الإمام :

(1) معنى الإمام :
الإمام كلمة مشتـقة من الإسم أم .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( وكل شى احصيناه فى امام مبين ) الإمام هو الكتاب الفاصل لأعمال البشر .
( وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا ) الإمام هو الهادى الفاصل للجنة .
( واجعلنا للمتـقين اماما ) إمام المتـقين هو الذى يفصلهم للجنة .
( وانهما لبامام مبين ) الإمام هنا هو الطريق الفاصل من مكان لآخر .
( فقاتلوا ائمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون ) إمام الكفر هو الذى يفصل أتباعه للكفر .
( وجعلناهم ائمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) الإمام هنا يفصل أتباعه للنار .
(2) إمام المتـقين :
يقول الله :
( واذ ابتـلى ابراهيم ربه بكلمات فاتمهن قال انى جاعلك للناس اماما قال ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين ) .
لقد فصل الله وفرض على إبراهيم عليه السلام كلمات أو أحكام ليتمها ويتبعها .. فاتبعها وأتمها وفصلها لله وحده .. فأخبره الله أنه جعله إماماً للناس .. أى هدى يفصلهم لطريق الله المستقيم المؤدى والفاصل للجنة .. ويبين لهم حكم الله .. وينزل عليه حكم وذكر من ربه .. وهذا دائماً هو دعاء المؤمنين .. أن يجعلهم الله أئمة يدعون المتقين ويفصلونهم لطريقه المستـقيم .. يقول الله :
( واجعلنا للمتـقين اماما ) .
( وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا ) .
ولقد طلب إبراهيم الكريم أن تستمر الإمامة فى ذريته من بعده .. فيكونوا كلهم أئمة يهدون لدين الله .. ولكن الله بين له أن أكثر الناس من الكافرين .. ومن ذريته سيكون كافرون .. والكافر ظالم .. لقول الله :
( والكافرون هم الظالمون ) .
وطالما كان فى ذريته كفار فلن يكون لهم عهد مع الله .. لن ينالوا أو تنفصل لهم أحكام الله فى كتاب سماوى .. ولن يجعلهم الله أئمة يهدون بأمره .. لأنهم يهدون إلى النار .. ولن يتبعوا عهده وكتابه .. بل سيخونوا وينفصلوا عن أى عهد مع الله .. أو مع أى رسول من رسله .. والله يقول :
( كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ) .
(3) إمـام الصلاة :
الآيات والأحكام السابقة هى التى تخص الإمامة فى القرآن .. وليس فيها ما يعنى أن هناك إماماً فى الصلاة .. فما يحدث الآن فى المساجد هو وجود وسيط بين الناس وربهم .. رجل يقف أمام الناس ليقرأ لهم القرآن فى الصلاة .. ثم يصلى فيتبعوه فى كل حركاته .. ويقضوا ذات الوقت الذى يقضيه فى القيام والركوع والسجود .. إنها وساطة وتقليد أعمى لم يأمر به الله .. ليس فى كتاب الله أمر بوجود إمام فى الصلاة يقف أمام صفوف .. بل ليس هناك صفوف تتلاصق كما يحدث .. ولا يسمح بهذا الجهر فى الصلاة والدعاء كما تبين فى مقال [ صوت المصلى ] .. لقد وصل الأمر فى بعض المساجد أن جعلوا المرأة التى أمرها الله بالإنفصال فى البيت إماماً فى الصلاة .. وهذا ضلال كبير .
وتبين أحكام الله وآياته أن الرسول الكريم لم يكن يقف إماماً أمام المصلين .. بل كان معهم .. واحداً ممن يصلون لله مع المؤمنين .. يقول العليم الحكيم :
( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ولا تعدو عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ) .
أمر الله رسوله أن يصبر أو يفصل نفسه مع المصلين .. الذين يدعون ربهم بالفجر والغروب .. يريدون وجه وثواب وأجر الله .. وألا تعدو أو تنفصل عيناه عنهم .. أى لا ينفصل عنهم ليتبع الكفار الذين يريدون ويهتمون بزينة ومتاع الدنيا الفانية .
والرسول فى الصلاة مؤمن يصلى مثـل المؤمنين ومعهم .. وأحكام صلاة الخوف تبين ذلك .. يقول الله :
( واذا كنت فيهم فاقمت لهم الصلاة فلتـقم طائفة منهم معك ) .
( ولتات طائفة اخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) .
الرسول هنا يقيم الصلاة للمؤمنين .. واقامة الصلاة هى فصلها من الإنسان لله .. فالذى يقيم الصلاة هو الذى يؤديها ويفعلها .. ويفصلها عنه كعمل .. والإنسان يقيم الصلاة لله .. لذكر الله .. ولذلك يقول الله :
( واقم الصلاة لذكرى ) .
