( الأشهر الحرم )
(1) الدين القيم :
يقول الله تعالى فى كتابه العزيز :
( ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم ) .
يتبين من قول الله ما يلى :
(1) أن الله قسم الزمن لسنوات .. والسنة أو العام أو الحول ينقسم إلى إثـنى عشر شهراً .. فمرور هذا العدد من الشهور يعنى مرور عام كامل .. ومعنى عدة الشهور أى فصل الشهور بحيث تكون عاماً كاملاً .
ومرور الشهر يعنى مرور القمر بمنازله كلها بداية من ظهوره هلالاً ثم اكتماله ثم اختـفائه .. تلك هى دورة القمر التى يتم على أساسها إحتساب الشهر الواحد .. يقول الله :
( والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) .
القمر إذاً له وظيفتـان :
1- نور يضئ بالليل .
2- وسيلة لإحتساب الشهر .. وبالتالى إحتساب السنين .. مما يساعد فى احتساب فترات الدين والعدة وغير ذلك مما يحتاج الناس .
(2) أن هذا الإسلوب فى احتساب الزمن أوجده الله فى كتابه يوم خلق السموات والأرض .. وبالتالى يوم خلق الشمس والقمر .. فهو أمر مفروض مكتوب على العباد منذ نشأة الكون .. أن يتم التقسيم بهذا الشكل وفق المقياس القمرى .. وبناء على ذلك فإن استخدام مقياس آخر لإحتساب الشهور هو شرك وانفصال عن دين الله .. فالنظام الشمسى للقياس وهو المعمول به فى كل دول العالم تـقريباً ليس من الدين فى شئ .. والله يقول :
( يسالونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج ) .
فالأهلة أو المنازل التى ينفصل فيها القمر هى مواقيت تحدد الوقت لما يلى :
1- للناس .. أى يحسبون من خلالها فترات الدين والعدة والأجر وغيرها من الأعمال التى تختلف زمنياً من إنسان لآخر .
2- للحج .. لمعرفة وقته تحديداً .. وهو وقت محدد إلهياً .. لكل الناس .
وذلك لقول الله :
( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) .
فشهادة الشهر ورؤية القمر بالعين المجردة هى التى تحدد اليوم الأول من الشهر الجديد .
(3) أن الإثنى عشر شهراً القمرية منها أربعة حرم .. يحرم فيها القتال .. ويحرم فيها قتـل الصيد .. وهى أشهر الحج .. والهدف من ذلك أن يأمن الناس حين ينفصلون لآداء الحج فى مكة بالأرض المباركة من كل فج عميق .. فلا توجد حروب تصدهم عن بلوغ الكعبة .. تهدد أمنهم وأرواحهم .. ولا توجد دماء تسيل .. ولذلك أمر الله المؤمنين ألا يظلموا فى تـلك الأشهر أنفسهم .. أى لا يفصلوا فيهن أنفسهم عن دين الله .. وذلك بأن يقاتلوا فيهن .. أو يقتـلوا الصيد فيهن .. لأن الشهر ما دام محرماً فهو محرم فيه القتال والقتـل بأمر الله .. ومعنى أن يقاتـل فيه المؤمن أى ينفصل عن أمر الله .. وهذا ظلم لنفسه .. لأنه يلقى بنفسه للتهلكة فى نار الله بالآخرة .
والمؤمنون كانوا يسكنون المدينة .. وهى إحدى القرى المباركة التى تقع فى الأرض التى بارك الله فيها للعالمين .. ولا يسكنون المدينة التى بالحجاز كما زعم أهل السنة .. وتلك المدينة ليست بعيدة من البلد الحرام كبعد المدينة الحجازية من مكة الحجازية .. ولذلك كان إنفصال المؤمنين عن القتال فى الأشهر الحرم يمثل أماناً للوافدين للبيت الحرام فى الأشهر الحرم .
وقد حرم الله صيد البر طالما كان الإنسان حرماً .. بمعنى أنه يكون فى واحد من هذه الأشهر الأربع .. ويتضح ذلك فى مقال [ الهدى والصيد ] .. يقول الله :
( يا ايها الذين امنوا لا تقتـلوا الصيد وانتم حرم ) .
( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) .
ويتبين من قول الله ( منها اربعة حرم ) .. أن الأشهر الحرم هن آخر شهور العام القمرى .. وهن الأربعة أشهر التـالية لشهر رمضان .. فبعد انقضاء تلك الأشهر يبدأ عام قمرى جديد .. وسيتضح سبب ذلك بعد قليل .
(4) أن هذا المقياس الزمنى القمرى أساس للتـشريعات والمناسك .. وبالتالى فهو دين الله .. أمر وحكم من الله أن يتخذ القمر بتلك العدة وسيلة لإحتساب الشهور .. وهو دين قيم أى مستـقيم .. يفصل المؤمنين الذين اتبعوه للجنة .. ولا يوجد غيره وسيلة لبلوغ الجنة .
(2) أشهر الحج :
يقول الله :
( الحج اشهر معلومات ) .
يتبين من قول الله أن أشهر الحج وهى الأشهر الحرم هى أشهر محددة مفصولة للناس بعلم وحكم من الله .. وهى الأشهر الأربعة التالية لشهر رمضان .. حيث ينزل القرآن فى شهر رمضان من كل عام فى ليلة القدر .. ليتسنى للرسول الكريم تلاوته على الناس الوافدين فى موسم الحج .. وهكذا فالحج أشهر محددة مفصولة من أشهر العام .
ويمكن للمؤمن أن يذهب للحج فى أى شهر من تلك الشهور .. ولا يشترط فى التاسع من الشهر الذى أسموه ذى الحجة كما يفعل أهل السنة .. الذين يتجمع من أراد الحج منهم فى يوم واحد من بين أيام أربعة أشهر حرم .. فالله أوسع على الناس مدىً كبيراً من الوقت .. فمن حج فى أول شهر حرم صح حجه .. ومن حج فى رابع شهر حرم صح حجه .. بل إن تحديد يوم للحج خلال الأشهر الحرم .. وتحريم الحج فى باقى الأشهر الأربع هو شرك وانفصال عن دين الله .. وعصيان لأمر الله .
