اليتامى
(1) اليتيم ونزول القرآن :
اليتيم كلمة إشتـقت من الإسم يتم .. وهو ما إنفصل عنه أبوه .. ونجد أن أول ما نزل من آيات القرآن قد حمل أحكاماً تخص الأيتام .. يقول الرحمن :
( الم يجدك يتيما فاوى ) .
من قول الله يتبين أن الله يخبر رسوله محمد أنه قد وجده يتيماً فآواه وفصله فى مكان يسكنه وينفصل فيه .. وذلك يبين أن إيواء وفصل اليتيم من أحكام الله .
ويقول الله :
( فاما اليتيم فلا تقهر ) .
يأمر الله رسوله ألا يقهر اليتيم .. أى ألا يفصل لليتيم الذى مات أبوه الأذى والعذاب والإعتداء .
والقهر كلمة مشتقة من الإسم قهر .. وتعنى الفصل .. يقول الله :
( وانا فوقهم قاهرون ) فرعون يرى أنه قاهر يفصل العقاب والعذاب والجزاء السيئ للمؤمنين من بنى اسرائيل .
( وهو القاهر فوق عباده ) الله وحده هو الذى يفصل الأجر والجزاء والثواب لعباده .
ويقول الله :
( ارايت الذى يكذب بالدين فذلك الذى يدع اليتيم ) .
بين الله لرسوله أن من صفات الذى يكذب القرآن أو الدين الذى أنزله وفصله الله أنه يدع اليتيم .. أى يؤذيه ويفصل له الأذى من القول والفعل ويعذبه .
ويقول الله :
( كلا بل لا تكرمون اليتيم ) .
لقد حكم الله بإكرام اليتيم فى كتبه المنزلة .. وجعل عدم إكرامه إنفصال عن دين الله .. فالله يبين للكفار أنهم لا يكرمون اليتيم .. وإكرام اليتيم ليس كما ورد فى بعض كتب السنة بوضع اليد على رأس اليتيم وشعره .. لا .. هذا إقتراب من رجل أو أنثى محرمين على المؤمن .. ولا يجوز الإقتراب مما حرم على الإنسان .
ولكن الإكرام يعنى أن يفصل له الرزق والطعام والكسوة والإيواء والقول المعروف .
ويقول الله :
( فلا اقتحم العقبة وما ادراك من العقبة فك رقبة او اطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة او مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) .
لقد حكم الله أنه على المؤمن أن يقتحم ويفصل لله العقبة .. والعقبة هى الأعمال الصالحة المنزلة فى كتاب الله والتى تجعل الإنسان على طريق الله المستقيم الذى يفصل المؤمنين للجنة .. وجعل هذا الإقتحام بطاعة أحكام ثلاثة .. هى كما يلى :
1- فك رقبة .. وهو فصل عبد مؤمن عن قيده ليكون محرراً لوجه الله .
2- إطعام فى يوم المسغبة .. أى يوم الحصاد لما تخرج الأرض من نبات .. وهى كلمة مشتـقة من الإسم سغب .. الذى يعادل شعب بعد فصل النقاط .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) الشعب هو الجمع المنفصل عن غيره من الناس .
( انطلقوا الى ظل ذى ثلاث شعب ) ظل ممتد لثلاثة مناطق مفصولة عن بعضها .
والإطعام فى هذا اليوم يكون لجهتين هما :
[1] اليتيم ذو المقربة .. وهو اليتيم ذو القرابة للمؤمن .
[2] المسكين ذو المتربة .. وهو المسكين الذى انفصل رزقه وطعامه الذى يكتسبه عن أن يكفيه ويكفى حاجته .
3- أن يكون مؤمناً .. متواصياً منفصلاً للصبر والثبات على اتباع دين الله .. وكذلك متواصياً منفصلاً للإحسان لأولى الأرحام .
(2) اليتيم والزكاة :
يقول الله :
( يسئلونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتـامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم ) .
اليتيم هو أحد المستحقين لأموال الزكاة والصدقات .. إقرأ مقال [ الصدقات ] .
ونجد أن الله لم يذكر فى كتابه ما يعرف بيوم اليتيم .. فالأحكام التى تخص اليتامى تسرى على المؤمنين فى كل يوم لا فى يوم محدد .
(3) اليتيم والغنائم :
يقول رب العرش العظيم :
( واعملوا انما غنمتم من شى فان لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )
ولليتيم حق ثـابت فى الغنائم .. أنظر مقال [ الغنائم ] .
(4) اليتيم والفئ :
يقول الرحمن :
( ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتـامى والمساكين وابن السبيل ) .
ولليتيم نصيب كبير فى توزيع الفئ على الرسول من أهل القرى .. أنظر مقال [ الغنائم ] .
(5) اليتيم والميراث :
يقول الله :
( واذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ) .
إذا حضر اليتيم تـقسيم وتوزيع الميراث للمتوفى فله أن يرزق من هذا الإرث .. وله أن يقال له قـولاً معروفاً .. أنظر مقال [ الميراث ] .
(6) اليتيم وبنو إسرائيل :
يقول العظيم الخبير :
( واذ اخذنا ميثاق بنى اسرائيل لا تعبدون الا الله وبالوالدين احسانا وذى القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا واقيموا الصلاة واتوا الزكوة ثم توليتم الا قليلا منكم وانتم معرضون ) .
أخذ الله عهداً من بنى إسرائيل يفصل ويحكم فى أمرهم .. عهد وافقوا عليه كحكم بينهم نزل عليهم فى التوراة والإنجيل وهو يماثـل حكم الله فى القرآن .. لا إختلاف .. كان كما يلى :
(1) ألا يعبدوا إلها غير الله .. أى ألا يشركوا به شيئاً .
(2) الإحسان وفصل الرزق والمال للأشخاص التاليين :
1- الوالدان .. وهما الأب والأم .
2- الأقارب .
3- اليتـامى .
4- المساكين .
(3) أن يقولوا للناس قولاً حسناً .. أى الأمر بما حكم الله فى كتـابه .
(4) إقامة الصلاة .
(5) إيتـاء الزكاة .
ولكنهم إنفصلوا بإعراضهم عن هذا الميثاق .. ولم يتبعه حقا إلا القليل .. القليل دائماً هم المتبعون لله على مر العصور .. والقليل دائماً هم المؤمنون .
لليتيم حق فى كل رسالات الله عند الناس .. له أن يرزق ويكرم ويحسن اليه .
(7) رضاعة ونفقة اليتيم :
يقول الله :
( وعلى الوارث مثل ذلك ) .
بين الله أن الأب هو الذى ينفق ويفصل أجر إرضاع إبنه سواء للأم المطلقة أو للمرضعة التى ترضعه .. أما فى حالة وفاة الأب فإن من يرث هذا الأب هو الذى يدفع مقابل الإرضاع سواء للأم أو للمرضعة المستأجرة .. إقرأ مقال [ الأبناء ] .
وبعد إنتهاء مدة الرضاعة يستمر الوارث للأب فى الإنفاق على اليتيم .. يقول الله :
( وابتلوا اليتامى ) .
