده الحافظ بن حجر في «لسان الميزان» قال: «محمد بن أيوب بن سويد الرملي عن أبيه وغيره ضعفه الدارقطني وقال ابن حبان لا تحل الرواية عنه قال أبو زرعة رأيته أدخل في كتب أبيه أشياء موضوعة»
قلت وبهذا يكون الحافظ بن حجر قد أقر قول الإمام الذهبي في محمد بن أيوب بن سويد الرملي، ثم زاد الحافظ بن حجر عليه بأن نقل قول الإمامين الحاكم وأبي نعيم في محمد بن أيوب بن سويد «قال الحاكم وأبو نعيم روى عن أبيه أحاديث موضوعة» .
العلة الثانية: أيوب بن سويد أبو مسعود الرملي
قال الإمام العقيلي في «الضعفاء الكبير» أيوب بن سويد أبو مسعود الرملي حدثنا عبد الله بن محمد المروزي قال حدثنا أحمد بن عبد الله بن بشير المروزي قال حدثنا سفيان بن عبد الملك قال سمعت ابن المبارك يقول أيوب بن سويد اِرْمِ بِهِ.
قال الإمام البخاري في «التاريخ الكبير» ت أيوب بن سويد ليس بثقة
وأقر هذه الأقوال الإمام الذهبي في «الميزان» وقال «أيوب بن سويد الرملي أبو مسعود ضعفه أحمد وغيره، وقال النسائي ليس بثقة، وقال ابن معين ليس بشيء، وقال ابن المبارك ارم به، وقال البخاري يتكلمون فيه» اهـ.
العلة الثالثة: تدليس يحيى بن أبي كثير
قال الحافظ بن حجر في «التقريب» يحيى بن أبي كثير الطائي مولاهم أبو نصر اليماني يدلس ويرسل اهـ.
وأورده الحافظ بن حجر أيضًا في «طبقات المدلسين» المرتبة الثانية رقم وقال يحيى بن أبي كثير اليماني من صغار التابعين حافظ مشهور كثير الإرسال ويقال لم يصح له سماع من صحابي ووصفه النسائي بالتدليس اهـ.
وأورده الإمام السيوطي في «أسماء المدلسين» رقم وقال «يحيى بن أبي كثير مشهور بالتدليس ذكره النسائي» اهـ.
قُلْتُ وبالرجوع إلى السند نجد أن يحيى بن أبي كثير عنعن ولم يصرح بالسماع، ولقد بين الحافظ بن حجر في شرح النخبة النوع حكم التدليس فقال «حكم من ثبت عنه التدليس إذا كان عدلاً أن لا يُقبل منه إلا ما صرح فيه بالتحديث على الأصح» اهـ.
بهذا التحقيق يتبين أن قصة «نداء القبر يوميًا على ابن آدم» قصة واهية وخبرها تالف مسلسل بالعلل من الوضاعين والمتروكين والمدلسين.
رابعًا: طريق آخر تالف لذات القصة هناك طريق آخر تالف جاءت به أكثر جمل هذه القصة الواهية رُوي عن أبي سعيد عن رسول الله قال [لم يأت على القبر يومٌ إلا تك...:وإلى اللقاء مع ا