كذلك فلا فضل للعشر الأول من شهر ذى الحجة على باقى أيام الأشهر الحرم .. ولا فضل لهذه الأيام العشر على سائر أيام العام كما يزعم أهل السنة إلا فى كونها أحد أيام الأشهر الحرم .. كذلك فالعمل الصالح فى العشر الأول من الشهر الذى أسموه ذى الحجة يعادل فى أجره العمل الصالح فى باقى أيام السنة .
وهذه الأسماء التى أعطاها العرب للشهور ليست ملزمة للمؤمنين .. فالشهر الوحيد المسمى فى القرآن هو شهر رمضان .. والأشهر الأربعة التالية له يجب أن تسمى وفقاً للقرآن كما يلى :
1- الشهر الأول الحرم .
2- الشهر الثانى الحرم .
3- الشهر الثالث الحرم .
4- الشهر الرابع الحرم .
أما باقى شهور السنة السبعة الأول فلم يعطها الله أى إسم فى كتابه .
(3) القتال :
يقول الله :
( يسالونك عن الشهر الحرام قتـال فيه قل قتـال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ) .
من قول الله يتبين ما يلى :
(1) أن المؤمنين سألوا رسول الله عن مدى شرعية القتـال فى الشهر الحرام .. هل هذا حلال أم حرام ؟
(2) أمره الله أن يجيبهم أن القتال فى الشهر الحرام يعنى ما يلى :
1- أنه فعل كبير عند الله .. أى محرم منفصل عن دين الله .
2-أنه صد عن سبيل الله .. أى فصل للناس عن دين الله وعن طريقه المؤدى للجنة .
3- أنه صد عن المسجد الحرام .. أى فصل للناس عن بلوغ الكعبة لعبادة الله .
4- أنه كفر بالله .. أى إنفصال عن دين الله .
ويقول الله :
( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثـل ما اعتدى عليكم ) .
يتبين من قول الله أن الله أحل القتال فى الشهر الحرام فى حالة إعتداء الكفار على المؤمنين فى الشهر الحرام أيضاً .. حيث يجب رد الإعتداء بالمثـل .. وفى الشهر الحرام .. فذلك قصاص .. ومعنى أن الحرمات قصاص أن القتال عند الكعبة أيضاً محرم .. ولكن إذا حدث اعتداء من الكفار عندها فلا بد من الرد وقتال الكافرين .. وعند الكعبة .. وكذلك فإن قتل النفس محرم .. ولكن يحل الله القتـل عند إعتداء الآخرين .
(4) التوالى والإنفصال :
يقول الله :
( براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا فى الارض اربعة اشهر ) .
من قول الله يتبين ما يلى :
1- أن الله والرسول يتبرآن من المشركين الذين نقضوا العهد معهم .. وبالتالى فقد تم الإنفصال من المعاهدات التى عقدها المؤمنون معهم .. وكان الهدف منها عدم قتال المؤمنين للكفار خلال فترة محددة قمرياً .
2- أن الله أنزل هذا القول فى نهاية شهر رمضان الذى ينزل فيه القرآن من كل عام .. أى فى بداية الأشهر الحرم .. وهى أشهر يحرم فيها القتال .
3- أن الله يأمر المؤمنين أن يسيحوا أو ينفصلوا فى الأرض عن قتال الكفار .. بمعنى أن يتم تسريح الجيش مؤقتاً .. حيث ينفصل الجنود لبيوتهم وأحوالهم .. بعدما كانوا منفصلين للقتال .. وذلك لحلول الأشهر الحرم الأربعة التى يحرم فيها القتال .. وهى أشهر الحج .
4- أن الأشهر الحرم متتابعة لا منفصلة كما يظن أهل السنة .. فالأشهر الأربعة التى ينفصل فيها المؤمنون عن القتال هى أشهر متوالية .. ولا يعد الشهر الذى أسموه رجب المنفرد من الأشهر الحرم إطلاقاً .
ويقول الله :
( فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتـلوا المشركين ) .
يتضح من ذلك أنه بمجرد إنسلاخ أو انفصال الأشهر الأربعة الحرم فعلى المؤمنين الإنفصال مرة أخرى لقتال المشركين .. تنصلاً من أى اتـفاق أبرم معهم بوقف القتال .. إلا من تم معاهدتهم عند المسجد الحرام .. ويتضح ذلك تفصيلاً بمقال [ المعاهدات ] .
وكلمة إنسلخ مشتـقة من الإسم سلخ .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( واية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون ) الليل يفصل الله منه النهار فيظلم الناس .
( واتل عليهم نبا الذى اتيناه اياتنا فانسلخ منها ) انسلخ من آيات الله أى انفصل منها .
ويقول الله :
( واذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر ان الله برى من المشركين ورسوله ) .
يتبين من حكم الله ما يلى :
(1) أن هذا القول أذان من الله ورسوله .. أى أمر مفصول من الله للمؤمنين .. يتم ابلاغه وفصله لهم عن طريق رسول الله .
(2) أن هذا الأذان يتم فى يوم الحج الأكبر .. والذى يبدأ مع انفصال آخر ليلة من شهر رمضان .. وبعدها أول أيام أشهر الحج .. أو أول أيام الحج .. فهو يوم الحج الأكبر .. لأن عدد كبير من الناس يـقدم للكعبة فى هذا اليوم سائقين للهدى .. باعتباره أول أيام الحج .. أضف لذلك هذا العدد من المتمتعين بالعمرة إلى الحج .. جاءوا للعمرة فى رمضان وانتظروا الأشهر الحرم لأداء فريضة الحج .
(3) أن هذا الأذان أو البلاغ يعنى انفصال وتبرأ الله ورسوله من المشركين .. ونبذ المعاهدات التى تمت معهم .