وإبتلاء اليتامى هو فصل الرزق والطعام والكسوة لهم فى الصغر .
(8) أموال اليتامى :
يقول الله فى كتابه :
( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هى احسن حتى يبلغ اشده ) .
( واتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تاكلوا اموالهم الى اموالكم انه كان حوبا كبيرا ) .
( وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان انستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم ولا تاكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فلياكل بالمعروف فاذا دفعتم اليهم اموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) .
يتبين من الأحكام السابقة ما يلى :
(1) فيما يتعلق بمال اليتيم .. فقد كان الرجل يموت وله أبناء ذكور أو إناث فيقوم أحد المؤمنين الوارثين للأب بحمل إرث الأبناء كأمانة عنده حتى يكبروا .. ويقوم هذا المؤمن بالإنفاق عليهم خلال هذه المدة .. هؤلاء اليتامى هم من نزل فيهم هذا الحكم .
(2) يأمر الله المؤمنين القائمين على مال اليتيم ألا يقربوه أو يفصلوا منه لأنفسهم إلا بالإحسان .. أى لا يقربوه إلا بما أمر الله فى كتابه .. لا يأخذوا منه شيئاً إلا وفقا لحكم الله .. وذلك حتى بلوغ اليتيم لعمر الأشد والذى حدده الله بعمر النكاح .. والنكاح أى قدرة اليتيم على نكاح النساء .. وهو البلوغ والقدرة على مباشرة أو إتيان إمرأة .. فمجرد البلوغ للرجل يمكنه من النكاح أو الزواج إن إستطاع ذلك بماله .
(3) بمجرد وصول اليتيم لعمر النكاح عضوياً يبقى له أن يأخذ ماله ليتمكن من النكاح أو التصرف فى ماله كيف يشاء .. ولكن على المؤمن القائم على المال أن يدرك مدى رشده أو فصله للعمل الصالح طاعة لأحكام الله .. وبالتالى مدى قدرته على إدارة أمواله بغير سفه وبما يدر النفع عليه .. يقول الله :
( وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان انستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم ) .
لقد أمر الله بإبتلاء وإكرام اليتامى .. أى فصل الرزق والكسوة والقول المعروف لهم .. ذلك حتى يصلوا لعمر النكاح .. وعند هذا العمر يتم الفصل فى أمرهم .. هل هم راشدون أم سفهاء .. لأن الرشيد له حكم والسفيه له حكم كما سيتبين .. ذلك ليفصل القائم على المال فى أمر دفع المال لهم .. هل يأخذوا مالهم أم لا .
أما مآنسة الرشد منهم فهى أن يفصل إدراك المومن رشداً نابعاً من أفعال اليتيم .. والرشد هو الهدى والإنفصال لما أمر به الله .. وذلك بفصل العمل الصالح لله .. والإنفصال لطريق الله المستقيم .. فإذا تم التأكد من رشد اليتيم فيتم دفع أمواله إليه فى حضور شهود .. لا بد أن يكون هناك شهود على عملية دفع أموال اليتيم إليه .. ودفع المال هو فصله إليهم لقول الله :
( فاذا دفعتم اليهم اموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) .
والله لم يحدد فى هذه الواقعة عدد الشهود .. ولا يمكن أن يحدد البشر عدد الشهود .. لأن التحديد الذى يحرم ما سواه سيكون شركاً فى هذه الحالة .
وقد بين الله أنه كفى به حسيبا شاهداً يشهد وينفصل لعلمه ما إنفصل من عمل الناس .
والرشد كلمة مشتقة من الإسم رشد .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( انك لانت الحليم الرشيد ) الرشيد من الناس هو الذى يفصل العمل الحسن الصالح .
( اولئك هم الراشدون ) أولئك هم الذين يفصلون لله العمل الحسن الصالح .
( وهيى لنا من امرنا رشدا ) إفصل لنا من الأمر ما فيه الخير والنفع المنفصل لنا .
( فمن اسلم فاولئك تحروا رشدا ) أولئك ينفصل لهم الأجر الكريم والجزاء الحسن .
( قل انى لا املك لكم ضرا ولا رشدا ) الرشد هو النفع والخير والأجر الكريم المنفصل لهم .
( ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا ) المرشد هو الذى يفصل الإنسان للعمل الصالح الذى أمر الله به .
(4) حكم الله فى إسلوب دفع أو إتيان أو فصل مال اليتيم إليه .. وطبيعة المال الذى ينفصل من المؤمن لليتيم .. فإذا كان مال اليتيم طيباً حسناً فيجب أن يرد له كذلك .. ولا يرد له خبيثاً .. فإذا كان ماله أرضاً تنبت ثماراً طيبة ورزقاً فيجب أن ترد هذه الأرض بنفس حالتها .. لا أن تدفع له أرضاً خبيثة لا تؤتى الثمار أو ترد أرضاً أقل جودة فى الإنبات .
وإن كان ماله أنعاماً جيدة تدر لبناً فيجب أن تدفع له هذه الأنعام .. ولا يبدلها المؤمن بأنعام مريضة أو أقل جودة .. ولا يكفى أن يدفع له عدد الأنعام من البقر والإبل والضأن والمعز التى تركها والده بعدد مثـله من الخبيث منها .. بل ترد كما هى أو مثـلها فى جودتها .
وذات التصرف يحدث إن كان المال خيلاً وبغالاً وحميراً للركوب أو ثماراً أنبتتها أرض أو غير ذلك .. يقول الله :
( واتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) .
(5) حكم الله فى إسلوب التصرف فى مال اليتيم قبل دفعه إليه .. وذلك كما يلى :
1- عدم فصل مال اليتيم وضمه إلى مال المؤمن فيأخذه ويفصله لنفسه كله ولا يعطيه منه شيئاً .. يقول الله :
( ولا تاكلوا اموالهم الى اموالكم انه كان حوبا كبيرا ) .
إن ذلك حوباً أو إنفصالاً كبيراً عن دين الله .
والحوب كلمة مشتقة من الإسم حب .. أى الفصل .. يقول الله :
( فالق الحب والنوى ) الحب هو البذر الذى ينفلق وينفصل لينبت بالزرع والثمار .
( وتحبون المال حبا جما ) حب المال هو فصله للنفس .
( ان هولاء يحبون العاجلة ) أى يفصلونها ويفضلونها على الآجلة .
( فاتبعونى يحببكم الله ) حب الله لإنسان هو فصله وتفضيله على الآخرين بالهداية .
2- عدم الإسراف والتبذير فى التصرف فى مال اليتيم بحيث يفنى هذا المال قبل أن يكبر ويصل لعمر النكاح .. يقول الله :
( ولا تاكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا ) .
الإسراف والبدار هما فصل المال وإخراجه دون حق .. أو دون حاجة حقيقية .. والبدار كلمة مشتقة من الإسم بدر .. الذى يعادل بذر بعد نزع النقاط .. ويعنى الفصل .. وهو الذى إشتق منه لفظ التبذير .. أى الإسراف .. يقول الله :
( ولا تبذر تبذيرا ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين ) .