ولكن الرسول هنا أقام الصلاة للمؤمنين .. والمقصود أنه أقامها وفصلها لله وحده ليقيمها هذا العدد من الجنود المحاربين معه .. لأن اشتراكهم معه فى أدائها ضرورى .. لوجود تشريع خاص بتلك الصلاة .. وهى صلاة الخوف التى لها مقال مستقل .. ولذلك فالمؤمنون أقاموا الصلاة مثـله .. أنظر قول الله :
( فلتـقم طائفة منهم معك ) .
فكما أقام الرسول الصلاة فقد قام المؤمنون بالصلاة .. هو قام أو صلى .. وهم قاموا أو صلوا .. ولذلك يقول الله :
( فليصلوا معك ) .
( فلتـقم طائفة منهم معك ) .
وهذا يدل أن المقيم للصلاة هو الذى يصليها ويفصلها عنه .. ولا تعنى الإقامة أبداً ذلك النداء المكرر داخل المسجد قبل الصلاة .
ونجد أن الرسول قد أقام الصلاة ثم يصلى المؤمنون معه .. لا خلفه .. لا يتبعون حركاته .. كل رجل مستـقل بذاته .. له تسبيحه ودعاؤه وشكره الخاص .. وبالصوت الذى أمر به الله .. لا وسيط بينهم وبين الله .. وإلا مع وجود رجل فى الأمام فالإتصال مقطوع .. والصلة مقطوعة بين العبد وربه .. لأنها مرتبطة برجل آخر .. وهذا ليس من الإسلام فى شىء .
ويقول الله :
( ان ربك يعلم انك تقوم ادنى من ثـلثى الليل ونصفه وثـلثه وطائفة من الذين معك ) .
هذه صلاة الليل قبل أن يخففها الله .. الرسول يقوم .. وطائفة من الذين معه يقومون .. ومعنى معه هنا أى معه فى الدين .. فى الإنفصال لله .. فهو يصلى .. وهم يصلون .
ويقول تعالى :
( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهه ) .
الله لم يقل لا تطرد من يصلى خلفك .. فالإمامة فى الصلاة تشريع بشرى مرفوض لا أساس له فى القرآن .. أضف إلى ذلك أن الله لم يخبرنا أن أحد أنبيائه وقف إماماً أمام المصلين المؤمنين به .. فالتوراة نزلت على موسى .. وبها حكم الصلاة .. ولكن الله لم يقل أن موسى وقف إماماً على المصلين من بنى اسرائيل .. ولم يحدث ذلك مع أى نبى .. ولا مع محمد رسول الله .. وأنظر إلى زكريا النبى الكريم .. كان يصلى وحده فى المحراب .. وهو المكان المفصول للصلاة لله .. ثم خرج على قومه من المحراب ليوحى إليهم أن يسبحوا بكرة وعشياً .. يقول الله :
( فخرج على قومه من المحراب فاوحى اليهم ان سبحوا بكرة وعشيا ) .
لم يقل لهم قفوا خلفى لأكون إماماً فى الصلاة .. بل كان هذا الأمر والوحى بأن يسبحوا الله بكرة وعشياً هو الإمامة فى حد ذاتها .. لقد دلهم على الطريق .. هداهم لوقت التسبيح والصلاة .. وهذا طريق مستـقيم يهدى ويفصل لجنة الله .
وقد أمر الله رسوله أن يذكره فى نفسه دون الجهر من القول فى أوقات الصلاة .. الأمر الذى يعنى أنه يصلى بمفرده .. ليس إماماً .. بل عليه أن يحجب صوته عن المؤمنين لأن كل منهم يصلى منفرداً .. فلا يصل ذكر أحد لأحد .. يقول الله :
( واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والاصال ولا تكن من الغافلين ) .
ولو كان هناك إمام فى الصلاة لأمر الله الرسول برفع صوته كى يسمعه المصلون خلفه .. كما يحدث الآن فى المساجد .
ويقول الله :
( وتوكل على العزيز الرحيم الذى يراك حين تقوم وتقلبك فى الساجدين ) .
الله يأمر نبيه أن يتوكل على الله .. الذى يراه عندما يقوم وينفصل إليه فى الصلاة .. ويراه عندما يفصل لله العمل الصالح فيتقلب فى الساجدين .. أى يسجد لله مع الساجدين .. إنه معهم يسجد .. وليس واقفاً أمامهم .

... والله أعلى وأعلم ...