وهذه السورة نزلت فى شهر رمضان .. لأن القرآن لا ينزل إلا فى هذا الشهر من كل عام على قلب النبى محمد الكريم .. يقول الله :
( شهر رمضان الذى انزل فيه القران ) .
ومعنى أن يذكر الله العليم أن السورة نزلت يوم الحج الأكبر أى أنها نزلت فى آخر ليلة من شهر رمضان .. وتلك الليلة يعقبها مباشرة أول أيام الأشهر الحرم .. لأن أوله حج .. وبالتالى فإن الأشهر الحرم هى الأربعة أشهر التالية لشهر رمضان مباشرة .. لذلك يقول الله :
( فسيحوا فى الارض اربعة اشهر ) .
فالله يعنى أنها أربعة أشهر تبدأ من تاريخ نزول هذا الحكم .. أى اعتباراً من آخر ليلة فى شهر رمضان .
ولأن الليلة التى نزل فيها القرآن من شهر رمضان هى ليلة القدر .. فإن آخر ليالى شهر رمضان هى ليلة القدر .. محددة من الله بوضوح .. وهى ليلة انفصال هذا الشهر .. حيث يكون القمر مختفياً بالسماء .. ليبـدأ يوم الحج الأكبر بعد مرور تـلك الليلة مباشرة .. بعد مطلع الفجر .. وفى هذه الليلة من كل عام ينزل القرآن على قلب الرسول محمد الكريم .. يقول الله :
( انا انزلناه فى ليلة القدر وما ادراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر تنزل الملائكة والروح فيها من كل امر سلام هى حتى مطلع الفجر ) .
يبين الله أنه أنزل القرآن فى ليلة القدر .. أو ليلة فصل القول والوعد من الله بالآخرة .. وقدر هذه الليلة عند الله أكبر من قدر الليالى الأخر .. فهى ليلة خير من ألف شهر فى قدرها عند الله .. لأن القرآن نزل فيها للناس .. وفى هذه الليلة من كل عام منفصل أو من كل أمر تنزل الملائكة وينزل الروح .. والروح هو الملك الذى ينفصل وينزل بالوحى من رب العالمين على قلب الرسول محمد ليكون واحداً من المنذرين .. أو الذين يفصلون للناس علماً من الله بالآخرة لقومهم بنفس لسانهم ولغتهم .. يقول الله :
( وانه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) .
فالروح هو حالة خاصة من الملائكة .. هو ملك منفصل برسالة من الله للبشر على الأرض .. حيث يتمثل فى صورة بشر .. ليتمكن من مخاطبة الناس ونقل رسالة الله إليهم .
والروح كلمة مشتـقة من الإسم رح .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ) الروح هنا هى القرآن .. أى القول المنفصل المنزل من الله للناس .
( ينزل الملائكة بالروح من امره على من يشاء من عباده ) الروح هنا هى كل كتاب سماوى منفصل من عند الله للناس .
( فارسلنا اليها روحنا ) الروح هنا هو الملك المنفصل من الله لمريم الطاهرة برسالة معينة .. وقد تمثـل لها فى صورة بشر .
( فاذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين ) روح الله هى الحياة المفصولة من الله للبشر .. وهى أمر خاص بالله وحده .
( ولا تياسوا من روح الله انه لا يياس من روح الله الا القوم الكافرين ) اليائس من روح الله هو المنفصل عن الوعد والقول المفصول من الله للناس بأنه يفصل رحمته وأجره الحسن للمؤمنين .. فلا يصدقه ولا يؤمن به .
( فروح وريحان وجنة نعيم ) الروح هنا هى رحمة الله وأجره الكريم .
( والحب ذو العصف والريحان ) الريحان هو نبات منفصل من الأرض .
( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ) رواح الريح هو انفصالها للبلاد بعد غدو وذهاب .
( ولكم فيها جمال حين تريحون ) لكم فيها منافع حين تريحون .. أى حين تنفصلون عن الحركة .
( قال ابوهم انى لاجد ريح يوسف ) ريح النبى هى الجزء المنفصل عنه .. وهو القميص .
( فارسلنا عليهم ريحا ) الريح هى الهواء المنفصل المرسل من مكان لاخر .
وتستمر ليلة القدر سلام أو مفصولة كأى ليلة حتى مطلع الفجر .. ولا يعنى كونها ليلة القدر أن الدعاء يستجاب فيها فقط .. أو يستجاب فيها أكثر من غيرها .. فالله يستجيب دعاء الناس طالما دعوه باسلوب الدعاء المفصل بالقرآن .. يقول الله :
( وقال ربكم ادعونى استجب لكم ) .
كما أن أجر القيام والصلاة فيها يعادل أجر أى ليلة أخرى .. فلم يذكر الله أن لأجر العمل فيها أى تميز عن غيرها .. هى فقط مفضلة عند الله عن ألف شهر لنزول القرآن فيها .. وليست لها أى أحكام خاصة بالمؤمنين .
ويقول الله :
( حم والكتاب المبين انا انزلناه فى ليلة مباركة انا كنا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم امرا من عندنا انا كنا مرسلين رحمة من ربك انه هو السميع العليم ) .
يتبين من قول الله ما يلى :
(1) أنه بدء السورة بقوله ( حم ) .. وتـلك فواصل السور لتحدد بداية سورة معينة فى القرآن .. والسورة تعنى الجزء المنفصل من قول الله .
(2) أن الله أقسم بالكتاب المبين الواضح المفصول للناس .. وهو القرآن .
(3) أن الله أنزل هذا الكتاب المبين فى ليلة مباركة .. أى ليلة ينفصل فيها الخير والهدى للناس .. لنزول القرآن فيها .. وقد أنزل الله هذا الكتاب بصفته الرب المنذر .. الذى يفصل للناس علماً عن الآخرة .. ومصير العباد فيها للجنة أو النار .
(4) أن فى هذه الليلة من كل عام يفرق أو يفصل من الله كل أمر حكيم أو فاصل بين الحلال والحرام .. وبين الحق والباطل .. ذلك الأمر المرسل من الله للناس .. وهذا الأمر أو الكتاب المرسل رحمة من الله .. لأنه يهدى المؤمنين لطريق الله المستـقيم .. فهو الله السميع الذى يسمع دعاء الناس وقولهم .. وهو العليم بكل ما غاب عن الناس أو شهدوه .