فالمبذر أو المبدر هو من انفصل عن الحد فى الإنفاق .
3- بالنسبة للعلاقة المباشرة بين المؤمن الوارث للأب ومال اليتيم فذلك يتوقف على مدى ثراء المؤمن نفسه .. وهنا توجد حالتين :
أ- المؤمن غنى :
أى أن المؤمن معه مال يكفيه ويفصله ويغنيه عن مال اليتيم .. فعليه أن يستعفف أى ينفصل عن الأكل من مال اليتيم تماماً .. لا يأخذ منه شيئاً .
ب- المؤمن فقير :
أى أنه يحتاج لمال إضافى لأن ماله لا يكفيه .. حكم له الله أن يأكل من مال اليتيم بشرط أن يكون أكله بالمعروف .. بما أنزل الله .. بما يفصل حاجته ويسد فقره دون أى إسراف أو تبذير .. يقول الله :
( ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فلياكل بالمعروف ) .
ذلك هو القسط أو العدل أو الحكم المفصول من الله للمؤمنين فى معاملة مال اليتيم .. يقول الله :
( وان تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما ) .
فلقد أمر الله بالقسط مع اليتامى .. وبين للمؤمنين أن ما يفعلوه من خير أمر به الله فإن الله يعلمه ويجزيهم عليه .
(9) الإصلاح والمخالطة :
يقول الرحمن :
( ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم ان الله عزيز حكيم ) .
يحكم الله بما يلى :
(1) حين سأل المؤمنون رسول الله عن اليتامى أنزل الله هذا القول .
(2) حكم الله بالإصلاح فى أمرهم .. أى معاملة أموالهم بما أنزل الله .. فالأفضل والخير عند الله هو الإصلاح والفصل .. وذلك بفصل أموال اليتامى عن أموال المؤمن .
(3) أنه ليس معنى عدم الأكل من أموالهم أن يكون هناك إنفصال فى معاملتهم .. هذا ليس المقصود من حكم الله .. فهم مؤمنون مثلهم يعبدون الله .. إخوان لهم .. يشتركون فى أهم طريق بحياة الإنسان وهو الطريق المستقيم .. فلا حرام من المخالطة .. أى الإنفصال لهم .. والتوجه نحوهم توجه الإنسان تجاه أخيه .. يأكل فى بيته .. معه أو بمفرده .. اليتيم المؤمن مع المؤمن كالأخ .
(4) أن الله يعلم تماماً من هو مفسد منفصل عن دينه يسيئ معاملة اليتيم ويفصل له الأذى ويأكل ماله .. ويعلم المصلح المنفصل لحكمه .. والذى يقوم لليتيم بالقسط والعدل .. فلا داعى أن ينفصل هذا المصلح عن اليتيم خشية أن يأكل من ماله دون قـصد .. بل يمكن للمؤمن الحق أن يخالط اليتيم دون أن يأكل من ماله شيئاً .
(5) أن الله لو شاء وفصل وفضل لأعنتهم .. أى فصل لهم الجزاء السيئ والعقاب والعذاب إن كانوا مفسدين منفصلين عن دينه .. ولا يكرمون اليتيم .
والله عزيز حكيم .
والعنت كلمة مشتقة من الإسم عنت .. الذى يعنى الفصل .. يقول الله :
( وعنت الوجوه للحى القيوم ) إنفصلت وجوه الناس متوجهة لله وحده .
( لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم ) عزيز عليه ما إنفصلتم له .. وهو دين الله .
(10) عقاب الآخرة :
يقول الجبار :
( ان الذين ياكلون اموال اليتامى ظلما انما ياكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ).
(1) هذا حكم الله فى من أكل مال اليتيم ظلماً .. لأن الله أحل للفقير أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف دون إسراف كما بين حكم الله السابق .. فهذا الحكم لمن أكل بالظلم دون فقر .
(2) عقاب من فعل هذا ما يلى :
1- يأكل يوم القيامة فى بطنه النار .
2- يتصل وينفصل بنار السعير تحرقه إلى الأبد .
ونار السعير قال فيها الله :
( وقالوا لو كنا نسمع او نعقل ما كنا فى أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير ) .
والسحق فيها هو الإنفصال إليها بالخلود الأبدى .
(11) السفهاء :
( أولاً ) معنى السفهاء :
السفهاء كلمة مشتقة من الإسم سف .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها ) السفهاء هنا هم المنفصلون عن الرشد .. ولكن الرشد هنا هو الإيمان .. فهم منفصلون عن الإيمان .
( فلعلك باخع نفسك على اثارهم ان لم يومنوا بهذا الحديث اسفا ) أسفا أى حزناً وعذاباً منفصلاً له .
( فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا ) أسفا أى حزناً وعذاباً منفصلاً له .
( وقال يا اسفى على يوسف ) اسفى أى ويلى وحزنى وعذابى المنفصل لى .
( فلما اسفونا انتقمنا منهم ) اسفوا الله أى فصلوا له الأذى والقول والعمل السيئ .
( يوسف ايها الصديق ) يوسف أى المنفصل المفضل عمن سواه .
( ثانياً ) أموال السفهاء :
يقول الله فى كتابه العزيز :
( ولا توتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قيـاما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ) .
يتبين من حكم الله ما يلى :
(1) أنه عند ابتلاء اليتامى إذا بلغوا النكاح قد لا يأنس المؤمن منهم رشداً .. بل يأنس ويفصل منهم سفهاً .. أى انفصالاً عن الرشد .. وهو هنا يعنى عدم قدرة اليتيم على ادارة أمواله بشكل يجلب له النفع والخير .. الأمر الذى يجعل فصل ودفع المال له محرماً من الله .
(2) حكم الله أنه إذا آنس المؤمن القائم على مال اليتيم منه سفهاً حال ابتلائه فعليه ألا يؤتى ويفصل لليتيم المال الذى جعله الله قائم عليه .
ويتبين من قول الله ( اموالكم ) أن الله جعل مال اليتيم فى هذه الحالة مالاً للمؤمن نفسه .. لأنه هو المتحكم فيه .. ينفق منه أو يفصل .. وهو بذلك قائم على هذا المال .. أى يفصله عن غيره لنفسه .. وينفق منه إذا أراد .
(3) أن فصل المال عن السفهاء لا يعنى حرمانهم من الإستـفادة بهذا المال .. فالفصل عنهم جاء لأن المال معهم قد ينفصل ويضيع لما بهم من سفه فلا تصل منفعته إليهم .. والله يريد أن تصل منفعة هذا المال إليهم .. فأمر المؤمنين أن يفعلوا تجاه هؤلاء السفهاء ما يلى :
1- إطعام السفهاء من هذا المال .. وذلك رزقهم .
2- كسوة السفهاء من هذا المال .. أى الملبس والثياب .
3- أن يقولوا لهم قولا معروفاً .. كما أنزل الله .. يبين لهم طريق الله .. ويهيدهم .