وفى العصر الحالى إبتدع الناس ما يسمى عيد الفطر .. يفرحون فيه ويمرحون بغير الحق .. وقد أمرهم الحكيم العليم بالحج فى تـلك الأيام .
وفى آخر يوم من رمضان كانت حرب الفرقان .. حيث يتنزل القرآن ويفرق ويفصل من عند الله فى ليلة هذا اليوم .. يقول الله :
( وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقـان يوم التـقى الجمعان ) .
ففى هذا اليوم التـقى جمع المؤمنين بجمع الكفار فى الحرب .. حين صد الكفار المؤمنين عن بلوغ الكعبة لأداء فريضة الحج قبل يوم الحج الأكبر أول أيام الشهر الأول الحرم .. إقرأ مقال [ الفرقان ] .. ومقال [ الغنائم والفئ ] .
ويقول الله :
( يا ايها الذين امنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) .
يبين الله للمؤمنين فى حكمه أن كل المشركين بالله نجس .. أى منفصلون عن دين الله .. وبناء على ذلك فقد حكم الله ألا يعمروا أو يدخلوا المسجد الحرام بعد انقضاء العام الذى نزلت فيه هذه الأحكام .. وانقضاء العام يكون بإنقضاء الأشهر الحرم الأربعة التالية لشهر رمضان وهو الشهر الذى نزل فيه هذا الحكم .. لأن الله أمر المؤمنين أن يسيحوا أو ينفصلوا فى الأرض عن القتـال أربعة أشهر هى الأشهر الحرم الخاصة بالحج .. حتى يأمن الناس فى الحج بتلك الأشهر .. ثم أمرهم بقتـال الكافرين بعد انقضاء تـلك الأشهر ويشمل هذا القتال منعهم عن الإقتراب من المسجد الحرام .
إذاً فإنتهاء وانسلاخ الأشهر الحرم يعنى انقضاء العام بالكامل .. ليبدأ عام جديد يحل القتـال فى أوله .
ونجد أن أهل السنة الضالين قد فصلوا الشهر الرابع الحرم الذى يسمونه محرم ليجعلوا أوله بداية عام جديد .. وأطلقوا عليه رأس السنة .. رغم اعترافهم أنه من الأشهر الحرم .. ثم أضافوا لهذا الشهر أكاذيب صيام يوم عاشوراء مع يوم قبله أو بعده .. وحاكوا روايات وقصص ملفقة خاصة بهذا اليوم لم ترد بكتـاب الله مثـل أحاديث نجاة الأنبياء .. وجعلوا العشر الأول من هذا الشهر مفضلة على غيرها من أيام الله بغير علم من الله وافتراءً عليه .. وكل ذلك شرك بالله .
(4) النسيئ :
يقول الله :
( انما النسيى زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطووا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء اعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين ) .
من حكم الله يتبين ما يلى :
(1) أن الأشهر الحرم كانت معروفة عند العرب منذ عهد إبراهيم عليه السلام .. لأن الله حدد تـلك الأشهر منذ خلق السموات والأرض .
(2) أن النسيئ هو الشهر المنفصل عن الأشهر الحرم الأربعة المتوالية .. وهو منفصل عنهم لأنه تم تحليله .. أى تحليل القتـال فيه كأى شهر عادى .
(3) أن حالة النسيئ وقت نزول القرآن تعنى تحليل أحد الأشهر الحرم فى عام من الأعوام .. حيث يقاتـلون فيه وفق رغبتهم إذا رأوا أن ذلك فى صالحهم .. ثم يأتوا فى العام المقبل ليحرموا الشهر الحرام الذى أحلوه فى عامهم السابق .. كى يواطؤوا أو يفصلوا عدد أو عدة الأشهر الحرم .. وهى أربعة أشهر .. ويتكرر ذلك كلما أرادوا القتال فى شهر من الأشهر الحرم فى أى عام .. ومعنى ذلك أنهم يحلون الحرام .. يحلون لأنفسهم شهراً حرمه الله .
(4) أن هذا النسيئ زيادة فى الكفر .. أى إنفصال أكثر فى الكفر وعدم الإيمان بقول الله .. وأن الكفار يضلوا وينفصلوا بهذا الفعل عن دين الله .
(5) أن الكفار قد أتوا هذا الفعل السئ المنفصل عن الدين لأن الشيطان زين لهم هذا العمل .. فرأوه صائباً صحيحاً طالما يحقق لهم مصلحة معينة .. وطالما يتـفق مع أهوائهم .. والله يتركهم فى ضلالهم هذا ولا يهديهم لطريقه المستقيم المؤدى للجنة .. لأنهم لم ينفصلوا لإتباع دينه .
وفى الوقت الحالى نجد أن أهل السنة قد فصلوا ما أسموه شهر شوال عن الأشهر الحرم .. أى فصلوا الشهر الأول الحرم .. ولكنهم لم يحلوه عاماً ويحرمونه عاماً فحسب .. بل أحلوه ليوم القيامة .. وأفردوا ما أسموه شهر رجب غير المحرم فجعلوه محرماً بدلاً منه .. وهم بذلك فعلوا ما يلى :
1- أحلوا ما حرم الله .. حيث أحلوا الشهر الأول الحرم .
2- حرموا ما أحل الله .. حيث حرموا ما أسموه شهر رجب المحلل .
ومعنى ذلك أن الأشهر الحرم عند أهل السنة الضالين هى الشهر الأول .. والسابع .. والحادى عشر .. والثـانى عشر .. وهذا التوزيع العشوائى لم يرد بكتـاب الله .
... والله أعلى وأعلم ...
(1) الدين القيم :
يقول الله تعالى فى كتابه العزيز :
( ان عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا فى كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها اربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن انفسكم ) .
يتبين من قول الله ما يلى :
(1) أن الله قسم الزمن لسنوات .. والسنة أو العام أو الحول ينقسم إلى إثـنى عشر شهراً .. فمرور هذا العدد من الشهور يعنى مرور عام كامل .. ومعنى عدة الشهور أى فصل الشهور بحيث تكون عاماً كاملاً .
ومرور الشهر يعنى مرور القمر بمنازله كلها بداية من ظهوره هلالاً ثم اكتماله ثم اختـفائه .. تلك هى دورة القمر التى يتم على أساسها إحتساب الشهر الواحد .. يقول الله :
( والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) .
القمر إذاً له وظيفتـان :
1- نور يضئ بالليل .
2- وسيلة لإحتساب الشهر .. وبالتالى إحتساب السنين .. مما يساعد فى احتساب فترات الدين والعدة وغير ذلك مما يحتاج الناس .
(2) أن هذا الإسلوب فى احتساب الزمن أوجده الله فى كتابه يوم خلق السموات والأرض .. وبالتالى يوم خلق الشمس والقمر .. فهو أمر مفروض مكتوب على العباد منذ نشأة الكون .. أن يتم التقسيم بهذا الشكل وفق المقياس القمرى .. وبناء على ذلك فإن استخدام مقياس آخر لإحتساب الشهور هو شرك وانفصال عن دين الله .. فالنظام الشمسى للقياس وهو المعمول به فى كل دول العالم تـقريباً ليس من الدين فى شئ .. والله يقول :
( يسالونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج ) .
فالأهلة أو المنازل التى ينفصل فيها القمر هى مواقيت تحدد الوقت لما يلى :
1- للناس .. أى يحسبون من خلالها فترات الدين والعدة والأجر وغيرها من الأعمال التى تختلف زمنياً من إنسان لآخر .
2- للحج .. لمعرفة وقته تحديداً .. وهو وقت محدد إلهياً .. لكل الناس .
وذلك لقول الله :
( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) .
فشهادة الشهر ورؤية القمر بالعين المجردة هى التى تحدد اليوم الأول من الشهر الجديد .
(3) أن الإثنى عشر شهراً القمرية منها أربعة حرم .. يحرم فيها القتال .. ويحرم فيها قتـل الصيد .. وهى أشهر الحج .. والهدف من ذلك أن يأمن الناس حين ينفصلون لآداء الحج فى مكة بالأرض المباركة من كل فج عميق .. فلا توجد حروب تصدهم عن بلوغ الكعبة .. تهدد أمنهم وأرواحهم .. ولا توجد دماء تسيل .. ولذلك أمر الله المؤمنين ألا يظلموا فى تـلك الأشهر أنفسهم .. أى لا يفصلوا فيهن أنفسهم عن دين الله .. وذلك بأن يقاتلوا فيهن .. أو يقتـلوا الصيد فيهن .. لأن الشهر ما دام محرماً فهو محرم فيه القتال والقتـل بأمر الله .. ومعنى أن يقاتـل فيه المؤمن أى ينفصل عن أمر الله .. وهذا ظلم لنفسه .. لأنه يلقى بنفسه للتهلكة فى نار الله بالآخرة .
والمؤمنون كانوا يسكنون المدينة .. وهى إحدى القرى المباركة التى تقع فى الأرض التى بارك الله فيها للعالمين .. ولا يسكنون المدينة التى بالحجاز كما زعم أهل السنة .. وتلك المدينة ليست بعيدة من البلد الحرام كبعد المدينة الحجازية من مكة الحجازية .. ولذلك كان إنفصال المؤمنين عن القتال فى الأشهر الحرم يمثل أماناً للوافدين للبيت الحرام فى الأشهر الحرم .
وقد حرم الله صيد البر طالما كان الإنسان حرماً .. بمعنى أنه يكون فى واحد من هذه الأشهر الأربع .. ويتضح ذلك فى مقال [ الهدى والصيد ] .. يقول الله :
( يا ايها الذين امنوا لا تقتـلوا الصيد وانتم حرم ) .
( وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما ) .
ويتبين من قول الله ( منها اربعة حرم ) .. أن الأشهر الحرم هن آخر شهور العام القمرى .. وهن الأربعة أشهر التـالية لشهر رمضان .. فبعد انقضاء تلك الأشهر يبدأ عام قمرى جديد .. وسيتضح سبب ذلك بعد قليل .
(4) أن هذا المقياس الزمنى القمرى أساس للتـشريعات والمناسك .. وبالتالى فهو دين الله .. أمر وحكم من الله أن يتخذ القمر بتلك العدة وسيلة لإحتساب الشهور .. وهو دين قيم أى مستـقيم .. يفصل المؤمنين الذين اتبعوه للجنة .. ولا يوجد غيره وسيلة لبلوغ الجنة .
(2) أشهر الحج :
يقول الله :
( الحج اشهر معلومات ) .
يتبين من قول الله أن أشهر الحج وهى الأشهر الحرم هى أشهر محددة مفصولة للناس بعلم وحكم من الله .. وهى الأشهر الأربعة التالية لشهر رمضان .. حيث ينزل القرآن فى شهر رمضان من كل عام فى ليلة القدر .. ليتسنى للرسول الكريم تلاوته على الناس الوافدين فى موسم الحج .. وهكذا فالحج أشهر محددة مفصولة من أشهر العام .
ويمكن للمؤمن أن يذهب للحج فى أى شهر من تلك الشهور .. ولا يشترط فى التاسع من الشهر الذى أسموه ذى الحجة كما يفعل أهل السنة .. الذين يتجمع من أراد الحج منهم فى يوم واحد من بين أيام أربعة أشهر حرم .. فالله أوسع على الناس مدىً كبيراً من الوقت .. فمن حج فى أول شهر حرم صح حجه .. ومن حج فى رابع شهر حرم صح حجه .. بل إن تحديد يوم للحج خلال الأشهر الحرم .. وتحريم الحج فى باقى الأشهر الأربع هو شرك وانفصال عن دين الله .. وعصيان لأمر الله .