ويقول الله :
( والمستضعفين من الولدان وان تـقوموا لليتـامى بالقسط وما تـفعلوا من خير فان الله كان به عليما ) .
يبين الله أنه فى حكمه السابق كان يعنى بالسفهاء فئة المستضعفين من الولدان .. والمستضعف من الولدان هنا تعنى المنفصل عن الرشد منهم .
( ثالثاً ) دين السفيه :
يقول الله :
( فان كان الذى عليه الحق سفيها او ضعيفا او لا يستطيع ان يمل هو فليملل وليه بالعدل ) .
يبين الله أنه أحل للسفيه أن يستدين من الغير .. وحكم الله أن الذى عليه الحق أو المدين هو الذى يمل الكاتب .. ويمل أى يقوم بإعطاء بيانات القرض للكاتب بلسانه .. وبين أن هناك ثلاث حالات يحل فيها الله ألا يكون المدين أو المقترض هو الذى يمل الكاتب .. وهذه الحالات أولها أن يكون المقترض سفيهاً .. أى منفصل عن الرشد .. فى هذه الحالة يقوم ولى السفيه بإملاء الكاتب .. وولى السفيه هو ما يلى :
1- والده إن كان حياً .. رجوعاً لحكم ولاية أولوا الأرحام .. يقول الله :
( واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب الله ) .
2- أو القائم على ماله إن كان يتيماً .. ويمكن أن يكون أخيه .
إقرأ مقال [ الديون ] و [ الولاية ] .
(12) نكاح اليتامى :
هناك من ضمن اليتامى نساء يحفظ ويفصل لها المؤمن مالها .. ولها ذات حق اليتيم الذكر .. ولكن قد يرغب المؤمن أن ينكحها عند بلوغها عمراً مناسباً للنكاح .. وقد يكون قبل بلوغها عمر المحيض .. فلقد بينت أحكام الله وجود مطلقات لم يحضن .. إقرأ مقال [ الطلاق ] .
يقول الله :
( وان خفتم الا تقسطوا فى اليتـامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثـنى وثلاث ورباع فان خفتم الا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى الا تعولوا ) .
يبين حكم الله أنه إذا خاف المؤمن ألا يقسط فى شأن النساء اليتامى .. بمعنى أن يخاف ألا ينفصل ويتبع حكم الله بأن يعطيها أجر النكاح فعليه أن يسلك أى من المسلكين التاليين :
1- أن ينكح غيرها من النساء الحرائر فى حدود عدد معين منهن .. هو مثنى وثلاث ورباع .. فإن خاف ألا يعدل ويساوى فى مقدار أجر النكاح بينهن فعليه أن يكتفى بنكاح واحدة منهن .
2- أن ينكح أى عدد من ملك الأيمان .. حيث يقل المال المدفوع لأجر نكاحهن عن أجر نكاح الحرة .
وبين الله أن ذلك يبعد المؤمن عن الإعالة أو فقدان الرزق والمال بسبب النكاح .. إقرأ مقال [ اليتامى ] و [ النكاح ] ضمن مجموعة مقالات الزواج والطلاق .
ويقول الرحمن :
( ويستـفتونك فى النساء قل الله يفتيـكم فيهن وما يتـلى عليكم فى الكتاب فى يتـامى النساء اللاتى لا توتونهن ما كتب لهن وترغبون ان تنكحوهن ) .
يتبين من قول الله ما يلى :
(1) أن المؤمنين طلبوا من رسول الله قولاً مفصولاً وحكماً فى أمر النساء .. وهذا هو الإستـفتاء أو طلب الفتـوى والفصل فيهن .
(2) جاء حكم الإستـفتاء ليبين ما هو الظلم وعدم القسط فى أمر النساء .. فما تلى وفصل على المؤمنين فى كتاب الله بشأن القسط فى اليتامى المقصود به اليتامى من النساء اللاتى لا يؤتيها المؤمن ما كتبه الله لها من أجر النكاح ويرغب أن ينكحها .. الأولى له أن ينكح غيرها إن خاف ألا يقسط ويعدل معها ويعطيها أجر النكاح كأى إمرأة حرة .
(13) اليتيمان :
يقول الرحمن :
( واما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا فاراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن امرى ) .
هذه القصة معروضة فى مقال [ الرجل العليم ] ضمن مجموعة مقالات موسى .. وأبين هنا ما يخص اليتيمين .. حيث دخل موسى الكريم والرجل العليم فى قرية طلبوا من أهلها الإطعام فرفض القوم ذلك .. إن القوم إذاً لا يتصدقون من أموالهم لمن سألهم الطعام .. ولا ينفصلون لحكم الله .
وعندما وجدا جداراً على وشك الإنهيار قام الرجل العليم بإقامة الجدار مرة أخرى .. وكان حكم موسى الكريم أنه إن أراد الرجل العليم حق عمله فيمكنه أن يأخذ من أهل هذه القرية أجر عمله وجهده فى بناء الجدار .
تسبب موقف النبى موسى الداعى لطلب الأجر مقابل العمل فى إنفصال بينه وبين الرجل العليم الذى أخبره بأسباب أفعاله .. والتى كان من بينها إقامة جدار هاوى دون أجر فى قرية رفض أهلها إطعامهما .
كان سبب ذلك أن الله أخبره أن الجدار هو ملك لغلامين صغيرين فى تلك المدينة .. وتحت الجدار كنز ورثـاه عن أب صالح مؤمن أخفى لهما الكنز تحت هذا الجدار قبل موته حماية لهما من أهل القرية .. وعندما مر النبى والرجل العليم كان الجدار فى وضع يقترب من السقوط .. ولكن رب السماء الذى أودع النار بطن أكلة مال اليتيم أراد أن يحفظ لهما المال .. إنهما يتيمان إبنا مؤمن بالله .. فأعطى العلم للرجل العليم بهذا الغيب .. وقد إنفصل الرجل لأحكام الله فى اليتامى فبنى الجدار .. فبناء الجدار إنفصال لحكم الله لا إنفصال عنه .. لأن مال اليتيمين بذلك قد حفظ فلم يؤكل من أحد .. فإذا بلغا أشدهما أو عمر النكاح إستطاعا إستخراج الكنز من تحت الجدار المصان .. رحمة من الله بهما .
هكذا يحمى الله اليتـامى .. وقد أنزل فى القرآن حكماً ليوم القيامة يأمر فيه المؤمنين بعدم أكل مال اليتيم ودفعه إليهم إذا بلغوا النكاح والأشد .
وفى هذه القصة لم يكن هناك من يحفظ مال اليتيمين فبعث الله هذا الرجل ليحفظه .
... والله أعلى وأعلم ...
(1) اليتيم ونزول القرآن :
اليتيم كلمة إشتـقت من الإسم يتم .. وهو ما إنفصل عنه أبوه .. ونجد أن أول ما نزل من آيات القرآن قد حمل أحكاماً تخص الأيتام .. يقول الرحمن :
( الم يجدك يتيما فاوى ) .
من قول الله يتبين أن الله يخبر رسوله محمد أنه قد وجده يتيماً فآواه وفصله فى مكان يسكنه وينفصل فيه .. وذلك يبين أن إيواء وفصل اليتيم من أحكام الله .
ويقول الله :
( فاما اليتيم فلا تقهر ) .
يأمر الله رسوله ألا يقهر اليتيم .. أى ألا يفصل لليتيم الذى مات أبوه الأذى والعذاب والإعتداء .
والقهر كلمة مشتقة من الإسم قهر .. وتعنى الفصل .. يقول الله :
( وانا فوقهم قاهرون ) فرعون يرى أنه قاهر يفصل العقاب والعذاب والجزاء السيئ للمؤمنين من بنى اسرائيل .
( وهو القاهر فوق عباده ) الله وحده هو الذى يفصل الأجر والجزاء والثواب لعباده .
ويقول الله :
( ارايت الذى يكذب بالدين فذلك الذى يدع اليتيم ) .
بين الله لرسوله أن من صفات الذى يكذب القرآن أو الدين الذى أنزله وفصله الله أنه يدع اليتيم .. أى يؤذيه ويفصل له الأذى من القول والفعل ويعذبه .
ويقول الله :
( كلا بل لا تكرمون اليتيم ) .
لقد حكم الله بإكرام اليتيم فى كتبه المنزلة .. وجعل عدم إكرامه إنفصال عن دين الله .. فالله يبين للكفار أنهم لا يكرمون اليتيم .. وإكرام اليتيم ليس كما ورد فى بعض كتب السنة بوضع اليد على رأس اليتيم وشعره .. لا .. هذا إقتراب من رجل أو أنثى محرمين على المؤمن .. ولا يجوز الإقتراب مما حرم على الإنسان .
ولكن الإكرام يعنى أن يفصل له الرزق والطعام والكسوة والإيواء والقول المعروف .
ويقول الله :
( فلا اقتحم العقبة وما ادراك من العقبة فك رقبة او اطعام فى يوم ذى مسغبة يتيما ذا مقربة او مسكينا ذا متربة ثم كان من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) .
لقد حكم الله أنه على المؤمن أن يقتحم ويفصل لله العقبة .. والعقبة هى الأعمال الصالحة المنزلة فى كتاب الله والتى تجعل الإنسان على طريق الله المستقيم الذى يفصل المؤمنين للجنة .. وجعل هذا الإقتحام بطاعة أحكام ثلاثة .. هى كما يلى :
1- فك رقبة .. وهو فصل عبد مؤمن عن قيده ليكون محرراً لوجه الله .
2- إطعام فى يوم المسغبة .. أى يوم الحصاد لما تخرج الأرض من نبات .. وهى كلمة مشتـقة من الإسم سغب .. الذى يعادل شعب بعد فصل النقاط .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) الشعب هو الجمع المنفصل عن غيره من الناس .
( انطلقوا الى ظل ذى ثلاث شعب ) ظل ممتد لثلاثة مناطق مفصولة عن بعضها .
والإطعام فى هذا اليوم يكون لجهتين هما :
[1] اليتيم ذو المقربة .. وهو اليتيم ذو القرابة للمؤمن .
[2] المسكين ذو المتربة .. وهو المسكين الذى انفصل رزقه وطعامه الذى يكتسبه عن أن يكفيه ويكفى حاجته .
3- أن يكون مؤمناً .. متواصياً منفصلاً للصبر والثبات على اتباع دين الله .. وكذلك متواصياً منفصلاً للإحسان لأولى الأرحام .
(2) اليتيم والزكاة :
يقول الله :
( يسئلونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتـامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فان الله به عليم ) .
اليتيم هو أحد المستحقين لأموال الزكاة والصدقات .. إقرأ مقال [ الصدقات ] .
ونجد أن الله لم يذكر فى كتابه ما يعرف بيوم اليتيم .. فالأحكام التى تخص اليتامى تسرى على المؤمنين فى كل يوم لا فى يوم محدد .
(3) اليتيم والغنائم :
يقول رب العرش العظيم :
( واعملوا انما غنمتم من شى فان لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )
ولليتيم حق ثـابت فى الغنائم .. أنظر مقال [ الغنائم ] .
(4) اليتيم والفئ :
يقول الرحمن :
( ما افاء الله على رسوله من اهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتـامى والمساكين وابن السبيل ) .
ولليتيم نصيب كبير فى توزيع الفئ على الرسول من أهل القرى .. أنظر مقال [ الغنائم ] .
(5) اليتيم والميراث :
يقول الله :
( واذا حضر القسمة اولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ) .
إذا حضر اليتيم تـقسيم وتوزيع الميراث للمتوفى فله أن يرزق من هذا الإرث .. وله أن يقال له قـولاً معروفاً .. أنظر مقال [ الميراث ] .
(6) اليتيم وبنو إسرائيل :
يقول العظيم الخبير :
( واذ اخذنا ميثاق بنى اسرائيل لا تعبدون الا الله وبالوالدين احسانا وذى القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا واقيموا الصلاة واتوا الزكوة ثم توليتم الا قليلا منكم وانتم معرضون ) .
أخذ الله عهداً من بنى إسرائيل يفصل ويحكم فى أمرهم .. عهد وافقوا عليه كحكم بينهم نزل عليهم فى التوراة والإنجيل وهو يماثـل حكم الله فى القرآن .. لا إختلاف .. كان كما يلى :
(1) ألا يعبدوا إلها غير الله .. أى ألا يشركوا به شيئاً .
(2) الإحسان وفصل الرزق والمال للأشخاص التاليين :
1- الوالدان .. وهما الأب والأم .
2- الأقارب .
3- اليتـامى .
4- المساكين .
(3) أن يقولوا للناس قولاً حسناً .. أى الأمر بما حكم الله فى كتـابه .
(4) إقامة الصلاة .
(5) إيتـاء الزكاة .
ولكنهم إنفصلوا بإعراضهم عن هذا الميثاق .. ولم يتبعه حقا إلا القليل .. القليل دائماً هم المتبعون لله على مر العصور .. والقليل دائماً هم المؤمنون .
لليتيم حق فى كل رسالات الله عند الناس .. له أن يرزق ويكرم ويحسن اليه .
(7) رضاعة ونفقة اليتيم :
يقول الله :
( وعلى الوارث مثل ذلك ) .
بين الله أن الأب هو الذى ينفق ويفصل أجر إرضاع إبنه سواء للأم المطلقة أو للمرضعة التى ترضعه .. أما فى حالة وفاة الأب فإن من يرث هذا الأب هو الذى يدفع مقابل الإرضاع سواء للأم أو للمرضعة المستأجرة .. إقرأ مقال [ الأبناء ] .
وبعد إنتهاء مدة الرضاعة يستمر الوارث للأب فى الإنفاق على اليتيم .. يقول الله :
( وابتلوا اليتامى ) .