كذلك فلا فضل للعشر الأول من شهر ذى الحجة على باقى أيام الأشهر الحرم .. ولا فضل لهذه الأيام العشر على سائر أيام العام كما يزعم أهل السنة إلا فى كونها أحد أيام الأشهر الحرم .. كذلك فالعمل الصالح فى العشر الأول من الشهر الذى أسموه ذى الحجة يعادل فى أجره العمل الصالح فى باقى أيام السنة .
وهذه الأسماء التى أعطاها العرب للشهور ليست ملزمة للمؤمنين .. فالشهر الوحيد المسمى فى القرآن هو شهر رمضان .. والأشهر الأربعة التالية له يجب أن تسمى وفقاً للقرآن كما يلى :
1- الشهر الأول الحرم .
2- الشهر الثانى الحرم .
3- الشهر الثالث الحرم .
4- الشهر الرابع الحرم .
أما باقى شهور السنة السبعة الأول فلم يعطها الله أى إسم فى كتابه .
(3) القتال :
يقول الله :
( يسالونك عن الشهر الحرام قتـال فيه قل قتـال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ) .
من قول الله يتبين ما يلى :
(1) أن المؤمنين سألوا رسول الله عن مدى شرعية القتـال فى الشهر الحرام .. هل هذا حلال أم حرام ؟
(2) أمره الله أن يجيبهم أن القتال فى الشهر الحرام يعنى ما يلى :
1- أنه فعل كبير عند الله .. أى محرم منفصل عن دين الله .
2-أنه صد عن سبيل الله .. أى فصل للناس عن دين الله وعن طريقه المؤدى للجنة .
3- أنه صد عن المسجد الحرام .. أى فصل للناس عن بلوغ الكعبة لعبادة الله .
4- أنه كفر بالله .. أى إنفصال عن دين الله .
ويقول الله :
( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثـل ما اعتدى عليكم ) .
يتبين من قول الله أن الله أحل القتال فى الشهر الحرام فى حالة إعتداء الكفار على المؤمنين فى الشهر الحرام أيضاً .. حيث يجب رد الإعتداء بالمثـل .. وفى الشهر الحرام .. فذلك قصاص .. ومعنى أن الحرمات قصاص أن القتال عند الكعبة أيضاً محرم .. ولكن إذا حدث اعتداء من الكفار عندها فلا بد من الرد وقتال الكافرين .. وعند الكعبة .. وكذلك فإن قتل النفس محرم .. ولكن يحل الله القتـل عند إعتداء الآخرين .
(4) التوالى والإنفصال :
يقول الله :
( براءة من الله ورسوله الى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا فى الارض اربعة اشهر ) .
من قول الله يتبين ما يلى :
1- أن الله والرسول يتبرآن من المشركين الذين نقضوا العهد معهم .. وبالتالى فقد تم الإنفصال من المعاهدات التى عقدها المؤمنون معهم .. وكان الهدف منها عدم قتال المؤمنين للكفار خلال فترة محددة قمرياً .
2- أن الله أنزل هذا القول فى نهاية شهر رمضان الذى ينزل فيه القرآن من كل عام .. أى فى بداية الأشهر الحرم .. وهى أشهر يحرم فيها القتال .
3- أن الله يأمر المؤمنين أن يسيحوا أو ينفصلوا فى الأرض عن قتال الكفار .. بمعنى أن يتم تسريح الجيش مؤقتاً .. حيث ينفصل الجنود لبيوتهم وأحوالهم .. بعدما كانوا منفصلين للقتال .. وذلك لحلول الأشهر الحرم الأربعة التى يحرم فيها القتال .. وهى أشهر الحج .
4- أن الأشهر الحرم متتابعة لا منفصلة كما يظن أهل السنة .. فالأشهر الأربعة التى ينفصل فيها المؤمنون عن القتال هى أشهر متوالية .. ولا يعد الشهر الذى أسموه رجب المنفرد من الأشهر الحرم إطلاقاً .
ويقول الله :
( فاذا انسلخ الاشهر الحرم فاقتـلوا المشركين ) .
يتضح من ذلك أنه بمجرد إنسلاخ أو انفصال الأشهر الأربعة الحرم فعلى المؤمنين الإنفصال مرة أخرى لقتال المشركين .. تنصلاً من أى اتـفاق أبرم معهم بوقف القتال .. إلا من تم معاهدتهم عند المسجد الحرام .. ويتضح ذلك تفصيلاً بمقال [ المعاهدات ] .
وكلمة إنسلخ مشتـقة من الإسم سلخ .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( واية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون ) الليل يفصل الله منه النهار فيظلم الناس .
( واتل عليهم نبا الذى اتيناه اياتنا فانسلخ منها ) انسلخ من آيات الله أى انفصل منها .
ويقول الله :
( واذان من الله ورسوله الى الناس يوم الحج الاكبر ان الله برى من المشركين ورسوله ) .
يتبين من حكم الله ما يلى :
(1) أن هذا القول أذان من الله ورسوله .. أى أمر مفصول من الله للمؤمنين .. يتم ابلاغه وفصله لهم عن طريق رسول الله .
(2) أن هذا الأذان يتم فى يوم الحج الأكبر .. والذى يبدأ مع انفصال آخر ليلة من شهر رمضان .. وبعدها أول أيام أشهر الحج .. أو أول أيام الحج .. فهو يوم الحج الأكبر .. لأن عدد كبير من الناس يـقدم للكعبة فى هذا اليوم سائقين للهدى .. باعتباره أول أيام الحج .. أضف لذلك هذا العدد من المتمتعين بالعمرة إلى الحج .. جاءوا للعمرة فى رمضان وانتظروا الأشهر الحرم لأداء فريضة الحج .
(3) أن هذا الأذان أو البلاغ يعنى انفصال وتبرأ الله ورسوله من المشركين .. ونبذ المعاهدات التى تمت معهم .
وهذه السورة نزلت فى شهر رمضان .. لأن القرآن لا ينزل إلا فى هذا الشهر من كل عام على قلب النبى محمد الكريم .. يقول الله :
( شهر رمضان الذى انزل فيه القران ) .