وإبتلاء اليتامى هو فصل الرزق والطعام والكسوة لهم فى الصغر .
(8) أموال اليتامى :
يقول الله فى كتابه :
( ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتى هى احسن حتى يبلغ اشده ) .
( واتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تاكلوا اموالهم الى اموالكم انه كان حوبا كبيرا ) .
( وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان انستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم ولا تاكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فلياكل بالمعروف فاذا دفعتم اليهم اموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) .
يتبين من الأحكام السابقة ما يلى :
(1) فيما يتعلق بمال اليتيم .. فقد كان الرجل يموت وله أبناء ذكور أو إناث فيقوم أحد المؤمنين الوارثين للأب بحمل إرث الأبناء كأمانة عنده حتى يكبروا .. ويقوم هذا المؤمن بالإنفاق عليهم خلال هذه المدة .. هؤلاء اليتامى هم من نزل فيهم هذا الحكم .
(2) يأمر الله المؤمنين القائمين على مال اليتيم ألا يقربوه أو يفصلوا منه لأنفسهم إلا بالإحسان .. أى لا يقربوه إلا بما أمر الله فى كتابه .. لا يأخذوا منه شيئاً إلا وفقا لحكم الله .. وذلك حتى بلوغ اليتيم لعمر الأشد والذى حدده الله بعمر النكاح .. والنكاح أى قدرة اليتيم على نكاح النساء .. وهو البلوغ والقدرة على مباشرة أو إتيان إمرأة .. فمجرد البلوغ للرجل يمكنه من النكاح أو الزواج إن إستطاع ذلك بماله .
(3) بمجرد وصول اليتيم لعمر النكاح عضوياً يبقى له أن يأخذ ماله ليتمكن من النكاح أو التصرف فى ماله كيف يشاء .. ولكن على المؤمن القائم على المال أن يدرك مدى رشده أو فصله للعمل الصالح طاعة لأحكام الله .. وبالتالى مدى قدرته على إدارة أمواله بغير سفه وبما يدر النفع عليه .. يقول الله :
( وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان انستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم ) .
لقد أمر الله بإبتلاء وإكرام اليتامى .. أى فصل الرزق والكسوة والقول المعروف لهم .. ذلك حتى يصلوا لعمر النكاح .. وعند هذا العمر يتم الفصل فى أمرهم .. هل هم راشدون أم سفهاء .. لأن الرشيد له حكم والسفيه له حكم كما سيتبين .. ذلك ليفصل القائم على المال فى أمر دفع المال لهم .. هل يأخذوا مالهم أم لا .
أما مآنسة الرشد منهم فهى أن يفصل إدراك المومن رشداً نابعاً من أفعال اليتيم .. والرشد هو الهدى والإنفصال لما أمر به الله .. وذلك بفصل العمل الصالح لله .. والإنفصال لطريق الله المستقيم .. فإذا تم التأكد من رشد اليتيم فيتم دفع أمواله إليه فى حضور شهود .. لا بد أن يكون هناك شهود على عملية دفع أموال اليتيم إليه .. ودفع المال هو فصله إليهم لقول الله :
( فاذا دفعتم اليهم اموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) .
والله لم يحدد فى هذه الواقعة عدد الشهود .. ولا يمكن أن يحدد البشر عدد الشهود .. لأن التحديد الذى يحرم ما سواه سيكون شركاً فى هذه الحالة .
وقد بين الله أنه كفى به حسيبا شاهداً يشهد وينفصل لعلمه ما إنفصل من عمل الناس .
والرشد كلمة مشتقة من الإسم رشد .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( انك لانت الحليم الرشيد ) الرشيد من الناس هو الذى يفصل العمل الحسن الصالح .
( اولئك هم الراشدون ) أولئك هم الذين يفصلون لله العمل الحسن الصالح .
( وهيى لنا من امرنا رشدا ) إفصل لنا من الأمر ما فيه الخير والنفع المنفصل لنا .
( فمن اسلم فاولئك تحروا رشدا ) أولئك ينفصل لهم الأجر الكريم والجزاء الحسن .
( قل انى لا املك لكم ضرا ولا رشدا ) الرشد هو النفع والخير والأجر الكريم المنفصل لهم .
( ومن يضلل الله فلن تجد له وليا مرشدا ) المرشد هو الذى يفصل الإنسان للعمل الصالح الذى أمر الله به .
(4) حكم الله فى إسلوب دفع أو إتيان أو فصل مال اليتيم إليه .. وطبيعة المال الذى ينفصل من المؤمن لليتيم .. فإذا كان مال اليتيم طيباً حسناً فيجب أن يرد له كذلك .. ولا يرد له خبيثاً .. فإذا كان ماله أرضاً تنبت ثماراً طيبة ورزقاً فيجب أن ترد هذه الأرض بنفس حالتها .. لا أن تدفع له أرضاً خبيثة لا تؤتى الثمار أو ترد أرضاً أقل جودة فى الإنبات .
وإن كان ماله أنعاماً جيدة تدر لبناً فيجب أن تدفع له هذه الأنعام .. ولا يبدلها المؤمن بأنعام مريضة أو أقل جودة .. ولا يكفى أن يدفع له عدد الأنعام من البقر والإبل والضأن والمعز التى تركها والده بعدد مثـله من الخبيث منها .. بل ترد كما هى أو مثـلها فى جودتها .
وذات التصرف يحدث إن كان المال خيلاً وبغالاً وحميراً للركوب أو ثماراً أنبتتها أرض أو غير ذلك .. يقول الله :
( واتوا اليتامى اموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) .
(5) حكم الله فى إسلوب التصرف فى مال اليتيم قبل دفعه إليه .. وذلك كما يلى :
1- عدم فصل مال اليتيم وضمه إلى مال المؤمن فيأخذه ويفصله لنفسه كله ولا يعطيه منه شيئاً .. يقول الله :
( ولا تاكلوا اموالهم الى اموالكم انه كان حوبا كبيرا ) .
إن ذلك حوباً أو إنفصالاً كبيراً عن دين الله .
والحوب كلمة مشتقة من الإسم حب .. أى الفصل .. يقول الله :
( فالق الحب والنوى ) الحب هو البذر الذى ينفلق وينفصل لينبت بالزرع والثمار .
( وتحبون المال حبا جما ) حب المال هو فصله للنفس .
( ان هولاء يحبون العاجلة ) أى يفصلونها ويفضلونها على الآجلة .
( فاتبعونى يحببكم الله ) حب الله لإنسان هو فصله وتفضيله على الآخرين بالهداية .
2- عدم الإسراف والتبذير فى التصرف فى مال اليتيم بحيث يفنى هذا المال قبل أن يكبر ويصل لعمر النكاح .. يقول الله :
( ولا تاكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا ) .
الإسراف والبدار هما فصل المال وإخراجه دون حق .. أو دون حاجة حقيقية .. والبدار كلمة مشتقة من الإسم بدر .. الذى يعادل بذر بعد نزع النقاط .. ويعنى الفصل .. وهو الذى إشتق منه لفظ التبذير .. أى الإسراف .. يقول الله :
( ولا تبذر تبذيرا ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين ) .