ومعنى أن يذكر الله العليم أن السورة نزلت يوم الحج الأكبر أى أنها نزلت فى آخر ليلة من شهر رمضان .. وتلك الليلة يعقبها مباشرة أول أيام الأشهر الحرم .. لأن أوله حج .. وبالتالى فإن الأشهر الحرم هى الأربعة أشهر التالية لشهر رمضان مباشرة .. لذلك يقول الله :
( فسيحوا فى الارض اربعة اشهر ) .
فالله يعنى أنها أربعة أشهر تبدأ من تاريخ نزول هذا الحكم .. أى اعتباراً من آخر ليلة فى شهر رمضان .
ولأن الليلة التى نزل فيها القرآن من شهر رمضان هى ليلة القدر .. فإن آخر ليالى شهر رمضان هى ليلة القدر .. محددة من الله بوضوح .. وهى ليلة انفصال هذا الشهر .. حيث يكون القمر مختفياً بالسماء .. ليبـدأ يوم الحج الأكبر بعد مرور تـلك الليلة مباشرة .. بعد مطلع الفجر .. وفى هذه الليلة من كل عام ينزل القرآن على قلب الرسول محمد الكريم .. يقول الله :
( انا انزلناه فى ليلة القدر وما ادراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من الف شهر تنزل الملائكة والروح فيها من كل امر سلام هى حتى مطلع الفجر ) .
يبين الله أنه أنزل القرآن فى ليلة القدر .. أو ليلة فصل القول والوعد من الله بالآخرة .. وقدر هذه الليلة عند الله أكبر من قدر الليالى الأخر .. فهى ليلة خير من ألف شهر فى قدرها عند الله .. لأن القرآن نزل فيها للناس .. وفى هذه الليلة من كل عام منفصل أو من كل أمر تنزل الملائكة وينزل الروح .. والروح هو الملك الذى ينفصل وينزل بالوحى من رب العالمين على قلب الرسول محمد ليكون واحداً من المنذرين .. أو الذين يفصلون للناس علماً من الله بالآخرة لقومهم بنفس لسانهم ولغتهم .. يقول الله :
( وانه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربى مبين ) .
فالروح هو حالة خاصة من الملائكة .. هو ملك منفصل برسالة من الله للبشر على الأرض .. حيث يتمثل فى صورة بشر .. ليتمكن من مخاطبة الناس ونقل رسالة الله إليهم .
والروح كلمة مشتـقة من الإسم رح .. ويعنى الفصل .. يقول الله :
( وكذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ) الروح هنا هى القرآن .. أى القول المنفصل المنزل من الله للناس .
( ينزل الملائكة بالروح من امره على من يشاء من عباده ) الروح هنا هى كل كتاب سماوى منفصل من عند الله للناس .
( فارسلنا اليها روحنا ) الروح هنا هو الملك المنفصل من الله لمريم الطاهرة برسالة معينة .. وقد تمثـل لها فى صورة بشر .
( فاذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين ) روح الله هى الحياة المفصولة من الله للبشر .. وهى أمر خاص بالله وحده .
( ولا تياسوا من روح الله انه لا يياس من روح الله الا القوم الكافرين ) اليائس من روح الله هو المنفصل عن الوعد والقول المفصول من الله للناس بأنه يفصل رحمته وأجره الحسن للمؤمنين .. فلا يصدقه ولا يؤمن به .
( فروح وريحان وجنة نعيم ) الروح هنا هى رحمة الله وأجره الكريم .
( والحب ذو العصف والريحان ) الريحان هو نبات منفصل من الأرض .
( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر ) رواح الريح هو انفصالها للبلاد بعد غدو وذهاب .
( ولكم فيها جمال حين تريحون ) لكم فيها منافع حين تريحون .. أى حين تنفصلون عن الحركة .
( قال ابوهم انى لاجد ريح يوسف ) ريح النبى هى الجزء المنفصل عنه .. وهو القميص .
( فارسلنا عليهم ريحا ) الريح هى الهواء المنفصل المرسل من مكان لاخر .
وتستمر ليلة القدر سلام أو مفصولة كأى ليلة حتى مطلع الفجر .. ولا يعنى كونها ليلة القدر أن الدعاء يستجاب فيها فقط .. أو يستجاب فيها أكثر من غيرها .. فالله يستجيب دعاء الناس طالما دعوه باسلوب الدعاء المفصل بالقرآن .. يقول الله :
( وقال ربكم ادعونى استجب لكم ) .
كما أن أجر القيام والصلاة فيها يعادل أجر أى ليلة أخرى .. فلم يذكر الله أن لأجر العمل فيها أى تميز عن غيرها .. هى فقط مفضلة عند الله عن ألف شهر لنزول القرآن فيها .. وليست لها أى أحكام خاصة بالمؤمنين .
ويقول الله :
( حم والكتاب المبين انا انزلناه فى ليلة مباركة انا كنا منذرين فيها يفرق كل امر حكيم امرا من عندنا انا كنا مرسلين رحمة من ربك انه هو السميع العليم ) .
يتبين من قول الله ما يلى :
(1) أنه بدء السورة بقوله ( حم ) .. وتـلك فواصل السور لتحدد بداية سورة معينة فى القرآن .. والسورة تعنى الجزء المنفصل من قول الله .
(2) أن الله أقسم بالكتاب المبين الواضح المفصول للناس .. وهو القرآن .
(3) أن الله أنزل هذا الكتاب المبين فى ليلة مباركة .. أى ليلة ينفصل فيها الخير والهدى للناس .. لنزول القرآن فيها .. وقد أنزل الله هذا الكتاب بصفته الرب المنذر .. الذى يفصل للناس علماً عن الآخرة .. ومصير العباد فيها للجنة أو النار .