فالمبذر أو المبدر هو من انفصل عن الحد فى الإنفاق .
3- بالنسبة للعلاقة المباشرة بين المؤمن الوارث للأب ومال اليتيم فذلك يتوقف على مدى ثراء المؤمن نفسه .. وهنا توجد حالتين :
أ- المؤمن غنى :
أى أن المؤمن معه مال يكفيه ويفصله ويغنيه عن مال اليتيم .. فعليه أن يستعفف أى ينفصل عن الأكل من مال اليتيم تماماً .. لا يأخذ منه شيئاً .
ب- المؤمن فقير :
أى أنه يحتاج لمال إضافى لأن ماله لا يكفيه .. حكم له الله أن يأكل من مال اليتيم بشرط أن يكون أكله بالمعروف .. بما أنزل الله .. بما يفصل حاجته ويسد فقره دون أى إسراف أو تبذير .. يقول الله :
( ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فلياكل بالمعروف ) .
ذلك هو القسط أو العدل أو الحكم المفصول من الله للمؤمنين فى معاملة مال اليتيم .. يقول الله :
( وان تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فان الله كان به عليما ) .
فلقد أمر الله بالقسط مع اليتامى .. وبين للمؤمنين أن ما يفعلوه من خير أمر به الله فإن الله يعلمه ويجزيهم عليه .
(9) الإصلاح والمخالطة :
يقول الرحمن :
( ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير وان تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لاعنتكم ان الله عزيز حكيم ) .
يحكم الله بما يلى :
(1) حين سأل المؤمنون رسول الله عن اليتامى أنزل الله هذا القول .
(2) حكم الله بالإصلاح فى أمرهم .. أى معاملة أموالهم بما أنزل الله .. فالأفضل والخير عند الله هو الإصلاح والفصل .. وذلك بفصل أموال اليتامى عن أموال المؤمن .
(3) أنه ليس معنى عدم الأكل من أموالهم أن يكون هناك إنفصال فى معاملتهم .. هذا ليس المقصود من حكم الله .. فهم مؤمنون مثلهم يعبدون الله .. إخوان لهم .. يشتركون فى أهم طريق بحياة الإنسان وهو الطريق المستقيم .. فلا حرام من المخالطة .. أى الإنفصال لهم .. والتوجه نحوهم توجه الإنسان تجاه أخيه .. يأكل فى بيته .. معه أو بمفرده .. اليتيم المؤمن مع المؤمن كالأخ .
(4) أن الله يعلم تماماً من هو مفسد منفصل عن دينه يسيئ معاملة اليتيم ويفصل له الأذى ويأكل ماله .. ويعلم المصلح المنفصل لحكمه .. والذى يقوم لليتيم بالقسط والعدل .. فلا داعى أن ينفصل هذا المصلح عن اليتيم خشية أن يأكل من ماله دون قـصد .. بل يمكن للمؤمن الحق أن يخالط اليتيم دون أن يأكل من ماله شيئاً .
(5) أن الله لو شاء وفصل وفضل لأعنتهم .. أى فصل لهم الجزاء السيئ والعقاب والعذاب إن كانوا مفسدين منفصلين عن دينه .. ولا يكرمون اليتيم .
والله عزيز حكيم .
والعنت كلمة مشتقة من الإسم عنت .. الذى يعنى الفصل .. يقول الله :
( وعنت الوجوه للحى القيوم ) إنفصلت وجوه الناس متوجهة لله وحده .
( لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم ) عزيز عليه ما إنفصلتم له .. وهو دين الله .
(10) عقاب الآخرة :
يقول الجبار :
( ان الذين ياكلون اموال اليتامى ظلما انما ياكلون فى بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ).
(1) هذا حكم الله فى من أكل مال اليتيم ظلماً .. لأن الله أحل للفقير أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف دون إسراف كما بين حكم الله السابق .. فهذا الحكم لمن أكل بالظلم دون فقر .
(2) عقاب من فعل هذا ما يلى :
1- يأكل يوم القيامة فى بطنه النار .
2- يتصل وينفصل بنار السعير تحرقه إلى الأبد .
ونار السعير قال فيها الله :
( وقالوا لو كنا نسمع او نعقل ما كنا فى أصحاب السعير فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير ) .
والسحق فيها هو الإنفصال إليها بالخلود الأبدى .
(11) السفهاء :
( أولاً ) معنى السفهاء :
السفهاء كلمة مشتقة من الإسم سف .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها ) السفهاء هنا هم المنفصلون عن الرشد .. ولكن الرشد هنا هو الإيمان .. فهم منفصلون عن الإيمان .
( فلعلك باخع نفسك على اثارهم ان لم يومنوا بهذا الحديث اسفا ) أسفا أى حزناً وعذاباً منفصلاً له .
( فرجع موسى الى قومه غضبان اسفا ) أسفا أى حزناً وعذاباً منفصلاً له .
( وقال يا اسفى على يوسف ) اسفى أى ويلى وحزنى وعذابى المنفصل لى .
( فلما اسفونا انتقمنا منهم ) اسفوا الله أى فصلوا له الأذى والقول والعمل السيئ .
( يوسف ايها الصديق ) يوسف أى المنفصل المفضل عمن سواه .
( ثانياً ) أموال السفهاء :
يقول الله فى كتابه العزيز :
( ولا توتوا السفهاء اموالكم التى جعل الله لكم قيـاما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا ) .
يتبين من حكم الله ما يلى :
(1) أنه عند ابتلاء اليتامى إذا بلغوا النكاح قد لا يأنس المؤمن منهم رشداً .. بل يأنس ويفصل منهم سفهاً .. أى انفصالاً عن الرشد .. وهو هنا يعنى عدم قدرة اليتيم على ادارة أمواله بشكل يجلب له النفع والخير .. الأمر الذى يجعل فصل ودفع المال له محرماً من الله .
(2) حكم الله أنه إذا آنس المؤمن القائم على مال اليتيم منه سفهاً حال ابتلائه فعليه ألا يؤتى ويفصل لليتيم المال الذى جعله الله قائم عليه .
ويتبين من قول الله ( اموالكم ) أن الله جعل مال اليتيم فى هذه الحالة مالاً للمؤمن نفسه .. لأنه هو المتحكم فيه .. ينفق منه أو يفصل .. وهو بذلك قائم على هذا المال .. أى يفصله عن غيره لنفسه .. وينفق منه إذا أراد .
(3) أن فصل المال عن السفهاء لا يعنى حرمانهم من الإستـفادة بهذا المال .. فالفصل عنهم جاء لأن المال معهم قد ينفصل ويضيع لما بهم من سفه فلا تصل منفعته إليهم .. والله يريد أن تصل منفعة هذا المال إليهم .. فأمر المؤمنين أن يفعلوا تجاه هؤلاء السفهاء ما يلى :
1- إطعام السفهاء من هذا المال .. وذلك رزقهم .