(4) أن فى هذه الليلة من كل عام يفرق أو يفصل من الله كل أمر حكيم أو فاصل بين الحلال والحرام .. وبين الحق والباطل .. ذلك الأمر المرسل من الله للناس .. وهذا الأمر أو الكتاب المرسل رحمة من الله .. لأنه يهدى المؤمنين لطريق الله المستـقيم .. فهو الله السميع الذى يسمع دعاء الناس وقولهم .. وهو العليم بكل ما غاب عن الناس أو شهدوه .
وفى العصر الحالى إبتدع الناس ما يسمى عيد الفطر .. يفرحون فيه ويمرحون بغير الحق .. وقد أمرهم الحكيم العليم بالحج فى تـلك الأيام .
وفى آخر يوم من رمضان كانت حرب الفرقان .. حيث يتنزل القرآن ويفرق ويفصل من عند الله فى ليلة هذا اليوم .. يقول الله :
( وما انزلنا على عبدنا يوم الفرقـان يوم التـقى الجمعان ) .
ففى هذا اليوم التـقى جمع المؤمنين بجمع الكفار فى الحرب .. حين صد الكفار المؤمنين عن بلوغ الكعبة لأداء فريضة الحج قبل يوم الحج الأكبر أول أيام الشهر الأول الحرم .. إقرأ مقال [ الفرقان ] .. ومقال [ الغنائم والفئ ] .
ويقول الله :
( يا ايها الذين امنوا انما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ) .
يبين الله للمؤمنين فى حكمه أن كل المشركين بالله نجس .. أى منفصلون عن دين الله .. وبناء على ذلك فقد حكم الله ألا يعمروا أو يدخلوا المسجد الحرام بعد انقضاء العام الذى نزلت فيه هذه الأحكام .. وانقضاء العام يكون بإنقضاء الأشهر الحرم الأربعة التالية لشهر رمضان وهو الشهر الذى نزل فيه هذا الحكم .. لأن الله أمر المؤمنين أن يسيحوا أو ينفصلوا فى الأرض عن القتـال أربعة أشهر هى الأشهر الحرم الخاصة بالحج .. حتى يأمن الناس فى الحج بتلك الأشهر .. ثم أمرهم بقتـال الكافرين بعد انقضاء تـلك الأشهر ويشمل هذا القتال منعهم عن الإقتراب من المسجد الحرام .
إذاً فإنتهاء وانسلاخ الأشهر الحرم يعنى انقضاء العام بالكامل .. ليبدأ عام جديد يحل القتـال فى أوله .
ونجد أن أهل السنة الضالين قد فصلوا الشهر الرابع الحرم الذى يسمونه محرم ليجعلوا أوله بداية عام جديد .. وأطلقوا عليه رأس السنة .. رغم اعترافهم أنه من الأشهر الحرم .. ثم أضافوا لهذا الشهر أكاذيب صيام يوم عاشوراء مع يوم قبله أو بعده .. وحاكوا روايات وقصص ملفقة خاصة بهذا اليوم لم ترد بكتـاب الله مثـل أحاديث نجاة الأنبياء .. وجعلوا العشر الأول من هذا الشهر مفضلة على غيرها من أيام الله بغير علم من الله وافتراءً عليه .. وكل ذلك شرك بالله .
(4) النسيئ :
يقول الله :
( انما النسيى زيادة فى الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطووا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء اعمالهم والله لا يهدى القوم الكافرين ) .
من حكم الله يتبين ما يلى :
(1) أن الأشهر الحرم كانت معروفة عند العرب منذ عهد إبراهيم عليه السلام .. لأن الله حدد تـلك الأشهر منذ خلق السموات والأرض .
(2) أن النسيئ هو الشهر المنفصل عن الأشهر الحرم الأربعة المتوالية .. وهو منفصل عنهم لأنه تم تحليله .. أى تحليل القتـال فيه كأى شهر عادى .
(3) أن حالة النسيئ وقت نزول القرآن تعنى تحليل أحد الأشهر الحرم فى عام من الأعوام .. حيث يقاتـلون فيه وفق رغبتهم إذا رأوا أن ذلك فى صالحهم .. ثم يأتوا فى العام المقبل ليحرموا الشهر الحرام الذى أحلوه فى عامهم السابق .. كى يواطؤوا أو يفصلوا عدد أو عدة الأشهر الحرم .. وهى أربعة أشهر .. ويتكرر ذلك كلما أرادوا القتال فى شهر من الأشهر الحرم فى أى عام .. ومعنى ذلك أنهم يحلون الحرام .. يحلون لأنفسهم شهراً حرمه الله .
(4) أن هذا النسيئ زيادة فى الكفر .. أى إنفصال أكثر فى الكفر وعدم الإيمان بقول الله .. وأن الكفار يضلوا وينفصلوا بهذا الفعل عن دين الله .
(5) أن الكفار قد أتوا هذا الفعل السئ المنفصل عن الدين لأن الشيطان زين لهم هذا العمل .. فرأوه صائباً صحيحاً طالما يحقق لهم مصلحة معينة .. وطالما يتـفق مع أهوائهم .. والله يتركهم فى ضلالهم هذا ولا يهديهم لطريقه المستقيم المؤدى للجنة .. لأنهم لم ينفصلوا لإتباع دينه .
وفى الوقت الحالى نجد أن أهل السنة قد فصلوا ما أسموه شهر شوال عن الأشهر الحرم .. أى فصلوا الشهر الأول الحرم .. ولكنهم لم يحلوه عاماً ويحرمونه عاماً فحسب .. بل أحلوه ليوم القيامة .. وأفردوا ما أسموه شهر رجب غير المحرم فجعلوه محرماً بدلاً منه .. وهم بذلك فعلوا ما يلى :
1- أحلوا ما حرم الله .. حيث أحلوا الشهر الأول الحرم .
2- حرموا ما أحل الله .. حيث حرموا ما أسموه شهر رجب المحلل .
ومعنى ذلك أن الأشهر الحرم عند أهل السنة الضالين هى الشهر الأول .. والسابع .. والحادى عشر .. والثـانى عشر .. وهذا التوزيع العشوائى لم يرد بكتـاب الله .
... والله أعلى وأعلم ...