2- كسوة السفهاء من هذا المال .. أى الملبس والثياب .
3- أن يقولوا لهم قولا معروفاً .. كما أنزل الله .. يبين لهم طريق الله .. ويهيدهم .
ويقول الله :
( والمستضعفين من الولدان وان تـقوموا لليتـامى بالقسط وما تـفعلوا من خير فان الله كان به عليما ) .
يبين الله أنه فى حكمه السابق كان يعنى بالسفهاء فئة المستضعفين من الولدان .. والمستضعف من الولدان هنا تعنى المنفصل عن الرشد منهم .
( ثالثاً ) دين السفيه :
يقول الله :
( فان كان الذى عليه الحق سفيها او ضعيفا او لا يستطيع ان يمل هو فليملل وليه بالعدل ) .
يبين الله أنه أحل للسفيه أن يستدين من الغير .. وحكم الله أن الذى عليه الحق أو المدين هو الذى يمل الكاتب .. ويمل أى يقوم بإعطاء بيانات القرض للكاتب بلسانه .. وبين أن هناك ثلاث حالات يحل فيها الله ألا يكون المدين أو المقترض هو الذى يمل الكاتب .. وهذه الحالات أولها أن يكون المقترض سفيهاً .. أى منفصل عن الرشد .. فى هذه الحالة يقوم ولى السفيه بإملاء الكاتب .. وولى السفيه هو ما يلى :
1- والده إن كان حياً .. رجوعاً لحكم ولاية أولوا الأرحام .. يقول الله :
( واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض فى كتاب الله ) .
2- أو القائم على ماله إن كان يتيماً .. ويمكن أن يكون أخيه .
إقرأ مقال [ الديون ] و [ الولاية ] .
(12) نكاح اليتامى :
هناك من ضمن اليتامى نساء يحفظ ويفصل لها المؤمن مالها .. ولها ذات حق اليتيم الذكر .. ولكن قد يرغب المؤمن أن ينكحها عند بلوغها عمراً مناسباً للنكاح .. وقد يكون قبل بلوغها عمر المحيض .. فلقد بينت أحكام الله وجود مطلقات لم يحضن .. إقرأ مقال [ الطلاق ] .
يقول الله :
( وان خفتم الا تقسطوا فى اليتـامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثـنى وثلاث ورباع فان خفتم الا تعدلوا فواحدة او ما ملكت ايمانكم ذلك ادنى الا تعولوا ) .
يبين حكم الله أنه إذا خاف المؤمن ألا يقسط فى شأن النساء اليتامى .. بمعنى أن يخاف ألا ينفصل ويتبع حكم الله بأن يعطيها أجر النكاح فعليه أن يسلك أى من المسلكين التاليين :
1- أن ينكح غيرها من النساء الحرائر فى حدود عدد معين منهن .. هو مثنى وثلاث ورباع .. فإن خاف ألا يعدل ويساوى فى مقدار أجر النكاح بينهن فعليه أن يكتفى بنكاح واحدة منهن .
2- أن ينكح أى عدد من ملك الأيمان .. حيث يقل المال المدفوع لأجر نكاحهن عن أجر نكاح الحرة .
وبين الله أن ذلك يبعد المؤمن عن الإعالة أو فقدان الرزق والمال بسبب النكاح .. إقرأ مقال [ اليتامى ] و [ النكاح ] ضمن مجموعة مقالات الزواج والطلاق .
ويقول الرحمن :
( ويستـفتونك فى النساء قل الله يفتيـكم فيهن وما يتـلى عليكم فى الكتاب فى يتـامى النساء اللاتى لا توتونهن ما كتب لهن وترغبون ان تنكحوهن ) .
يتبين من قول الله ما يلى :
(1) أن المؤمنين طلبوا من رسول الله قولاً مفصولاً وحكماً فى أمر النساء .. وهذا هو الإستـفتاء أو طلب الفتـوى والفصل فيهن .
(2) جاء حكم الإستـفتاء ليبين ما هو الظلم وعدم القسط فى أمر النساء .. فما تلى وفصل على المؤمنين فى كتاب الله بشأن القسط فى اليتامى المقصود به اليتامى من النساء اللاتى لا يؤتيها المؤمن ما كتبه الله لها من أجر النكاح ويرغب أن ينكحها .. الأولى له أن ينكح غيرها إن خاف ألا يقسط ويعدل معها ويعطيها أجر النكاح كأى إمرأة حرة .
(13) اليتيمان :
يقول الرحمن :
( واما الجدار فكان لغلامين يتيمين فى المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا فاراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن امرى ) .
هذه القصة معروضة فى مقال [ الرجل العليم ] ضمن مجموعة مقالات موسى .. وأبين هنا ما يخص اليتيمين .. حيث دخل موسى الكريم والرجل العليم فى قرية طلبوا من أهلها الإطعام فرفض القوم ذلك .. إن القوم إذاً لا يتصدقون من أموالهم لمن سألهم الطعام .. ولا ينفصلون لحكم الله .
وعندما وجدا جداراً على وشك الإنهيار قام الرجل العليم بإقامة الجدار مرة أخرى .. وكان حكم موسى الكريم أنه إن أراد الرجل العليم حق عمله فيمكنه أن يأخذ من أهل هذه القرية أجر عمله وجهده فى بناء الجدار .
تسبب موقف النبى موسى الداعى لطلب الأجر مقابل العمل فى إنفصال بينه وبين الرجل العليم الذى أخبره بأسباب أفعاله .. والتى كان من بينها إقامة جدار هاوى دون أجر فى قرية رفض أهلها إطعامهما .
كان سبب ذلك أن الله أخبره أن الجدار هو ملك لغلامين صغيرين فى تلك المدينة .. وتحت الجدار كنز ورثـاه عن أب صالح مؤمن أخفى لهما الكنز تحت هذا الجدار قبل موته حماية لهما من أهل القرية .. وعندما مر النبى والرجل العليم كان الجدار فى وضع يقترب من السقوط .. ولكن رب السماء الذى أودع النار بطن أكلة مال اليتيم أراد أن يحفظ لهما المال .. إنهما يتيمان إبنا مؤمن بالله .. فأعطى العلم للرجل العليم بهذا الغيب .. وقد إنفصل الرجل لأحكام الله فى اليتامى فبنى الجدار .. فبناء الجدار إنفصال لحكم الله لا إنفصال عنه .. لأن مال اليتيمين بذلك قد حفظ فلم يؤكل من أحد .. فإذا بلغا أشدهما أو عمر النكاح إستطاعا إستخراج الكنز من تحت الجدار المصان .. رحمة من الله بهما .
هكذا يحمى الله اليتـامى .. وقد أنزل فى القرآن حكماً ليوم القيامة يأمر فيه المؤمنين بعدم أكل مال اليتيم ودفعه إليهم إذا بلغوا النكاح والأشد .
وفى هذه القصة لم يكن هناك من يحفظ مال اليتيمين فبعث الله هذا الرجل ليحفظه .
... والله أعلى وأعلم ...